تأملات في تهاني العام الجديد

06 يناير 2026
06 يناير 2026

لقد ودعنا سنة 2025، ونحن في كل سنة نودع عامًا مضى من تاريخ العالم ومن تاريخ الحياة الشخصية لكل منا، بل إن البشر جميعهم عبر أنحاء العالم يحتفلون برأس السنة احتفالات كثيرًا ما تكون صاخبة بحيث تبدو أكثر أهمية من احتفالاتهم بأعياد ميلادهم أنفسهم.

يفعل أغلب الناس ذلك من دون أن يتساءلوا: ما الفرق بين ما مضى وما هو آت في العام الجديد من تاريخ هذا العالم أو من تاريخ حياتنا الذي نحتفل به كل عام! وهكذا فإننا نحصي السنين والأيام من دون أن نتأمل ما مضى منها وما هو آت أو ما نتوقعه ونخطط له فيما هو آت.

لقد ودعنا سنة سابقة لنستقبل سنة جديدة، وفي كل سنة جديدة تتداعى على ذهني تأملات فلسفية عديدة، أود أن أذكر شيئًا منها بمناسبة هذا العام الجديد بوجه خاص؛ وهي تأملات فلسفية لأنها تهتم بفهم مغزى هذا العام وروحه ومعنى الاحتفاء به مثلما سبق الاحتفاء بغيره من الأعوام. ولذلك فإنني لا أكتب هنا مقالًا عن مناسبة ما؛ لأن مثل هذه المقالات تبدو أشبه بشعر المناسبات؛ ولذلك فإنني أتخذ هنا وعلى الدوام المناسبة أو الحدث منطلقًا أو دافعًا لتأملات فلسفية في مسائل أكثر عمومية.

هذا العام الجديد هو حصاد مآس وكوارث عديدة لا تزال مستمرة في يومنا هذا، وربما تزداد وتتصاعد حدتها في بؤر ساخنة حول العالم، لعل أهمها: الصراع الدائر الآن في الشرق الأوسط، بين روسيا وأوكرانيا، والتوتر في شرق آسيا (خاصة في بحر الصين)، وفي البحر الكاريبي مؤخرًا.

حقًّا لقد حدثت مآس وكوارث كُبرى خلال الأعوام السابقة على هذا العام، ومنها الكوارث الطبيعية والبيئية التي تبدت في أشكال عديدة، لعل أهمها انتشار وباء الكورونا. لكن هناك اختلافًا واضحًا في الحالتين: ذلك أن هناك فرقًا كبيرًا بين الكوارث الطبيعية وما يستتبعها من مآس وبين الكوارث والمآسي الإنسانية التي نكون مسؤولين عنها نحن البشر؛ وربما يكون هذا هو السبب في شعورنا بالإخفاق الشديد باعتبارنا مسؤولين عما يجري لنا كموجودات بشرية، تلك الموجودات التي تحتفي كل عام احتفالات صاخبة، حتى إن كان عالمهم يئن من كثرة المآسي والكوارث؛ وهذا أمر يستدعي التأمل الفلسفي.

السؤال الآن: لماذا نحتفي ونزجي التهاني بالأعياد- خاصةً عيد رأس السنة- على الرغم من كل هذه المآسي البشرية؟!

ربما يُقَال إننا لابد من أن نحتفي وأن نتفاءل بعام جديد نأمل أن نتحرر فيه من الشرور الكونية وأن نعيش حياة أخرى مليئة بالحب والمودة والتفاؤل، وبأن نعيش حياة أفضل ننال فيها كل ما نتمنى أو بعضًا منه. وهذا قول حق لا مراء فيه. ولكن من أسف أن الطريقة التي يحدث بها ذلك الاحتفال أو الاحتفاء تُزيد- فيما أرى- من الشعور بالأسى، بل إنها تعمل على تكريس هذا الشعور؛ ذلك أن الاحتفاء بالعام الجديد يكاد يقتصر على إزجاء التهاني بعبارات تقليدية أو بصور متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي مخصصة لكل مناسبة من مناسبات الأعياد بما فيها عيد رأس السنة الميلادية. وذلك أمر بغيض؛ لأن معظم الناس يتبادلون هذه الصور فيما بينهم وكأنهم يؤدون واجبًا، بل طقسًا اجتماعيًّا مصطنعًا، وهذا هو شأنهم في كل مناسبات الأعياد.

ولذلك فإننا نجد دائمًا إزجاءً للتهاني من خلال صور متداولة تحمل عبارات شائعة مخصوصة لكل عيد من الأعياد، ومنها ما يخص الأعياد الإسلامية، مثل: عيد الفطر وعيد الأضاحي، والاحتفاء بحلول شهر رمضان: إذ يستخدم عموم الناس هنا صورًا تتعلق بالمناسبة الدينية، وذلك من قبيل: صور هلال رمضان أو خروف العيد، وما إلى ذلك. وبذلك فإننا حينما ننخرط في تبادل هذه الصور الإلكترونية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إنما ننخرط في تبادل التهاني الاجتماعية المزيفة التي تقوم على تنميط استجاباتنا بشكل يخلو من الصدق والحميمية.

هذه الظاهرة متواترة في احتفائنا بكل الأعياد؛ بل إن الأمر قد بلغ إلى حد الاحتفاء بكل يوم من أيام الجمعة في حياة المسلمين؛ إذ أصبح الناس في حياتنا الراهنة يزجون التحايا بقولهم تلك العبارة الشائعة: «جمعة مباركة»، وهم يكتفون بإرسال صورة جاهزة مصحوبة بهذه العبارة لكل الأصدقاء على صفحات التواصل الاجتماعي، وكأنهم يودون تذكيرهم بفضل يوم الجمعة في العقيدة الإسلامية، وبأنهم هم أنفسهم من المسلمين المؤمنين حقًّا، حتى إن كانوا لا يتحلون بروح الإيمان والضمير الحي الذي هو جوهر الدين! ومن أسف أن هؤلاء المسلمين الجدد يلتزمون بهذه الشعارات والصور المعبرة عنها، ويحرصون على إرسالها إلى الجميع، وكأنهم بذلك قد أدوا واجبهم باعتبارهم مسلمين أتقياء!

لم يكن هذا يحدث فيما مضى، أعني أن الإيمان الديني لم يكن يُختزَل في شعارات دينية، بل ينبغي أن يتبدى في سلوك الناس في حياتهم اليومية.

هل يمكننا أن نخلص من كل ما تقدم إلى أن الاحتفالات الصاخبة بالعام الجديد تكاد تكون زائفة مثلما هو شأن أكثر احتفالاتنا بأعيادنا الإسلامية؟! ذلك سؤال نترك الإجابة عنه إلى تأملات القارئ.

وعلى النحو ذاته يمكن القول بأن الاحتفاء بمولد العام الجديد وما سوف يتلوه، لا يمكن اختزاله في إزجاء التهاني والصور المكررة في الاختفاء بهذا العام الجديد من دون أدنى محاولة لتأمل معنى وحقيقة الاحتفاء بيوم ما له دلالة ما.