بين عولمة السوق وحصانة المجتمع
06 يناير 2026
06 يناير 2026
إقرار مجلس الوزراء أمس إنشاء «مركز عُمان المالي العالمي» المبني على نظام مالي وقضائي وتشريعي جديد يواكب «المعايير العالمية» خبر مهم في سياقه الاقتصادي والمالي بالنسبة لسلطنة عُمان وكذلك بالنسبة للمؤسسات العالمية الراغبة في الاستثمار محليا.. لكنه مهم أيضا في سياق آخر وهو أحد مظاهر قدرة العولمة على التكيف وتجديد أدواتها رغم الهزات الكبيرة التي واجهتها خلال العقد الماضي؛ فهي لا تتلاشى، وتحاول بناء نفسها وفق متطلبات المرحلة دون أن تفقد جوهرها الذي تبحث عنه. يأتي هذا في سياق توجهات الاقتصاد العالمي في مرحلة ما بعد جائحة كورونا رغم التحديات والعقبات السياسية.
لكن بيان مجلس الوزراء كشف عن وعي كبير حين أتبع فقرة «إنشاء المركز المالي» بفقرة «تعزيز قوة المجتمع العُماني وحماية جميع شرائحه» من «التأثيرات الضارة للتطورات التقنية المعاصرة ووسائل التواصل الحديثة». وفي هذا التتابع الواعي تأكيد أن الدولة في عُمان هي مشروع حضاري متكامل، وليست مجموعة ملفات تُدار على طريقة «هذا للاقتصاد وذاك للمجتمع». ويمكن أن نفهم هذا التوجه الوعي بأنه «عولمة مضادة» هدفها تحصين المجال الاجتماعي من «عولمة السلوك والقيم».
وإذا ما عدنا إلى فكرة المركز المالي العالمي فهي تعبير عن رغبة في إعادة تموضع، ومحاولة بناء «لغة» جديدة لعُمان داخل الاقتصاد العالمي من خلال القواعد التشريعية والتنظيمية المستقلة، والمنظومة القضائية والمالية المواكبة للمعايير الدولية، والبيئة الجاذبة لرأس المال والمعرفة والوظائف النوعية. وهذه المفردات في ظاهرها مفردات العولمة الصلبة التي نعرفها عبر مصطلحات: منافسة، وثقة، وشفافية، وحوكمة، وقابلية للتنبؤ. لكن هذه المفردات لا تعمل في فراغ، ولا تُنتج نتائجها داخل مجتمع مقطوع الروابط أو فاقد الثقة بذاته وبمستقبله أو يعاني من مشكلة هوية وتاريخ. ورأس المال الصبور أو المغامر لا يراهن على القوانين وحدها في غياب المناخ العام الذي يصنع الثقة. والثقة بنية كاملة تُقاس في هذا السياق بسرعة التقاضي وباليقين في إنفاذ العقود وفي المعلومات المحصنة ضد التضليل والإشاعات وخطاب مستقر لا توجهه منصات التواصل الاجتماعي.
في المقابل، فإن دراسة المتغيرات السلوكية في المجتمع وتشخيصها، ووضع سياسات وآليات «محوكمة» لتعزيز القيم ومعالجة الأثر السلبي لمنصات التواصل الاجتماعي، لا يمكن أن نقرأها بوصفها انشغالا اجتماعيا منفصلا عن الاقتصاد. إنه جزء أساسي من هندسة الدولة نفسها في عصر تُعيد فيه التقنية تشكيل معنى الاجتماع البشري.
أغلب الدول التي اندفعت نحو «الحداثة» فعلت ذلك بترتيب معكوس؛ فتحت أبواب الاقتصاد، واستوردت نماذج السوق، وراكمت مشاريع البنية الصلبة، ثم اكتشفت متأخرة أن المجتمع يتآكل من الداخل، وتتراجع فيه الثقة، وتُستنزف اللغة المشتركة، وتتكاثر الهويات الصغيرة، وتتحول الحرية الرقمية إلى حقل تجارب قاس على النفس والعائلة والمدرسة. ثم في مرحلة متأخرة تبدأ عمليات الترميم دون سياسات دقيقة أو تشخيص واقعي.
وهنا يتضح الرابط المركزي بين «المركز المالي العالمي» وبين «دراسة المجتمع دراسة علمية»؛ فالاقتصاد في عُمان لا يبنى في معزل عن المجتمع، وحماية المجتمع لا تتحقق بالعودة إلى الوراء بأثر رجعي. وبذلك تحاول عُمان عبر فكر حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم-حفظه الله ورعاه- التقدمي صياغة معادلة صعبة خاصة بأن تندمج في الاقتصاد العالمي دون أن تدفع ثمن ذلك تفككا اجتماعيا. وهي تسعى بكل الآليات لمواجهة الآثار التقنية دون أن تتحول إلى دولة تخاف من المستقبل. وهذه المعادلة حضارية قبل أن تكون اقتصادية أو اجتماعية. و«المركز المالي العالمي» في جانب مهم من جوانبه هو اختبار لقدرة الدولة على إدارة الحداثة. و«السياسات السلوكية» هي أحد أهم شروط الاستقرار والثقة التي يقوم عليها أي مشروع عالمي.
والمركز المالي العالمي الذي يُبنى على نظام مالي وقضائي وتشريعي جديد يحتاج إلى ما يشبه «الفضيلة المدنية» بتعبير الفلسفة السياسية؛ يظهر فيها احترام القانون وتقدير العمل وضبط النزاعات داخل أطر مؤسسية ومناعة اجتماعية ضد الإشاعة والانقسام والتحريض. ومنصات التواصل الاجتماعي داخلة في هذا الموضوع بشكل كبير؛ فهي قادرة على تضخيم التوترات الصغيرة إلى أزمات عامة، وعلى تحويل النقاش العام إلى ضجيج، وعلى إضعاف مكانة الخبرة لصالح الشائعة. لا أحد يريد أن تدخل الدولة في حرب مع المنصات، وهذا مستحيل ولا طائل منه.. المطلوب هو ضبط أثرها على بنية المجتمع.
و«التكامل» الذي نراه يتكرر في فكر جلالة السلطان المعظم هو منهج دولة تتقدم فيه المؤسسات ويتقدم معها الوعي الاجتماعي وتدار فيه التحولات بشكل منهجي وعلمي ولا تترك للصدفة. والتقدم بهذا المعنى لا يتمثل في إنشاء مركز مالي عالمي وعلى المجتمع أن يلحق به تلقائيا. ولا أن نمعن في الحديث عن القيم والمبادئ فيما الاقتصاد يتخبط وحده. التقدم، بالمعنى العميق، هو أن نفهم أن الاقتصاد حين يزدهر يغيّر المجتمع، وأن التقنية حين تتمدد تغيّر السياسة والثقافة والعائلة، وأن الدولة التي لا تملك «خريطة أخلاقية» موازية لخريطتها الاقتصادية ستكتشف أنها توسعت خارجيا وتقلصت داخليا.
قد يبدو هذا كله طموحا شديد الصعوبة، لكنه في الحقيقة هو الحد الأدنى لأي دولة تريد أن تكون فاعلة في القرن الحادي والعشرين. العالم صار شبكة مترابطة، وفي هذه الشبكة تتنقل هشاشة النفس، وتنتشر العدوى السلوكية، ويُعاد تشكيل وعي الأجيال على نحو لا تديره المدرسة ولا الأسرة. لذلك، فإن بناء مركز مالي عالمي دون حماية الاجتماع العُماني يشبه بناء ميناء كبير على شاطئ تتآكله الأمواج من تحت.
الفكرة، إذن، ليست «اقتصادا» و«قيما» يسيران بشكل منفصل، هي رؤية ترى الدولة كجسم واحد: قلبه الاقتصاد، وروحه المجتمع. وربما يكون هذا هو جوهر «الحداثة العُمانية» التي يأتي الإنسان فيها أولا. والتنمية في الحداثة العمانية هي مشروع حضاري وليس سباقا على مؤشرات عالمية.
