كرة القدم وهامش الطبيعة البشرية
04 يوليو 2026
04 يوليو 2026
لا حديث يعلو هذه الأيام حديث منافسات كأس العالم في النسخة الثالثة والعشرين من تاريخه، النسخة التي توقع الكثيرون أنها لن تحظى بذلك الاهتمام والمتابعة كسابقاتها نظير عوامل عديدة منها الزيادة غير المبررة في عدد منتخبات البطولة، ومنها اضطراب توقيتات المتابعة بين جغرافيا العالم، ومنها ما يرتبط سياسيًا بأجواء البطولة، ومنها ما يرتبط بالتكاليف الاقتصادية العالية للحضور عوضًا عن بُعد المنافسة، لكن كل تلك الأعذار والظروف تهاوت مع صافرة البداية وانطلاقة المباراة الأولى، لتثبت كرة القدم إنها أحد الأحداث القليلة - بل النادرة جدًا - القادرة على توحيد الانتباه، واللغة، وحشد الاهتمام البشري. ورغم محاولات متعددة لاستخدام هذا الحدث في فترات زمنية سابقة وحالية بوصفه أداة سياسية، إلا أنها محافظة على طبيعتها بوصفة لعبة رياضية «إنسانية» و«عالمية» و«جامعة».
إلى جانب ذلك ما يلفت أن هذه اللعبة ظلت إلى حد كبير محافظة على «هامش الخطأ البشري» أو بالمجمل «هامش الطبيعة البشرية» في تفاصيلها. وربما كان هذا هو السر الذي جعلها اللعبة الشعبية الأولى، وجعل من «إثارتها» أمرًا مستمرًا.
يتبين ذلك حين نتعمق في متابعة ما يصاحب صناعة كرة القدم من ابتكارات وتقنيات وأدوات على مستوى تطوير أداء اللاعبين، وتحليل المنافسات، ونمذجة التنبؤات بمسار السلوك الرياضي والنتائج، إضافة إلى التدخلات العلاجية والطبية والتأهيلية المتخصصة في حقل كرة القدم والبنى الجسدية للاعبين.
في الحقيقة هذا الحقل مثير جدًا للاهتمام؛ فمن ناحية الأرقام قُدر حجم سوق تقنيات الرياضة عالميًا بنحو 18.85 مليار دولار في عام 2024 مع توقعات بنمو سنوي مركب بنحو 21.9% يجعل حجم السوق المقدر في عام 2030 قرابة 61.72 مليار دولار، تتنوع منتجاتها واستثماراتها في سوق تحليلات الأداء، والملاعب الذكية، وتقنيات وأدوات التتبع الصحي، وتطوير تجارب الجماهير، والمنصات الرياضية الرقمية للتنبؤ والتوقعات.
وفيما يتعلق بسوق (أجهزة التتبع) وحدها متضمنة الساعات الرياضية، والأحزمة، ومستشعرات الجسم، وأجهز قياس الإجهاد والحمل البداني، وأجهزة تتبع نظام النوم وتعافي العضلات، فيتوقع أن يبلغ حجم هذا السوق وحده ما يقارب 14.6 مليار دولار بحلول عام 2030. عوضًا عن نظم الذكاء الاصطناعي، والتي اشتقت لنفسها سوقًا موازية وأخرى مدمجة في هذه التقنيات، ويتوقع أن يبلغ حجمها في عام 2030 نحو 2.6 مليار دولار؛ حيث تتركز أبرز الابتكارات في هذا السوق على تقنيات التنبؤ وخاصة بالأداء والإصابات.
على مدار العقود الأخيرة تحولت كرة القدم إلى حقل علمي كبير وواسع ممتلئ بالتجارب والدراسات، وقابل للتصميم وفق التقنيات وأدوات التنبؤ، كما أنه قابل للتحكم علميًا وفق الأرقام والمؤشرات والنمذجة، ولذا سعت المنتخبات والأندية العالمية بقدر تنافسها على جلب أفضل اللاعبين والمدربين إلى جلب أفضل علماء البيانات وتحليل الأداء، وأصبح التأهيل العلمي في هذا القطاع تخصصًا له وزنه واعترافاته الأكاديمية التي تتطور بتطور تقنياته وأدواته ووسائله.
فما كان يدار بالاجتهاد قبل أكثر من عقدين أصبح اليوم يدار بالبيانات الضخمة، والتحليلات التنبؤية، ومحاكاة الذكاء الاصطناعي، سواء الجوانب الفنية لكرة القدم، أو الجوانب الصحية والبدنية، أو تجربة الجماهير وتصميم انطباعاتهم وتفاعلاتهم وتوظيفها في صناعة اللعبة.
لفتني في الفترة الماضية القراءة عن أحدث التقنيات والابتكارات في هذا المجال - هروبًا من إحباط المنتخب الذي أناصره في البطولة - ووجدت أن منصات مثل Opta Vision و نماذج مثل Dynamic Expected Threat ومؤشرات مثل Structural Disruption Index وغيرها العشرات أصبحت تستطيع فهم والتنبؤ بجزئيات دقيقة في التحليل الرياضي، مثل أن تموضع لاعب معين في مكان معين يجعل أداءه تاريخيًا أفضل من مكان آخر، ومثل أن حركة لاعب معين باستمرار في مساحة معينة تجعل قدرته على جذب المنافس والدفاع أفضل نظاميًا من تمركزه في مكان آخر، بل تتجاوز هذه التقنيات التحليل إلى التنبؤ ووضع نمذجة هيكلية للجسم لالتقاط وضعية الأطراف والحركة الدقيقة، وبالتالي التنبؤ بسلوك اللاعب أو سلوك الخصم.
وعلى مستوى الأداء البدني والصحي فهناك أيضًا آلاف براءات الاختراع سنويًا تتنافس عليها الشركات المطورة للتقنيات والمتخصصة في الأداء الرياضي.
قرأت مؤخرًا دراسة تتحدث عن تقنية أصبحت تستخدم الحساسات القابلة للارتداء من خلال تحاليل العرق لقياس الصوديوم، والبوتاسيوم، واللاكتات، والجلوكوز، ودرجة الحموضة الأمر الذي يجعل أبحاث كرة القدم الحديثة تربط التعب بعوامل مثل الترطيب والحرارة والحالة الأيضية داخل لحظة المنافسة، والقدرة على توليد بيانات وإشعارات في حينها.
ورغم الإثارة الواسعة التي يجدها المتتبع لهذا التطور يلفت مرة أخرى أن كرة القدم لا تزال تحافظ على هامش الخطأ البشري؛ فليس كل شيء يبقى قابلًا للتنبؤ، وليس كل سياق يبقى قابلًا للتحكم، وإلا لما حافظت اللعبة على شعبيتها وحضورها الإنساني. تبقى لحظات من التركيز غائبة، وتبقى الدوافع الإنسانية بما فيها القتال والولاء للشعار مؤثرة، ويبقى سوء التقدير في لحظة المنافسة قائمًا، وتبقى سرعة البديهة والتصرف تميز فردًا عن آخر في الحياة الإنسانية وفي كرة القدم.
وتبقى عوامل مثل الذاكرة، والثأر، وارتباط الكفاح بالقيمة كلها عوامل تنتج انحرافات عن التوقعات العلمية والكمية في حقل كرة القدم – وهذه هي ميزتها في طبيعتها – التي جعلت منها إضافة إلى كونها حقلًا للتجارب العلمية والتقنية، هي في أصلها حقلًا للـ«الشعور الإنساني» في طبيعته ومتانته وتناقضاته وانحرافاته وتحيزاته وتماهيه.
لكن هذا لا يلغي في الجانب الآخر ضرورة المواكبة، والنظر بعين اقتصادية واستثمارية في هذا المجال الذي يعتبر أحد مجالات النمو الواسع وخاصة للشركات الناشئة، وسمته أنه مجال تنافسي، وفي ذات الوقت تقاطعي، أي أن محركه الأساسي هو الأبحاث وبراءات الاختراع وحجم الملكية الفكرية للفاعلين فيه.
وفي المقابل هو يستفيد من تقاطع اختصاصات علمية مختلفة من البيولوجيا إلى البيانات الضخمة إلى الفيزياء إلى الرياضة في ذاتها كعلم إلى علم النفس وسواها من فروع العلم الأخرى. وبالتالي فقراءة وتشخيص المشهد الاقتصادي لصناعة الرياضة في ذاته كفيلان بخلق فرص اقتصادية للاستثمار وتتبع الطلب وحجم النمو الناشئ فيه.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان
