اعتقال «مادورو» ومنطق القوة العسكرية والإعلامية الغاشمة

06 يناير 2026
06 يناير 2026

قبل إعلان اعتقال الرئيس الفنزويلي «نيكولاس مادورو» فجر السبت الماضي في عملية عسكرية أمريكية، لم تكن معلوماتي عن فنزويلا تزيد كثيرًا عن معلوماتي في الهندسة النووية، إن لم تكن أقل.

كل ما كنت أعرفه أنها دولة لاتينية غنية بالنفط، يقودها رئيس شعبوي يساري التوجه. بعد هذا الإعلان الصادم، اكتشفت أن فنزويلا التي نسمع عنها مختلفة كثيرًا عن الصورة التي كانت في مخيلتي؛ فهي ليست دولة عادية، بل تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وتشكل منذ عقود إحدى ساحات الصراع المفتوح بين الولايات المتحدة الطامعة في ثرواتها، وسعي قادتها إلى بناء سياسات نفطية مستقلة. وهو صراع أدخلها في مواجهة مستمرة مع واشنطن، شملت حصارًا وعقوبات اقتصادية وسياسية، وكان النفط محركه الرئيس.

وإلى جانب البعد الاقتصادي، تبنّت القيادة الفنزويلية مواقف سياسية خارجية تصطدم مع السياسة الأمريكية، شملت دعم قضايا تعتبرها واشنطن خارج «الإجماع الغربي»، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وإدانة جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة، والاعتداء على إيران، فضلًا عن بناء علاقات وثيقة مع قوى دولية تُصنَّفها الولايات المتحدة في قائمة الخصوم.

في هذا السياق المركّب، يصبح من الصعب قراءة التحرك الأمريكي في فنزويلا، بما في ذلك اعتقال رئيسها وزوجته، ونقلهما إلى نيويورك ومثولهما أمام إحدى المحاكم الأمريكية، خارج إطار التاريخ الطويل من الصراع على الموارد والنفوذ، وإن كان قد سبق لمادورو أن أبدى مواقف مثيرة للجدل، من بينها تأييده بشار الأسد، في تناقض بات مألوفًا في السياسة الدولية.

بين ليلة وضحاها، تصدّر اسم فنزويلا العناوين الإخبارية العالمية، بعد إعلان اعتقال رئيسها على يد الولايات المتحدة، في واقعة أعادت طرح أسئلة قديمة في سياق جديد ومختلف: من يملك حق محاسبة الدول وحكامها؟ شعوبها أم دول أخرى؟ وهل يتم ذلك عبر القانون الدولي والمؤسسات الأممية، أم من خلال قرارات فردية تتخذها دول أو زعماء؟ ومتى يتحول «تطبيق العدالة» إلى أداة سياسية للتخلص من الرؤساء الذين يقاومون الهيمنة الأمريكية؟

الواقع أن التحول المفاجئ في حضور فنزويلا إعلاميًا لم يقتصر على حجم الحدث نفسه، رغم ضخامته، بل على الطريقة التي أُعيد بها إنتاجه وتقديمه عبر وسائل الإعلام العالمية. فمنذ الساعات الأولى للاعتقال المسلح، بدا واضحًا أن الاهتمام الإعلامي تجاوز كونه تغطية إخبارية لحدث ساخن، ليتحوّل إلى صراع مفتوح بين سرديات متناقضة، لا تكتفي بتفسير الحدث، بل تعيد تعريفه وتوظيفه ضمن رؤى سياسية وأخلاقية أوسع، تتوافق في الغالب مع مصالح من يملك المنصات الإعلامية.

عكس الإعلام العالمي هذا الانقسام السردي بوضوح منذ اللحظات الأولى. ففي الإعلام الأمريكي والغربي المهيمن، وصفت مؤسسات كبرى مثل «سي إن إن» و«نيويورك تايمز»، الاعتقال بأنه خطوة في مسار «المساءلة»، وتأكيدًا على مبدأ أن لا أحد فوق القانون، وركزت بشكل كبير على مفردات مثل «سيادة القانون» و«العدالة الدولية»، مقابل غياب شبه كامل للنقاش حول الاختصاص القضائي الدولي أو شرعية تطبيق القانون الأمريكي خارج الأراضي الأمريكية.

وفي صحف أخرى مثل «الغارديان» و«واشنطن بوست»، بدا الاعتقال كرسالة ردع أخلاقية موجهة للقادة «الشعبويين»، وقُدّم في إطار يوحي بأن السيادة الوطنية لا يمكن أن تكون غطاءً للإفلات من العقاب. وقد أسهمت مؤسسات إعلامية أوروبية واسعة الانتشار، مثل «بي بي سي» و«رويترز»، في تدويل هذه السردية عبر إعادة إنتاج الموقف الأمريكي بلغة قانونية محايدة في ظاهرها، لكنها تمنح الفعل الأمريكي شرعية ضمنية، وتتعامل معه وكأنه امتداد طبيعي لنظام دولي قائم.

في المقابل، تبنّى الإعلام غير الغربي رؤية مختلفة، انطلقت من التشكيك في الأساس القانوني للاعتقال ذاته قبل أي تقييم لشخص مادورو أو سياساته. ففي وسائل إعلام دولية مثل «روسيا اليوم» و«شبكة سي جي تي إن الصينية»، جرى وصف الحدث بأنه انتهاك صريح لمبدأ السيادة الوطنية، واستخدام انتقائي للقانون خارج إطاره الدولي المعترف به، مع التأكيد على ضرورة الإفراج عن الرئيس وزوجته، باعتبار أن ما جرى لا يستند إلى تفويض أممي أو آلية قضائية دولية.

أما الإعلام اللاتيني، فقد تناول الاعتقال ضمن سياق تاريخي أوسع، باعتباره حلقة جديدة في سلسلة التدخلات الأمريكية في شؤون دول أمريكا الجنوبية.

هذا التناقض في السرديات لم يبقَ حبيس غرف التحرير، بل انعكس بوضوح على اتجاهات الرأي العام العالمي. والحقيقة أن الجمهور لم ينقسم حول شخصية مادورو أو تاريخه السياسي، بقدر ما انقسم حول مفهوم العدالة الدولية ذاته: هل هي منظومة قانونية تُطبَّق على الجميع، أم أداة سياسية يُعاد تفعيلها عندما تخدم مصالح القوى الكبرى؟ ويزداد هذا السؤال إلحاحًا في ظل مشاهد موازية تكشف ازدواجية صارخة في المعايير؛ إذ ما زال رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، والمطلوب من المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في غزة، حرًّا طليقًا، ويتم استقباله رسميًا في دول تزعم أنها تمثل «العالم الحر»، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها. وهو ما يثير السؤال الأخلاقي والسياسي الجوهري حول انتقائية العدالة الدولية، ومن يملك حق تفعيلها وتعطيلها، ومن يُحاسَب ومن يُستثنى.

في الفضاء الإعلامي الغربي، تم دفع الجمهور إلى تبني موقف أخلاقي سريع، يقوم على ثنائية مبسطة: إما أن تؤيد الاعتقال بوصفه تطبيقًا للقانون، أو أن تُتهم بالدفاع عن الاستبداد والديكتاتورية. هذا الخطاب يغلق باب النقاش، ويحوّل القانون إلى أداة إدانة أخلاقية. في المقابل، تشكّل رأي عام موازٍ، أكثر تشككًا في الخطاب الغربي، لا انطلاقًا من التعاطف مع فنزويلا فقط، ولكن نتيجة تراكم طويل من فقدان الثقة في والمعايير الأمريكية والغربية، التي تعتقل ديكتاتورا في أمريكا اللاتينية، حسب وصفها، وتترك العشرات غيره في مختلف بقاع العالم ممن يتعاونون معها ويدينون لها بالولاء. ولعل هذا ما يدفع الرأي العام إلى التساؤل: لماذا يُفعَّل القانون هنا ويُعطَّل هناك؟ ولماذا تُلاحَق انتهاكات بعينها، بينما تُترك جرائم موثقة دون مساءلة؟

في الوقت الذي يُقدَّم فيه اعتقال رئيس دولة بوصفه انتصارًا للعدالة، تُرتكب في غزة جرائم حرب موثقة بالصوت والصورة، دون أن تتحول إلى قضايا قانونية فاعلة، أو تُواجَه بإجراءات دولية رادعة. هذا التناقض الصارخ لم يعد خافيًا، بل أصبح عاملا مؤثرا في فقدان الثقة العالمي بخطاب حقوق الإنسان وسيادة القانون.

في ضوء ما سبق، يمكن اعتبار اعتقال «مادورو» نموذجًا لتوجه في السياسة الأمريكية، يقوم على توظيف القوة العسكرية والإعلامية الغاشمة لتحقيق المصالح الاستراتيجية، حتى وإن تم ذلك على حساب القانون الدولي والأعراف المستقرة في العلاقات الدولية. إن ما جرى في فنزويلا يشير إلى نمط قد يتكرر كثيرا، تغيب فيه الشرعية الدولية لتفسح المجال لمنطق القوة، وتُعاد فيه صياغة مفهوم العدالة عبر المنصات الإعلامية.

في هذا السياق، يتحول القانون الدولي من مرجعية حاكمة، إلى نصوص باردة يتم الالتفاف عليها أو تعطيلها متى تعارضت مع مصالح الدول الكبرى.

ويتم تسخير الإعلام لتوفير الغطاء الأخلاقي والسياسي لهذا التحول، وهو ما ينذر بعالم أكثر اضطرابًا.