أمـريـكـا والـنـاتـو.. والانـسـحـاب

17 يونيو 2026
17 يونيو 2026

انـسـحـاب الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة مـن «مـنـظـمـة حـلـف شـمـال الأطـلـسـي» الـذي هـدد دونـالـد تـرامـب بالإقـدام عـليـه يـنـتـمـي إلـى سـيـاسـة انـكـفـائـيـة عـرف بـهـا هـذا الـرئـيـس مـنـذ بـدأ يـمـارس الـسيـاسـة فـي ولايـتـه الأولـى.

لا يـخـامـرنـا شـك فـي أن الأمر فـي هـذه السـياسـة لا يـتـعـلـق بـمـوقـف فـرد واحـد لا يـرتـاح إلـى عـلاقـات بـلـده بـالـعـالـم الخـارجـي، بـل هـي تـتـرجـم شـعـورا مـتـزايـدا داخـل الطـبـقـة السـيـاسـيـة الأمـريـكـيـة ولـدى الشـرائـح المحـافـظـة فـيـهـا بالخـوف عـلى استـقـلالـيـة أمـريـكـا التي تـهـددهـا الـروابـط الخـارجـيـة الطارئـة مثـلـمـا تـهـدد «نـقـاءهـا» - فـي نـظـر تـلـك الشـرائـح - عـمـلـيـات الهـجـرة والاخـتـلاط العـرقـي والـديـنـي بـيـن مـواطـنـيـهـا، ولـقـد أتـى تـرامـب إلى الـبـيـت الأبـيـض مـرتـيـن مـحمـولا عـلى صـهـوة هـذه القـوى المحافـظـة الانـكـفـائـيـة.

لـقـد عـاشـت أمـريـكـا عـزلـة جـغـرافـيـة عـن الـعـالـم مـنـذ أنـشـأ الأوروبـيـون المـهـاجـرون ولايـاتهـا، ومـنـذ اسـتـقـلـت عـن بـريـطـانـيـا. ومـا مـن شـك فـي أن تـلك العـزلـة الجـغـرافـيـة حـمـت أمـريكـا، طـويـلا، مـن الأخـطـار الخارجـيـة ومـنـحـتْـهـا الشـعـور بـالأمـان، ولـكـنـها أحـدثـت فـي نـفـوس قـسـم مـن الأمـريـكـيـيـن شـعـورا بـاسـتـثـنـاء أنـفـسـهـم مـن تـبـعـات مشـكـلات الـعـالـم الخـارجـي وشـؤونـه، وبـغـنـاء بـلادهـم عـنـه.

وإذا كـانـت نـزعـة الانـكـفـاء لـدى تـرامـب وإدارتـه وقـاعـدتـه (مـاغـا) وحـزبـه تـرجـمـة سـيـاسـيـة لـذلك الشـعـور الـعـمـيـق المـزمـن فـإن لـثـقـافـة الانـكـفـاء والانـسـحـاب مـن الـعـالـم تـبـديـات مـجـتـمـعـيـة وسـيـاسـيـة عـامـة مـتـوارثـة لـعـل أظـهـرهـا مـا يـتـكـرر فـي الانـتـخـابـات الأمـريـكـيـة وحـمْـلاتـهـا وبـرامـجـهـا مـن تـغـلـيـب الـشـأن الـداخـلـي الأمـريـكـي علـى أي مـوضوع أو هـاجـس آخـر يـقـع بـعـيـدا مـن حـدود أمـريـكـا.

مـنـذ شـروعـهـا فـي تـطـبـيـق سـيـاسـة انـسـحـاب أمـريـكـا مـن أطـر الـعـمـل الـمـشـتـرك الـدولـيـة وفـك ارتـبـاطـهـا بـهـا بـررت إدارة دونـالـد تـرامـب تـلك السـيـاسـة - مـنـذ ولايـتـه الأولـى - بـحـاجـة الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة إلـى الـتـحـرر مـن الأعـبـاء المـالـيـة الهـائـلـة التي يـرتــبـهـا عـلـيـها وجـودهـا فـي تـلك الأطـر، خـصـوصـا أنـهـا هـي مـن تـتـولـى إنـفـاق المـسـاهـمـة الـمـالـيـة الأكـبر فـيـهـا مـن غـيـر أن يـكـون الإنـفـاق ذاك - فـي نـظرهـا - مـبـررا ومـن غـيـر أن تـكـون إنـتـاجـيـة تـلك الأطـر وفـوائـدهـا بـحـجـم الأمـوال الـمـصـروفـة عـلى بـرامـجـهـا.

والحـق أن كـل مـن تـابـع سـيـاسـة الانـكـفـاء الـتـرامـبـيـة الـتي أخـرجـت أمـريـكـا مـن عـدد مـن الاتـفـاقـات والـمـعـاهـدات الـتي كـانـت طـرفـا فـيـهـا، ومـن عـدد مـن الـمـنـظـمـات الـدولـيـة، يـعـرف - عـلـى الـتـحـقـيـق - أن خـروجـهـا مـنـهـا مـا كـان لأسـبـاب مـالـيـة عـلى عـلاقـة بـإنـفـاق مـرهـق مـثـلا، ولا لـضـعـف فـي أداء تـلك الـمـؤسـسـات، بـل لـسـبـب سـيـاسـي واضـح، عـدم تـجـاوب تـلك الـمـؤسـسـات مـع السـيـاسـات الأمـريـكـيـة، وعـدم وجـود فـائـدة مـن اتـفـاقـات ومـعـاهـدات تـقـيـد يـدي الإدارة الأمـريـكـيـة، ولـعـلـهـا فـعـلـت ذلـك أحـيـانـا قـصـد مـعـاقـبـة بـعـض تـلك الـمـنـظـمـات - مـثـل الـيـونـسـكـو - عـلى مـواقـفـهـا مـن الـدولـة الصـهـيـونـيـة وسـيـاسـاتـهـا الـتـخـريـبـيـة تـجـاه الإنـسـان والـتـراث الـفـلـسـطـيـنـي الـوطـنـي فـي فـلـسـطـيـن المـحـتـلـة.

مـا جـرى على تلك الأطـر الـقـاريـة والـدولـيـة يـجـري عـلى «حـلـف شـمـال الأطـلـسـي»، اليـوم، وسـيـجـري عـليـه غـدا. بـدأت صـلـة الإدارة الحـالـيـة بـه تـسـوء مـنـذ فـتـرة، فـتـلـقـى - مـن حـيـث هـو إطـار وقـيـادات - نـقـدا شـديـدا مـن تـرامـب، خـاصـة بـعـد أن جـارى الـنـاتـو سـيـاسـات إدارة جـو بـايـدن السـابـقـة وخـطـطـهـا تـجـاه روسـيـا ومـا قـادت إلـيـه مـن حـرب ومـن تـوريـط لأوكـرانـيـا، وتـحـول إلـى أداة بـرسـم الاسـتـخـدام الأوروبـي مـن دون أن يـكـون لأوروبـا دور حـقـيـقـي فـيـه.

«حـلـف شـمـال الأطـلـسـي» فـي تـعـريـف تـرامـب بـات عـبـئـا ثـقـيـلا عـلى الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة عـلـيـهـا الـتـخـفـف مـن أثـقـالـه، ولا يـكـون ذلك الـتـخـفـف عـنـده إلا بـتـقـاسـم العـبء الـمـالي بـيـن أوروبـا وأمـريـكـا. لـذلك ألـزمـت إدارة تـرامب دول أوروبـا بـرفـع إنـفـاقـهـا العـسـكـري بـحـيـث تـصـيـر نـسـبـتـه خـمـسـة فـي الـمـائـة مـن الـنـاتـج الـمـحـلـي الإجـمـالـي، وهـو مـا انـصـاعـت لـه تـحـت وطـأة الـضـغـط الشـديـد والمخـافـة مـن حـجـب الـدعـم الأمـريـكـي للـنـاتـو عـنـه والـتـضـحـيـة بـأوكـرانـيـا مـن خـلال صـفـقـة مـا مـع روسـيـا.

فـي الأثـنـاء مـا تـوقـف تـرامـب عـن الـقـول: إن أوروبـا هـي مـن يـحـتـاج إلـى الـنـاتـو لـحـفـظ أمـنـهـا مـن الـتـهـديـد الـروسـي، ولـيـس الـولايـات المـتـحـدة الأمـريـكـيـة الـتـي تـسـتـطـيـع الاسـتـغـنـاء عـنـه كـلـيـة؛ لـذلك مـا عـلى أوروبـا سـوى تـقـاسـم أعـبـاء أمـنـهـا مـع أمـريـكـا.

هـجـوم تـرامـب عـلى الـنـاتـو اليـوم أضـخـم مـن هـجـومـه أمـس وأبـعـد مـدى؛ لأنـه يـقـتـرن بـتـهـديـد صـريـح بـالانـسـحـاب مـنـه.

قـد يـكـون الـتـهـديـد بـالانـسـحـاب مـجـرد ورقـة للابـتـزاز السـيـاسـي مـن أجـل إرغـام الـنـاتـو ودول أوروبـا عـلى مـقـابـلـة مـطـالـب/إمـلاءات تـرامـب بـالـتـجاوب والامـتـثـال، ولـكـن أيـضـا قـد تـكـون الحـرب عـلى إيـران وامـتـنـاع الحـلـف الأطـلـسـي عـن مـشـاركـة إدارة تـرامـپ فـيـهـا ذريـعـة تـتـوسـلـهـا الأخـيـرة للانـسـحـاب الـفـعـلـي مـنـه، والظـاهـر أن الاحـتـمـال الـثـانـي وارد وإن لـم يـكـن مـرجـحـا فـي الأمـد المـنـظـور.

وهـا هـو تـرامـب مـرة أخـرى، يسـارع إلـى اسـتـصـغـار شـأن الـنـاتـو والـزرايـة بـه وتـكـرار الـقـول بـعـدم حـاجـة أمـريـكـا إلـيـه فـي قـضـيـة مـضـيـق هـرمـز، بـل يـذهـب فـي تـصـعـيـد الـتـحـدي للـنـاتـو إلـى الـقـول: إن أمـريـكـا لـم تـدْعـه إلـى الـمـشـاركـة فـي «فـك الحـصـار» عـن المـضـيـق إلا مـن أجـل حـمـايـة المـلاحـة الـدولـيـة لا مـن أجـلـهـا هـي، وأنـه إذْ يـخـذل أمـريـكـا فـإنـمـا يـخـذل دول الـعـالـم كـلـهـا.

ثـم لـم يـلـبـث الـتـصـعـيـد الكـلامـي مـع الـنـاتـو أن تـحـول إلـى تـحـد لـكـل دول الـعـالـم مـن خـلال قـول تـرامب: إن مـضـيـق هـرمـز لا يـعـنـي أمـريـكـا الـتي لا تـمـر تـجـارتـهـا بـه، وأن عـلى مـن يـسـتـفـيـدون مـنـه فـي تجـارتـهـم أن يـتـدبـروا بـأنـفـسـهـم أمـر فـتـحـه.

إنـه أيـضـا هـوس الانـسـحـاب عـنـد كـل مـأزق!

لاسـتـراتـيـجـيـة الانـسـحـاب والانـكـفـاء الأمـريـكـيـة مـا يـفـسـرهـا؛ فقد دخـلـت الولايـات الـمـتـحـدة شـريـكـا فـي عـدد هـائـل مـن الـمـنـظـمـات والمـعـاهـدات الـدولـيـة بـعـد الحـرب الـعـالـمـيـة الـثـانـيـة مـن أجـل أن تـخْـدم هـذه الأدوات مـصـالـحـهـا وتحـفـظ لـهـا هـيـمـنـتـهـا فـي الـنـظـام الـدولـي.

ومـعـنـى ذلك فـي الـمـقـام الأول أن عـضويـتـهـا فـيـها والـتـزامـهـا مبادئها مـشـروطـان بـمـا تـقـدمـه تـلك مـن إمـكـانـيـات لـخـدمـة تـلـك الـمـصـلـحـة الـقـومـيـة الأمـريـكـيـة الـصـرف.

أمـا وأن تـصـبـح العـضـويـة والالـتـزام قـيْـدا عـلى تـلك المصـلـحـة أو نـيْـلا مـنـهـا وانـتـقـاصـا فـإن مـبـرر الـبـقـاء فـيـهـا يـرتـفـع تـمـامـا.

يـنـطـبـق ذلـك عـلى كـل شيء اسـتـفـادت مـنـه أمـريـكـا أمـس، ورمـت بـه إلـى الـقـمـامـة اليـوم: مـن الـيـونـسكـو والـمـنـظـمـة الـعـالـمـيـة للصـحـة ومـؤسـسـات الـعـولـمـة وصـولا إلـى مـنـظـمـة حـلـف شـمـال الأطـلـسـي.