الوضع العربي الراهن بين السياسي والمثقف

06 يناير 2026
06 يناير 2026

استطاعت أوروبا ـ في جملتها ـ بعد الحرب العالمية الثانية أن تفرض لمحيطها استقرارًا طال عهده؛ لا لأن السياسي أراد ذلك، لكن بسبب أن المثقف فرض كلمته، وانفصل رأيه عن (صبيانية) تصرف بعض السياسيين، من إشعال الحروب، وغزو المجتمعات، فهناك رأي ثقافي واضح له تأثيره على العقل الجمعي، مما يؤثر الأخير على أصحاب القرار، فتجربة هتلر لا زالت حاضرة في الذاكرة الجمعية الأوروبية عموما، والألمانية خصوصا.

مثلا في 14 (سبتمبر) 1952م نشر الكاتب العماني حسين حيدر درويش (ت: 1999م) في جريدة الأهالي العراقية مقالة بعنوان: «الوضع السياسي في أوروبا الغربية»، ذكر فيها: «إن الشعوب الأوروبية قد ذاقت الكثير من مرارة الحرب، فأشباح الحرب الماضية ما زالت ماثلة أمامها، عالقة في أذهانها، فهي لا تكره شيئا بقدر ما تكره الحروب، وغايتها دائما أن تتجنب الحرب مهما كلفها الأمر، إن معظم طبقات الشعوب لا تحابي أي معسكر من المعسكرين، فهي تنادي بالحياد والابتعاد عن الانتماء إلى أية كتلة دولية» تدعو إلى إشعال الحروب.

وهذا لا يتأتى إذا انعزل المثقف بشكل خاص، والمجتمع بشكل عام عن السياق السياسي، وإلا سيتكرر الحدث ذاته، لهذا عملت هذه الشعوب على تمكين حرية الرأي، والمشاركة في القرار السياسي، «إن الشعوب الأوروبية قد نشأت على حب حرية الرأي، فهي تفصح وتعبر عن رأيها مهما كان مخالفا لسياسة حكوماتها، أو مناقضًا للمعاهدات التي تبرمها، والزائر للأقطار الأوروبية يستطيع الوقوف على آراء شعوبها واتجاهاتها بالاختلاط بها، والتحدث مع أفرادها على اختلاف مهنهم وطبقاتهم».

اللافت في هذه المقالة ما ختم به الكاتب مقالته: «وقد صارحني الكثير من شعوب تلك الأقطار بأن الولايات المتحدة بعد أن بدأ الشك يساورها في تحقيق غايتها في أوروبا الغربية بدأت الآن تتجه نحو الشرق الأوسط لاعتقادها بأن شعوب تلك الأقطار وعلى رأسها الشعوب العربية ما زالت في سبات عميق، ومن السهل إقناعها أو بالأحرى خداعها لتجعل من أراضيها ميدانا للمعركة القادمة، وتجلب إليها الموت والدمار، لتجنب بذلك أراضيها تلك الكوارث والويلات، إن على الشعوب العربية وحدها أن تقرر مصيرها في هذه الآونة الدقيقة، فإما أن تنقذ نفسها من ذلك الشبح المخيف الذي بدأ يقترب منها، وأما أن ترضخ للإرادة الأمريكية فتستعد للقنابل الملتهبة والنار المشتعلة والخراب والدمار، وغير ذلك مما تجره الحرب وراءها من ويلات وكوارث».

ونحن اليوم بعد ثلاثة وسبعين عامًا من نشر هذه المقالة هل «صدق الخبر الخبر»، ومع أن الدول العربية عموما في ظاهرها استقلت عن الاستعمار، لكننا اليوم نخرب واقعنا بأيدينا، فما أن يسكن قطر من أقطارها إلا وتشتعل الحرب في أقطار أخرى، إما من داخلها، أو من أبناء عروبتها، حتى أصبح عالمنا العربي اليوم من أسوأ العوالم، وساحة حرب يعبث فيها، وتُجرب الأسلحة الحديثة في ديارها، والسؤال: أين المثقف العربي في واقعه الحالي؟

إذا عذرنا جامعة الدول العربية في ضعف وحدتها السياسية؛ لأنه لم يعد هناك وحدة جامعة بينها، فقد كانت القومية العربية شعارًا جامعًا بينها، على الأقل كان دافعا معنويا قويا لها، فحورب هذا الدافع بما يسمى الصحوة الإسلامية، هذه الصحوة أدخلت الواقع العربي في صراعات لاهوتية وكأننا في العصر العباسي ولسنا في العصر الحديث، ومنهم من اعتبر الدعوة إلى القومية العربية كفرًا وزندقة وبعثًا لدين جديد، فكان الأمل في جمعيات وأسر الكتاب العرب، وهي جمعيات عمومية مستقلة، كانت تحت اتحاد واحد، هذا الاتحاد لم يكن أفضل من جامعة الدول العربية بسبب تسييس بعض مواقعه، ليصبح لسان السلطة وليس المجتمع المدني، هو ذاته تشرذم إلى موقعين بسبب حرب اليمن خصوصًا، ثم لم يعد له وجود يذكر منذ 2022م وحتى اليوم.

في واقعنا العربي خطان من الثقافة في الجملة، خط المؤسسات الثقافية التي في ظاهرها خدمة المعرفة، وفي باطنها تسييس لمن يدفع لها، لتبرر فعله اليوم، وتؤيد فعله غدا، وخط المثقف الفرد المستقل بذاته، وهؤلاء ثلاثة، فريق يبرر لأخطاء السياسات لكونه منتميًا إلى قطرها، أو مستفيدًا من غلاتها، أو مهددًا من قبل أجهزتها الاستخبارية، وهؤلاء يعيشون التناقض بين مبادئ الثقافة الجامعة والنهضوية، وبين تبريرات طيش السياسيين، وتارة ينقضون في نهارهم ما نشروه في ليلهم؛ لأن المدار هي حركة السياسي وليس المبادئ والقيم الإنسانية الثابتة، وفريق آخر من المثقفين مال إلى السكوت والانزواء، والاشتغال بذاته بعيدًا عن الصخب، حتى لا يُلوث قلمه، ولا يستغل فكره ولسانه، وبقي فريق ثالث يتحدث باسم قيم الإنسان الجامعة، غير مرهون بسياسات قطره المنتمي إليه أو غيره، إن أحسنوا كان داعمًا، وإن أساءوا كان راصدًا ناقدًا، وهؤلاء أقل الكفتين.

إن ما يحدث في واقعنا العربي الراهن يحتاج إلى أقلام تؤمن بالإنسان العربي كفرد مستقل بذاته، له كرامته الإنسانية في تحقيق المساواة والعدالة، ثم توسيع مساحة حرية الرأي، ومواجهة الاستبداد، ومواجهة ما يؤدي إلى تكميم الأفواه، وشراء الأقلام، وتوجيهها لغايات السياسيين، وليس لقيم الإنسان الكبرى، ثم لا بد أن يكون المثقف مشاركا في الوضع السياسي، بمعنى أن يكون له دور فاعل إذا انطلق من إنسانية الإنسان، وليس من عسكرة السياسة، أو أدلجتها دينيا، أو لإشباع رغبات البعض في التوسع الموهوم، أو أكل خيرات شعوب أخرى، أو بناء عظمة ساذجة مقابل خراب ديار أمم آمنة؛ حينها، إن ترك المثقف دوره الحقيقي سيملأ الساحة غيره ليقودها إلى الدمار؛ كما في واقعنا اليوم.