صعود وسقوط هيمنة الولايات المتحدة

04 يوليو 2026
04 يوليو 2026

ترجمة: قاسم مكي

كانت الولايات المتحدة البلد المنتصر في القرن العشرين؛ فمع انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991 لم تقتصر على امتلاك قوة سياسية واقتصادية لا تُضاهى، بل جسّدت أيضا قِيَم الحكم الدستوري والحرية، لكن هذا لم يستمر.

لكي نفهم لماذا انتصرت وكيف فشلت يجب أن نعود القهقرَى إلى القرن التاسع عشر على الأقل؛ ففي منتصف ذلك القرن كانت القوى الأوروبية (خصوصا بريطانيا مالكة الإمبراطورية الشاسعة وقوة البخار) تحكم كوكب الأرض. وقتها وتحديدا في السنوات السابقة لعام 1914 حدثت الثورة الصناعية الثانية، وكانت الولايات المتحدة تتصدَّرها.

شملت إنجازات هذه الثورة المواد الكيماوية والكهرباء والهاتف والمستحضرات الصيدلانية ومحرك الاحتراق الداخلي والطيران بواسطة محرِّك والراديو، وحدثت تحولات كبيرة ليس أقلها نشوء عصر للعوْلَمة.

كما كانت هنالك أيضا تحولات في موازين القوى. كان الحدث الأكثر أهمية داخل أوروبا صعود ألمانيا الإمبريالية.

حدث آخر وهو صعود اليابان، لكن التحول الأعظم كان صعود الولايات المتحدة؛ فبحلول عام 1914 أصبحت إلى حد بعيد أكبر اقتصاد في العالم.

لم يكن الصراع على السيادة في أوروبا بين القوة الصاعدة ألمانيا والقوى القائمة وقتها بريطانيا وفرنسا وروسيا الإمبراطورية يشكل السؤال المركزي كما ظنَّت تلك الدول. كان السؤال في الواقع متي تصبح الولايات المتحدة القوة المهيمنة.

بنهاية الحرب العالمية الأولى كانت الولايات المتحدة سيدة أوروبا.

ولسوء الحظ ساندت سلاما جعل انسحابها منه لاحقا غير قابل للتنفيذ. (يقصد الكاتب سلام معاهدة فرساي بين الدول المنتصرة وألمانيا المهزومة في عام 1919- المترجم.)

قاد تخلي الولايات المتحدة عن مسئوليتها القيادية إلى جانب الاضطرابات السياسية الداخلية وأوضاع التضخم الاقتصادي في سنوات العقد الثاني من القرن العشرين والبطالة الجماعية التي أوجدها الكساد العظيم (1929) إلى الحرب العالمية الثانية.

لكن هذه المرة الأمر مختلف؛ فقد حافظت الولايات المتحدة على انخراطها في الشأن الأوروبي ولم تنسحب. وكانت مدفوعة في ذلك جزئيا بتنافسها مع الشيوعية السوفييتية (والتي هي نفسها ثمرة اختمار أيديولوجي في القرن التاسع عشر وتحطيم النظام الامبراطوري الروسي.)

هكذا بدأت الحرب الباردة، وفي هذا الصراع قُسِّمَت أوروبا؛ فالجزء الغربي أصبح معتمدا على الولايات المتحدة واختفت الإمبراطوريات الأوروبية وظهر «التوافق الديموقراطي الاجتماعي». انتهت رأسمالية التنافس الحر «دعه يعمل»، وأصبحت الرأسمالية المُدارة النظامَ الجديد. وعلى الرغم من ثورة الليبرالية الجديدة في الثمانينيات إلا أنها ظلت النظام السائد. فقط تم تشذيب الطريقة التي كانت تُدار بها نوعا ما.

في الفترة بين 1989 و1991 انهار الاتحاد السوفييتي وإمبراطوريته. «لحظة القطب الواحد» هي الصفة التي أطلقتها الولايات المتحدة على انتصارها على الأيديولوجيات الشمولية للنازية والشيوعية ومنافساتها الجيوسياسية ألمانيا واليابان والإمبراطورية البريطانية والاتحاد السوفييتي.

لكن الأقدار تضحك؛ فخلال 35 عاما من انتصارها اختفي دور الولايات المتحدة كقوة مهيمنة تبسط الاستقرار تماما مثلما اختفى دور بريطانيا في عام 1900.

ومرة أخرى كانت التحولاتُ التي تغيِّر النظام إلى فوضى والانتصار إلى هزيمة اقتصاديةً وتقنيةً وسياسيةً في ذات الوقت، وأهمها صعود الصين والثورة الرقمية وانتصار الشعبوية اليمينية.

تخلت الصين عن تحالفها مع روسيا في السبعينيات. وبعد فترة وجيزة من ذلك اختار زعيمها دينغ شياو بينغ «الإصلاح والانفتاح»، وظهرت قوة عظمى أخرى، وصار لدى الولايات المتحدة منافس نظير لأول مرة خلال أكثر من قرن.

وكما هي الحال في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين عزَّزت حقبة ليبرالية قادتها الولايات المتحدة هذه المرة عولمةً ثانية سرّعت من وتيرتها «تقنياتُ معلوماتٍ واتصالاتٍ» إحلالية.

الهزات الأخرى تشمل أزمات مالية وهجرة جماعية. مرة أخرى ومثلما حدث قبل الحرب العالمية الأولى كانت هنالك تحولات اجتماعية وسياسية كبيرة أطلقتها صراعات سياسية. كما أطلقت هي أيضا صراعات سياسية.

في أواخر القرن التاسع عشر هيمنت على هذه الصراعات مطالب طبقية وقومية، لكن هذا المرة هنالك المزيد من المطالب المتعلقة بالنوع والعرق والهوية. وفي كلا الحالين ظهرت ثورات مضادة محافظة (وقومية).

اليوم، وفي الذكرى المائتين وخمسين لاستقلالها تجد أمريكا نفسها (والنظام العالمي الذي أوجدته) في أزمة.

في الولايات المتحدة الإدارة تفتقر إلى الكفاءة، والأهم أنها معادية للمعايير والقيم التي ألهمت الآباء المؤسسين.

وما هو أسوأ أنها تنسف ركائز القوة الأمريكية المتمثلة في حكم القانون والعِلم الذي يقود العالم والتحالفات الموثوقة والثقة في استقرارها السياسي والاقتصادي.

فحكومة الأهواء تحل محل القوانين. وحول العالم الديمقراطية في تراجع على مدار عقدين. فحسب مشروع أبحاث أنواع الديموقراطية «في- ديم» حوالي 7% فقط من سكان العالم يعيشون الآن في بلدان تحكمها ديموقراطيات ليبرالية.

هذا العالم يردد أصداء السنوات التي سبقت عام 1914. إذن كيف يمكن ينتهي به المطاف؟

ما يُسعِد أن الأسلحة النووية تقلل بقدر كبير تهديد الحرب بين القوى العظمى. إلى ذلك لا تعاني قوة رئيسية اليوم من النزعة العسكرية التي ظهرت في أوائل القرن العشرين، بل حتى النزعة المماثلة والأكثر جنونا في سنوات الثلاثينيات والأربعينيات.

ما يُسعد أيضا أن حكومات اليوم لا يزال من المتوقع منها غالبا أن تضمن ازدهار شعوب بلدانها. فالنمو الاقتصادي الذي لا نظير له في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية شجَّع على طلب المزيد من ذلك الازدهار في كل مكان تقريبا.

مارتن وولف كبير معلقي الاقتصاد بصحيفة الفاينانشال تايمز