لا قواعد في العالم .. وسنندم جميعا على ذلك

05 يناير 2026
05 يناير 2026

لم أتخيل يوما أن يكون ممكنًا أن تنظر إلى حرب العراق، وإلى الغزوات الأجنبية التي رافقت «الحرب على الإرهاب» عموما، وأن تشعر ـ ولو قليلا ـ بشيء يشبه الحنين. حنين إلى زمن كانت فيه على الأقل محاولات منظمة لتبرير التدخلات الأحادية والحروب غير القانونية باسم الأمن العالمي، بل باسم واجب أخلاقي لتحرير نساء أفغانستان أو «إنقاذ الشعب العراقي».

أما الآن، وقد صار الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في الجوهر مختطفًا، وصارت فنزويلا مأخوذة بالقوة تحت إدارة الولايات المتحدة، فلا تكاد تُبذل أي محاولة لوضع الانقلاب ضمن منطق يتجاوز مصالح الولايات المتحدة. ولا توجد محاولات لاستصدار موافقة من هيئات تشريعية داخلية أو دولية، أو من الحلفاء، ناهيك بالرأي العام.

الأيام التي كانت فيها الولايات المتحدة تحاول إقناع العالم بأن صدام حسين يمتلك فعلا أسلحة دمار شامل رغم أنها كانت سرًا بلا أي استخبارات موثوقة كانت في الحقيقة «الأيام الخوالي» الجميلة.

قال وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث: إن مادورو «لعب بالنار، فذاق العاقبة». وأضاف: «أمريكا تستطيع أن تُسقط إرادتنا في أي مكان، وفي أي وقت». وقال الرئيس دونالد ترامب: إن الولايات المتحدة ستتولى الآن «إدارة فنزويلا». «سنكون موجودين في فنزويلا بما يتصل بالنفط»، هكذا صرّح. لا يكاد يوجد أي جهد لجعل مبررات الاستيلاء متماسكة.

يُقال: إن مادورو مذنب بـ«إرهاب المخدرات»، وتُلصق به اتهامات أخرى، منها «التآمر لحيازة رشاشات وأجهزة تدميرية ضد الولايات المتحدة»، وهي اتهامات لا تقترب أصلا من العتبة اللازمة لتسويغ غزو وخطف، بل يبدو ـ على نحو لافت ـ أنها لا تؤخذ بجدية كبيرة حتى من ترامب نفسه؛ فقد جرى العفو عن آخرين متهمين بجرائم مخدرات. ومن بينهم الرئيس السابق لهندوراس خوان أورلاندو هرنانديز، وروس أولبريخت ولاري هوفر، وكلاهما أُطلق سراحه بعد أحكام بالسجن المؤبد على إدانات شملت الاتجار بالمخدرات.

الفكرة - كما تكشفها منشورات منتشية على وسائل التواصل- تتضمن مونتاجات مصحوبة بإيقاعات هيب ـ هوب وتصوّر ترامب كأنه «زعيم عصابة» ـ ليست في الادعاء بأن ما يحدث امتداد لذراع القانون، بل في توبيخ فكرة أن الأفعال الأمريكية تخضع أصلا للإجراءات القانونية الواجبة. انقلاب فنزويلا ليس استعراضا لـ«سيادة القانون»، بل استعراض لحقيقة أن الولايات المتحدة هي القانون، وأنها ليست خاضعة لقانون أعلى؛ قادرة على أن تُشهر قوتها الاستثنائية وفتكها في جوف الليل، وأن تقتل عشرات الأبرياء من دون أن تواجه عواقب فضلا عن إدانة.

وردود الفعل حتى الآن تؤكد ذلك؛ فهذه المشاهد والأفعال والتصريحات الاستثنائية تُدفَع سريعا إلى خانة «الاعتيادي» عبر ذلك النوع من البيانات الباهتة المتحفظة التي اعتدناها.

انخرط عدد من السياسيين ورؤساء الدول في تصريحات واهنة ومتناقضة من الطراز الذي يصدر حين تصطدم دبلوماسيتهم بواقع أن حلفاءهم خرجوا عن طورهم.

يقول كير ستارمر: إن الوضع «يتغير بسرعة» وإنه سيعمل على «استجلاء جميع الحقائق»، في الوقت الذي تسير فيه «الحقائق» نفسها وهي تقود مادورو في موكب المتهمين في بروكلين.

وتقول رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين: إنها «تتابع عن كثب الوضع في فنزويلا، وأن أي حل يجب أن يحترم القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة». وتطمئننا مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إلى أن الاتحاد «يراقب الوضع عن كثب»، شأنه شأن الحكومة الأسترالية وغيرها.

ما سيُذكَّر به المرء بوتيرة متزايدة حين لا تعود هناك «حقائق» ينبغي استجلاؤها، ولا «أوضاع متحركة» تستدعي المراقبة هو أن مادورو كان رجلا سيئا. وحتى حين تُعلَن أهمية القانون الدولي سيجري ذلك بالتوازي مع إدانة مادورو. وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر ـ الحاضرة دائما في المقدمة ـ تتصدر المشهد بهذا المثال الذي يكاد يكون «نموذجا أفلاطونيا». النقطة الأولى كتبتها في تغريدة يوم السبت: «لقد رفضت المملكة المتحدة باستمرار شرعية نيكولاس مادورو، ودعت إلى انتقال سلمي للسلطة في فنزويلا»، ثم أتبعت ذلك بالنقطة الثانية: «وكما أوضح رئيس الوزراء؛ نحن ندعم القانون الدولي، وينبغي أن ينصبّ تركيزنا الجماعي الآن على تحقيق انتقال من دون إراقة دماء إلى حكومة ديمقراطية».

لاحظ هنا أنه لا يوجد أي اعتراف بأن القانون الدولي قد انتُهك بالفعل، ولا بمن الذي انتهكه. هناك فقط إعلان دعم له، ولكن ـ على ما يبدو ـ من دون أن يتجسد هذا الدعم في أي صورة يمكن فيها للقانون أن يُصان فعليا. الخلاصة أننا ندخل عاما وقد أُلقيت النرد. حادثة فنزويلا ستمزّق ما تبقى ـ وهو قليل أصلا ـ من ادعاء وجود إرادة للوقوف في وجه معايير تُسنِد الأمن العالمي؛ ذلك الإحساس بأن ثمة عواقب -مادية كانت أم معنوية- تردع الاستيلاءات على الأرض، أو الضمّ، أو تغيير الأنظمة. العالم مهيأ سلفا لمثل هذه اللحظة.

الشرق الأوسط بؤرة ساخنة يتبلور فيها تنافس بين دول خليجية صاعدة، ويزداد اضطرابا بفعل انفلات أمريكي وإسرائيلي. نرى ذلك في فلسطين وسوريا ولبنان. وقد يبدو الأمر الآن مجرد ومضة على خريطة الأخبار، لكن السعودية والإمارات ـ القوتين الكبيرتين اللتين كانتا حليفتين وثيقتين ـ تتواجهان على اليمن، وعلى الأطراف التي يدعمها كل منهما هناك في ظل أجندات إقليمية تتسع طموحًا.

إن تصاعد الخطاب والأنشطة العسكرية ـ إذ ضربت السعودية شحنة مركبات قتالية إماراتية كانت متجهة إلى اليمن، واتهمت الإمارات بتعريض أمنها القومي للخطر ـ يفتح جبهة غير مسبوقة في الخليج.

وعلى الضفة الأخرى من الخليج تدخل الاحتجاجات في إيران أسبوعها الثاني، وقد استحوذت بالفعل على اهتمام ترامب الذي هدّد بمزيد من الضربات بما يخرج احتمال «تغيير نظام» تقوده الولايات المتحدة هناك من دائرة المستبعد، وكذلك الأمر مع تهديد ترامب بضمّ جرينلاند.

وهكذا تتحول الاستبعادات إلى احتمالات. الصين تجري مناورات عسكرية حول تايوان. فلاديمير بوتين لا يحتاج إلى كثير تشجيع، لكن «العقيدة الترامبية» القائمة على الهيمنة الإمبراطورية و«السلطة التقديرية» في إطلاق الحملات العسكرية باتت الآن تُشبه عقيدته هو، وتمنح أفعال روسيا في أوكرانيا مزيدا من شرعية متخيّلة.

بعد فنزويلا سيكون جنونًا ـ إذا كنت نظاما يمتلك قدرا من القوة المالية والعسكرية وطموحا إقليميا ـ ألا تختبر المياه على الأقل.

أما الردود الفاترة من أولئك الذين ما زالوا يشعرون بالحاجة إلى ترديد عبارات دعم القانون الدولي فهي لا تفعل شيئًا سوى الإسهام في هذا المناخ الذي يُشجّع الافتراس. لا يمكن احتواء ما يحدث في فنزويلا عبر «انتقال سلمي»، وهو انتقالٌ غير مرجّح إذا كانت خلاصة التاريخ القريب تصلح مؤشرًا) تمامًا كما لم يكن ممكنًا احتواء غزة.

قد يجادل أحدهم بأنه من الحكمة ألّا تُغضِب ترامب ـ ولا حتى بقول الحقيقة عن أفعاله ـ ويسأل: ماذا يمكن لبلد مثل المملكة المتحدة أن يفعل على أي حال؟ لكن مقاومة انتهاك القواعد والإصرار على الالتزام بها ـ حتى لو كان ذلك عبثًا ـ هي الطريقة التي تُنشأ بها الأعراف ثم تُصان. الانكماش إلى الظل وانتظار أن «يمضي هذا أيضا» ليس حذرا. إنه جبن وإنكار، وأمية تاريخية.

والعواقب ستُحصَد بوتيرة متصاعدة، ولن تقتصر على التعساء في أماكن بعيدة. الأسوار المادية والرمزية التي كانت تحفظ «تسوية» ما هشّة وناقصة، لكنها تسوية على كل حال يجري تفكيكها.   الصمت ليس أمانا. إنه بلغة اليوم ومع استحضار نبرة هيغسيث المبتهجة «عبثٌ» ينتهي سريعا بـ«اكتشاف العاقبة».