ماذا عن الصيف؟

04 يوليو 2026
04 يوليو 2026

يأتي الصيف بنشاطه وحيويته، يدفعنا دفعًا في التيار الشمسي في كل اتجاه، نحن وأشجارنا وأبناؤنا والناس أجمعين، كل يوم من أيام الأسبوع يتحول إلى ثمار زمنية، وفي كل مكان يتجمع الحصاد، في الأفكار وفي الأفعال، وما تجنه الضمائر أكثر.

في العقود الأخيرة ظل الخطاب السائد يربط الصيف في أذهاننا باشتداد الحرارة، غافلًا عن باقي أوجه الصيف، واللافت أن أجيالنا المعاصرة، (أجيال الكهرباء) أصبحت تتأفف بأشكال مبالغ فيها من الحر، ويزدحم الناس على المناطق الباردة، من الجبل الأخضر إلى ساحل بحر العرب إلى جبال ظفار.

لا اعتراض طبعًا على موسم الإجازات، ولا أقول طبعًا بأن حرارة الصيف وهم مصطنع، لكن أظن أن هناك ما يحتاج التوقف والتفكر مليًا في هذا الخطاب المعمم الذي ننساق إليه، خاصة اليوم في عصر الكهرباء والأمكنة المكيفة، والوفرة المادية.

ظل الصيف بالنسبة للعماني أيًا كانت مهنته هو فصل الفلاحة والزراعة بامتياز، فكانت كل المجتمعات الأخرى سواء المجتمعات الرعوية، أو مجتمعات الصيد، تتجه إلى المناطق الفلاحية، فكأن البلد بأكملها تتجه إلى قبلة واحدة هي النخلة، وهذه النخلة بعطائها الذي يتجلى في الصيف تعيد ترتيب مفهوم الصيف بأكمله في أذهان الجميع.

هذا جزء أساسي من منظومة الحياة الطبيعية في عمان، وفي الجزيرة العربية، منذ قرون طويلة أطول حتى من المكتشفات الأثرية والتواريخ، وهو بالطبع جزء تأسيسي لكل التراث غير المادي (المعنوي) الذي أعلن جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ أعزه الله ـ جائرة مخصصة له الأسبوع الماضي في كلمته المشرقة ببيت اليونسكو في الجادة السابعة بساحة فُنتنوا بباريس.

لقد تكونت بلادنا عبر هذا الموسم تحديدًا، والصيف بطبيعته يدفعنا للعمل والنشاط بشكل طبيعي، راسخ لربما حتى في جيناتنا وعاداتنا المتوارثة، وهو الذي شكلنا بألف صورة ومثل، لكن الخطاب الشعبي المعاصر يختصر الصيف في مظهر سطحي واحد هو مظهر الحرارة الشديدة.

طبعًا لارتفاع درجات حرارة الأرض وتغيرات المناخ بفعل التلوث دورها، والأمر أكثر وضوحًا في أوروبا، لكن بالنسبة لنا كشعوب المناطق الحارة فإن قدرتنا على التكيف والتحمل أكثر من الهلع الذي نبديه، وحتى بالنسبة لصحتنا الجسمانية نحن نحتاج إلى هذه الحرارة، أكثر من حاجتنا إلى البرودة الشديدة، فهذه هي بيئتنا التي ألفناها واعتدناها.

اليوم يجري اختصار الصيف بوصفه موسم السفر والإجازات، وهذا جزء من الحياة المعاصرة، ولا خلاف على ذلك، لكن على ألا ينسينا ذلك أهمية الصيف لدورات الحياة المختلفة، ودوره الرئيسي في الدورة الخضراء لكوكب الأرض، هذا الفصل هو الفصل المركزي من بين فصول السنة، وإذا تأملنا حركة الفصول سنجد الصيف وكأنه القبلة الرئيسية التي تعمل من أجلها بقية الفصول بتكامل وتناغم، وكأن الصيف هو البحر الذي تصب فيها كل أنهار الحركة الأرضية، وكل المدار الذي تدور فيه الأرض حول الشمس. ما الدليل على ذلك؟ الثمار الرئيسية.

على هذه الثمار الصيفية قامت منظومة الحياة ونشأت في بلادنا، وحول هذا الفصل شيّد العمانيون قراهم ومدنهم، عبر التأسيس الأخضر، وعبر المنظومة البسيطة نظريًا لمصادر المياه والضواحي والبساتين، وعلى هذا نشأت الحياة واستمرت لقرون طويلة، وأمكن للأجيال أن تجد الظلال الكافية لتنمو وتعيش حياتها.

إن مركزية الفلاحة في هذه الأرض هي التي قادت كل المنظومة الحيوية الباقية، وهي التي أسست كما هو معروف في التاريخ لكل النشاط الحضاري الإنساني، ولهذا السبب هي أساسية، وليست ثانوية، ومن هنا فإن الصيف ليس فصلًا ثانويًا علينا تجاوزه بأي طريقة، بل هو فصل أساسي ورئيسي في حياتنا، ومن دونه يمكن القول أن لا معنى لوجودنا كله.

الصيف هو من شيّد بيوت القرى الجبلية في الأعالي وعلى ضفاف الأودية، الصيف بشكل من الأشكال هو الأب الزمني للقرى والضواحي والمزارع، هو أبو الاخضرار، الذي حوّل الشكل إلى ثمرة، وعلى تلك الثمار قامت وازدهرت أشكال الحياة المختلفة، واعتمدت اعتمادًا كليًا لا انفكاك له، على دورة حياة الشجرة، والنخلة تحديدًا، ومن هنا كان المعري يصف النخلة بأنها أشرف الشجر.

هذا الشرف هو الذي أقام العربي عليه حياته ومدنه وحضارته وثقافته وعاداته وتقاليده، مشيّدة تشييدًا في أرض تبدو ظاهريًا قاحلة وجافة وحارة وقاتلة، لكن العربي حولها إلى مهد وارف الظلال، وإلى أنهار تجري من كد وجهد الأفكار والسواعد، وبذلك أسس في المحصلة شرفه الذي تتغنى به الأشعار والألحان والأهازيج والرقصات والأغاني.

الصيف وأشجاره هو الأساس الذي تغلغل في بقية تفاصيل حياتنا بألف شكل وصورة، معمارية وفنية وثقافية، من تشجير الأبواب إلى تشجير الزينة إلى تشجير الكلمات، وفي أمثلتنا الشعبية، وفي لغتنا، وفي أفكارنا، فعبر هذه المنظومة الحية تمكنا ليس فقط من البقاء بل ومن الازدهار.

هذا هو الأمر الثمين الذي أظن علينا أن نتذكره في كل صيف، كما أن علينا أن نتأمله وأن نستخلص دروسه، إن الإنسان الذي نشأ في هذه الأرض ترك تراثًا هو في جزء كبير منه ليس أهرامًا ومسلّات مادية يمكن استقطاب السياح إليها، بل فكرة خضراء تتجسد خير تجسيد في النخيل، وفي القرى التي ترويها الأفلاج.

من عادة الإنسان سرعة وكثرة التأفف، طبعًا، لكن في عصور الخطابات الجمعية، وعصور الرقابة الإلكترونية والتحكم الإلكتروني، كما يفصلها وينبهنا إليها مجموعة من الكتاب المعاصرين، فإن من السهل أن تتشكل الخطابات وتحاصرنا وتجهّلنا بطريقة تخنق الفرد والجماعة البشرية كلها دون أن تشعر، خاصة في عصور التطرف التي يراد لها أن تشتعل بنا جميعًا، من أجل آلة جهنمية لا تهدأ من الجشع، تراكم جبالًا من الغنى ولا تستشعر ذرة قناعة.

في هذا العصر المشوش المضطرب كان من المبهج للمرء الأسبوع الماضي أن يقرأ الكلمة الراقية والحضارية التي ألقاها جلالة السلطان في بيت اليونسكو، بكل رسائلها الداعية لاحترام الإنسان، ليس المعاصر فحسب، بل إنسان الماضي والمستقبل كذلك، تلك الكلمة الداعمة للمؤسسات الدولية في العصر الذي تسعى قواه الكبرى للإطاحة بها، وهي الكلمة نفسها التي دعت إلى وضع الأطر القانونية لكبح سيطرة التقنية ورقابتها وتحكمها في شعوب الأرض وحاضرها ومستقبلها، تلك الكلمة بكل رموزها وما جاء فيها، هي الأخرى، ثمرة صيفية معاصرة من ثمار هذا الصيف وهذه الأرض.

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني