ذاكرة التاريخ وعقدة البوح

04 يوليو 2026
04 يوليو 2026

هناك نوعان من أساليب التنقيب في التاريخ والكتابة عنه. يأتي النوع الأول من الباحث أو المؤرخ الذي يستند إلى ما سجله التاريخ من أحداث ومخطوطات ومستندات قديمة، وهذا النوع شائع ومعروف، ويُعد أحد أنواع الدراسات البحثية التي تتناول حقبة معينة من الزمن أو أحداثا محددة. في حين نجد أن النوع الآخر هو السرد الذاتي، الذي يأتي في صورة مذكرات شخصية تكتبها شخصيات عايشت أحداثا معينة وكانت جزءا رئيسا منها أو شاهد عيان فيها، وهذا النوع من الشهادات أراه مهما جدا؛ كونه يعتمد على التجربة الشخصية لذلك الشاهد على تلك الحقبة أو الحدث، كما أنه يمثل مصدرا مهما للباحث العامل في الحقل التاريخي.

ونحن في عُمان لدينا الكثير من الأحداث التي يمكن أن نصنفها ضمن التاريخ الحديث والمعاصر، خصوصا تلك التي سبقت عام 1970، وما يزال بعض أبطال تلك الأحداث على قيد الحياة، ويمتلكون ذاكرة جيدة قادرة على توثيق كثير من تفاصيلها، ولكن عقدة البوح ما زالت موجودة لدى كثيرين لأسباب متعددة؛ منها عدم رغبتهم في نبش الماضي، والحساسيات المرتبطة بتلك الأحداث وما صاحبها من آلام لا يرغبون في استحضارها من جديد، وأن بعضها يرتبط بصراعات سياسية كانت قائمة في وقتها، ولا يريد أصحابها إعادة فتح ملفاتها مرة أخرى، بجانب أن ثقافة السرد ما زالت جديدة في الثقافة العُمانية لهيمنة الشخصية العُمانية المتواضعة التي ترى أن كتابة المذكرات معنية بأبطال التاريخ دون غيرهم.

لكن ما يمكن أن نستوضحه اليوم ونستنتجه هو أننا تجاوزنا إلى حد كبير مفاهيم ثقافة سرد المذكرات المغلوطة، وكذلك عقدة البوح، كوننا نعيش الآن في حقبة زمنية مختلفة تجاوزت الحقبة السابقة، وتحديدا ما قبل عام 1970 وما تلاه بقليل؛ إذ إننا اليوم نضطر إلى البحث عن شهادات توثق تلك المرحلة الزمنية وأحداثها. وعندما نفعل ذلك فإننا لا ننبش الماضي بهدف فتح الجروح أو البحث في المساوئ أو إثارة ملفات تدعو إلى الفتنة، ولكن على العكس تماما؛ فنحن نريد أن نتعلم من تلك التجارب، وأن نمنح أنفسنا حق الكشف عن تلك الأحداث، والبحث في أسبابها وجذورها، وكذلك الوقوف على ما يمكن أن يقودنا إلى تجنب تكرار أمثالها مستقبلا.وعندما أتحدث عن ذلك، فإن كثيرا من الناس سيدركون طبيعة هذه الأحداث التي لا يمكن القول: إنها حدث أو حدثان فقط؛ فبعضها يرتبط بأحداث خمسينيات القرن الماضي بلوغا إلى سبعينياته وفوقها بقليل.

بدأت مؤخرا تظهر بعض الشهادات التي يمكن أن نصفها بأنها مذكرات شخصية لمن عاصروا تلك الحقب الزمنية وكانوا عنصرا مهما في أحداثها، وجاءت بعض هذه المذكرات والشهادات التاريخية بنموذج جيد يمكن أن يُحتذى به؛ إذ تجاوزت ما يمكن أن يُقال عنه: إنه نبش للفتن، فلم تقدح في شخصيات بعينها، ولم تركز على السلبيات بقدر ما قدمت قراءة موضوعية وسردا ذاتيا حاول -قدر المستطاع- أن يستجمع لغة إيجابية تبتعد عن النقد السلبي.

لكنني -في المقابل- ما زلت أجد من يعارض ويتمنع عن محاولة الكشف عن تلك الأحداث والكتابة عنها، ولست أخفي أن والدي كان ممن عاصروا أحداثا مهمة جدا في حقبة الخمسينيات -طفلا تأثر بأحداثها- ونهاية الستينيات وبدايات السبعينيات -باعتباره جزءا رئيسا في أحداثها-، وقد فشلت محاولات عديدة لإقناعه بالحديث عن تلك الأحداث وتوثيقها في كتاب أو سلسلة مقالات، إلى أن جاء وقت جلسنا فيه معه وأخبرناه بأن الأمور قد تغيرت، وأن الحقبة الزمنية تجاوزت المرحلة التي كان يمكن أن يُقال فيها: إن فتح مثل تلك الملفات والحديث عنها قد يثير الفتنة؛ فمعظم من عاصروا تلك الأحداث إما رحلوا عن هذه الدنيا، وإما تجاوزوا تلك المحنة وتعقيداتها، ونحن اليوم في أشد الحاجة إلى معرفة التاريخ والأحداث المرتبطة به. ولهذا بدأنا نستجمع جهودنا، وبدأ الوالد في سرد بعض تلك المذكرات التي شرعت شقيقتي الكاتبة شريفة التوبية في جمعها وتحريرها.

وأستطيع أن أقول: إن المحاولة هنا هي محاولة للبوح السردي بهذا الجانب من التاريخ، ولا يمكن أن تكون محاولة لنبش الجروح أو القدح في الشخصيات وأحداثها، بقدر ما نسعى إلى تقديم سردية تاريخية أقرب إلى الإيجابية وإلى اللغة المتزنة. وهذا ما نرجوه أيضا من أي شخص يكتب في التاريخ؛ أن يبتعد عن الإغراءات الذاتية التي قد تمنحه مساحة للهجوم أو التشفي أو حتى التزوير والتلفيق؛ فحريا بالكاتب أن يغلّب الموضوعية واللغة المحايدة التي تكون أقرب إلى محاكمة الذات منها إلى محاكمة الآخرين، وإلى سرد الأحداث ووضعها في سياقها الصحيح، والبحث في جذورها، وتحديد مسبباتها، ومعرفة مآلاتها والمسارات التي سارت فيها، والكشف عن الحلول التي أفضت إليها أو كان يمكن أن تفضي إليها. وحاولت أيضا التواصل مع شخصيات مهمة أخرى، إلا أن بعضها ما زال متمنعا عن الحديث سواء بحجة أنه ليس لديه ما يقدّمه من شهادة تستحق السرد أو رغبة في الهدوء والبعد عن الأضواء، في حين يؤكد بعضها الآخر أنه في طور التأليف والسرد والكتابة عن الجوانب التاريخية والشهادات التي عايشها وشهد أحداثها بنفسه.

لا أتصور أن دعوتي هذه المفتوحة تقتصر على أولئك الذين عاصروا التجارب السياسية أو كانوا جزءا منها، ولكنها موجهة إلى كل من عاش تجارب الحياة بحلوها ومرها، وامتلك رصيدا من الخبرات والإنجازات والتجارب في مختلف الحقول؛ فالأمر متاح لكل من كانت له رحلة طويلة في الحياة، سواء في المجالات العلمية أو الأدبية أو السياسية أو الفكرية أو الاجتماعية. لدينا الكثير من النماذج والتجارب التي تستحق إلى أن نستمع إليها وأن نتعلم منها؛ فتحمل كثير من هذه الشهادات من المشاهدات والتجارب الإيجابية التي تستحق أن تُروى وأن تُسمع؛ فعلى سبيل المثال، عندما استمعت إلى والدي وهو يسرد تجربته السياسية، اكتشفت كثيرا من جوانبها الإيجابية التي لم نكن ندركها؛ لأننا لم نعش تلك الحقبة الزمنية. ومن بين تلك الجوانب الانتقال إلى عصر النهضة بعد عام 1970، وما رافقه من تطور بدأ يشهده العمانيون في مرحلة لم تكن معهودة لديهم من قبل، وأهمها تجربة نقل السلطان قابوس -طيب الله ثراه- عُمان إلى مرحلة جديدة من البناء والتطور، وقدرته على تجاوز المنغصات السياسية، واحتواء الأزمات، وتحويل الخصوم إلى حلفاء عبر سياسة العفو والتسامح والحوار، وعبر معالجة المشكلات القائمة في المجتمع العماني، وقدرته على توحيد البلاد تحت مشروع وطني جامع؛ فأسهم كل ذلك في نقل عُمان إلى مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.

وهذا ما نراه أيضا اليوم في عصر النهضة المتجددة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- الذي يواصل مسيرة النهضة برؤيتها المتجددة؛ فنجد أن النهضة الاقتصادية العمانية تمضي في مسار جديد ومتطور، وهو ما أشرت إليه وأوضحت بعض ملامحه في مقالات سابقة، وكذلك حال التجربة العلمية التي تمضي في طريق التطور والتجديد، ونسعد أننا من أبناء جيل يعيش في مساحة واسعة للبوح والحديث عن ملفات التاريخ -في حدود لا تتجاوز القيم وحقوق الآخرين وذاتهم، وتحفظ للدولة هيبتها-، وهذا ما نلمسه في الصحف العُمانية والكتب المنتشرة في الداخل العُماني، والتي تتناول التجارب السابقة بحرية أكبر، وتناقشها وتقرأها قراءة نقدية واعية؛ فأصبح الحديث عن تلك التجارب أكثر انفتاحا وإتاحة سواء من قبل الأفراد الساردين لمذكراتهم أو جهات الترخيص، ولذلك تتجدد دعوتي إلى كل من صنع التاريخ أو أسهم في صناعته، وإلى كل من امتلك تجربة تستحق أن تُروى، أن يخرج إلينا بأفكاره وتجربته، وأن يعيد تأملها وتحليلها وسردها، وأن يبوح بها للأجيال اللاحقة.

وفي ظل هذه الدعوة المفتوحة، لا يمكن أن نغفل الدور الذي تقوم به هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، إذ عُرف عنها اهتمامها بتوثيق شهادات أصحاب التجارب التاريخية وتسجيلها، وهو جهد محمود ومطلوب، ويعكس وعيا بأهمية حفظ الذاكرة الوطنية وصونها للأجيال القادمة. لهذا، فإننا جميعا سواء على مستوى المجتمع بمبادراته الفردية والجماعية أم على مستوى المؤسسات الحكومية المعنية بالتوثيق وحفظ التاريخ، بحاجة إلى إخراج تلك التجارب والأفكار إلى النور، وتدوينها وحفظها من الضياع، ومن أراد أن يعرف الكثير عن الأمم المتقدمة، فلينظر في مذكرات رجالها ونسائها، وفي تجارب روادها في السياسة والعلم والأدب والفكر وغيرها من المجالات؛ فهناك يجد كثيرا من الدروس والعبر والخبرات التي أسهمت في صناعة حاضر تلك الأمم ومستقبلها.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني