الأب المؤسس في مواجهة طفل يتخبط
04 يوليو 2026
04 يوليو 2026
وجدت نفسي قبل أيام أحدّق في أسنان جورج واشنطن لم تكن خشبية كما تقول الحكاية الشائعة؛ ففي زيارة إلى ماونت فيرنون الذي لا أعرف كيف لم أزره من قبل في حياتي البالغة مع أن مسقط رأسي يحمل اسمه، عرفت أن أطقم أسنانه ذات النوابض كانت مصنوعة من أسنان بشرية وأخرى لخيول وأبقار. كان واشنطن قلقا دائما من أن تطير أسنانه من فمه. وقد أبقته تلك الأسنان في ألم دائم، لكن أبا البلاد لم يكن كثير الشكوى على عكس بكّاء البلاد الذي لدينا اليوم.
قال لي رون تشيرنو كاتب السيرة الحائز جائزة بوليتزر عن أول رئيس للولايات المتحدة بمناسبة الاحتفال بعيد ميلاد أمريكا المئتين والخمسين الذي اختطفه ترامب: «لا أستطيع أن أتخيل شخصين أكثر اختلافا من جورج واشنطن ودونالد ترامب».
وأضاف تشيرنو: «كان واشنطن كتوما متحفظا مهذبا؛ كان يتجنب أي نوع من الاستعراض أو البهرجة أو الترويج لنفسه. أما مع دونالد ترامب فالأمر استعراض لا يتوقف من التفاخر والمباهاة والترويج للذات، وهو أمر كان في ظني غريبا تماما على جورج واشنطن، ومناقضا جدا لفكرته عن الطريقة التي ينبغي أن يتصرف بها من يخدم الشأن العام».
ومن المفيد، ونحن نعيش زمن رجل يتخيل نفسه ملكا، أن ننظر إلى الوراء في حياة الرجل الذي رفض أن يكون ملكا.
يوم الاثنين، وهو يوقع مذكرة رئاسية، قال ترامب: «نحن نحكم إلى حد كبير بالفطرة السليمة». الكلمة هي «ندير شؤون الحكم»، يا سيادة الرئيس، لا «نحكم» بمعنى نملك ونأمر.
وفي حديثه عن موجة الحر اللاهبة في عطلة نهاية هذا الأسبوع تباهى ترامب بخطابه في عيد الاستقلال على ناشونال مول قائلا: «سألقي خطابا طويلا جدا فقط لأثبت أنني أستطيع فعل أي شيء».
كان البطل الذي قاد الجيش القاري حريصا على الديمقراطية الناشئة مدركا هشاشتها. أما «كاديت النتوءات العظمية» فيقوضها بخبث؛ إذ يراها عائقا أمام نهمه إلى سلطة بلا قيود ومكاسب مالية بلا رادع.
كان واشنطن محبوبا من كثيرين؛ لأنه تخلى عن سلطة كان في وسعه أن يحتفظ بها. أما ترامب فعكسه وهو ينتزع سلطة لا يملك حقا فيها. كان الأول منهجيا ومتزنا، يأمل أن يستشير مجلس الشيوخ أكثر مما كان المجلس نفسه يريد. أما الثاني فتقوده النزوات مستوليا على صلاحيات تشريعية في الرسوم الجمركية والحرب. وقد تجنب واشنطن بوصفه رئيسا التدخل في سباقات الكونجرس، أما ترامب فيتدخل في الانتخابات التمهيدية للانتقام واختبار الولاء. أشاد جون آدامز بقدرة واشنطن على ضبط نفسه، وهي خصلة غريبة تماما عن ترامب.
كان أحدهما متواضعا، وهو ما تعكسه مفروشات ماونت فيرنون الراقية، ولكن البعيدة تماما عن البهرجة، أما الآخر فمصاب بجنون العظمة، وهو ما تعكسه الزخارف الذهبية الساطعة المنتشرة في الجناح الغربي، وقاعة الاحتفالات المفرطة التي يريدها، والتي من شأنها أن تطغى على بيت أبيض أريد له أصلا أن يقدم نقيضا لقصور أوروبا الفارهة.
يكاد يكون الشيء الوحيد المشترك بينهما أن أسطورة واشنطن تضمنت قطعه شجرة كرز، وقد يرغب ترامب في فعل الشيء نفسه ببعض أشجار الكرز التاريخية لدينا، وهو يستولي على إيست بوتوماك بارك لإقامة ملعب جولف فاخر.
تأمل تشيرنو في تكسّب ترامب المذهل من منصبه؛ ففي السنة الأولى من ولايته الثانية جمع ترامب 1.4 مليار دولار من مشاريعه في العملات المشفرة. وقد حقق ثروة رغم أن العملة الساخرة التي روّج لها بين أنصاره أصبحت قيمتها الآن أقل بصورة فلكية مما كانت عليه عند توليه المنصب. وإجمالا حققت له سنته الأولى في الحكم ما لا يقل عن 2.2 مليار دولار.
قال تشيرنو: «كان جورج واشنطن رجلا ذا نزاهة لا يرقى إليها الشك؛ لم تكن هناك أدنى شبهة فضيحة خلال رئاسته، وكان دائما مترددا جدا في قبول أي نوع من الهدايا؛ لأنه كان يخشى أن يفسرها الناس على أنها رشوة». وقد ظل واشنطن يتردد طويلا قبل أن يقبل أبازيم أحذية من ديفيد همفريز، مساعده في حرب الاستقلال وكاتب خطاباته خلال رئاسته.
أما ترامب فهو خبير في مبدأ «شيء مقابل شيء». وقد قام يوم الأربعاء بأول رحلة له على متن «طائرة الرئاسية الأولى» الجديدة المهداة له من قطر بمكتبتها الزائفة وكراسي التدليك فيها. وهو يخطط للاحتفاظ بالطائرة عندما يغادر إن غادر أصلا.
وعندما سئل ترامب العام الماضي كيف يستطيع أن يستخف بالدستور ويقبل مثل هذه المنفعة الفاخرة من حكومة أجنبية، أجاب بخفة: «كان يمكن أن أكون شخصا غبيا وأقول: أوه لا، لا نريد طائرة مجانية».
قال تشيرنو: «يستطيع ترامب أن يجني كل هذه الأموال من العملات المشفرة والرموز الساخرة، وليس في الدستور ما يمنع ذلك صراحة سوى إحساس الرئيس نفسه بالحياء والنزاهة، وهذان لا يبدو أنهما يعملان بقوة كبيرة لدى رئيسنا». وأضاف: «ترامب بارع جدا في العثور على هذه الثغرات في النظام. يبدو كأن لديه حاسة سادسة».
وقال تشيرنو: «لقد كان الآباء المؤسسون قلقين كثيرا من احتمال ظهور ديماغوجي في المستقبل. كان خوفهم مما كان يسمى في القرن الثامن عشر: الرجل على صهوة جواد؛ أي فكرة أن الجنرال المنتصر بعد ثورة دامية قد يحوّل انتصاره إلى سلطة ويصبح ديكتاتورا».
كان واشنطن يحب خيوله، لكنه أراد أن يكون مزارعا، لا ملكا.
قال تشيرنو: «كان الشعب الأمريكي مستعدا لأن يأتمنه على سلطة كبيرة؛ لأنه لم يبدُ متعطشا للسلطة. كان يفعل ما يفعل بدافع الواجب والخدمة، بل كان يشعر، إن شئنا الدقة، بثقل السلطات التي تحملها. خلال السنوات الثماني من حرب الاستقلال، لم يتمكن من العودة إلى ماونت فيرنون سوى ثلاث مرات».
واعترف تشيرنو بأنه قلق، قال: «أكبر مخاوفي الآن أن ننسى من نحن كشعب؛ لأن الديمقراطية ليست مجرد إنشاء مؤسسات ومبادئ. إنها أيضا التزام بعادات وتقاليد معينة ترسخت مع الوقت. وقد بدأت تلك التقاليد مع جورج واشنطن الذي وضع معيارا للسلوك الرئاسي: أن يكون الرئيس كريما في طبعه وقورا مهذبا متواضعا صادقا مسؤولا. كان يمتلك تلك الهيبة والكرامة الطبيعيتين اللتين أراهما ضروريتين حقا للمنصب. أما الآن فلدينا رئيس أشك في أنه قرأ كتابا في التاريخ في حياته».
ويحمّل المؤرخ، الذي كانت سيرته لألكسندر هاملتون أساسا للظاهرة المسرحية الغنائية المعروفة، الأمريكيين أيضا مسؤولية إهمال التعرف إلى المعجزة التي صنعها واشنطن والآباء المؤسسون الآخرون، وهي معجزة باتت الآن في خطر.
قال: «لا يمكنك أن تبدأ في شرح أن النظام الذي أنشأه المؤسسون يتعرض للدوس إذا لم يكن لدى الناس الحد الأدنى من الفهم لما كان يفترض أن يكون عليه هذا التصميم كله. لهذا السبب تكتسب الذاكرة كل هذه الأهمية».
وحارسة الذاكرة في ماونت فيرنون هي المؤرخة الشابة اللامعة ليندسي تشيرفينسكي المديرة التنفيذية لمكتبة جورج واشنطن الرئاسية. اصطحبتني في جولة رأيت فيها ملاحظات واشنطن عن زيارته لمجلس الشيوخ، وإحدى رسائله العاطفية الرقيقة إلى مارثا، ووصفة مارثا لمشروب «تشيري باونس»، الكوكتيل المفضل لدى زوجها، وهو خليط قوي من الكرز والبراندي الفرنسي والسكر الأبيض والقرفة والقرنفل وجوزة الطيب.
كانت تشيرفينسكي تحاول أن تبقى متفائلة في مناسبة مرور مائتين وخمسين عاما على تأسيس الأمة. قالت: «عندما يسألني الناس ماذا كان واشنطن سيفكر اليوم يكون رد فعلي الأول أن هناك الكثير مما كان سيخيب أمله، وهناك الكثير مما كان سيجده مألوفا جدا، حتى إن لم يكن مثاليا. لكنني أعتقد أن الشعور الغالب لديه سيكون الفرح بأن الأمة لا تزال قائمة؛ لأن معظم الجمهوريات لا تعيش كل هذا العمر، وكان هو يعرف ذلك».
مورين دود كاتبة عمود رأي في «التايمز». فازت عام 1999 بجائزة بوليتزر للتعليق الصحفي المتميز. أحدث كتبها بعنوان «سيئة السمعة».
خدمة نيويورك تايمز
