في معركة إيلون ماسك ضد الصحافة لا يجوز أن تكون الحقيقة هي الخاسر

02 أغسطس 2026
02 أغسطس 2026

تمثل المقابلة المطوّلة التي أجراها إيلون ماسك مع رئيسة تحرير مجلة «الإيكونوميست»، خير تمثيل للصدام الراهن بين عالمين. في إحدى الزاويتين، رئيسة تحرير مؤسسة صحفية عمرها 182 عاما، تدافع عن الليبرالية الاقتصادية والحرية. وفي الزاوية الأخرى، أول تريليونير في العالم، ينشر المعلومات المضللة بين مئات الملايين من متابعيه عبر منصته الخاصة للتواصل الاجتماعي. وتقدم هذه المواجهة درسا بليغا في التحديات التي يواجهها الصحفيون في عالم جديد تحكمه تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتنصل من الحقائق، والعدوانية على الإنترنت.

بدأت نقاط التصادم في حوار زاني مينتون بيدوز مع ماسك من مسألة التعريفات. يقول ماسك إن الأشخاص الذين تصفهم مينتون بيدوز بأنهم من «أقصى اليمين» أو من «الجماعات الهامشية» ـ وقد ذكرت حزب «البديل من أجل ألمانيا» ـ هم في الحقيقة مجرد «أناس عاديين». ثم يختلفان حول ما إذا كانت السرعة التي نُفّذت بها تخفيضاته في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قد تسببت في وفيات كان يمكن تفاديها في البلدان النامية. وترى هي أن زعمه بعدم حدوث ذلك يناقض الإحصاءات، فضلا عن الأدلة التي جمعها مراسلو مجلتها على الأرض. وعندما سُئل إن كان عنصريا، استشهد بأن لديه أربعة أبناء من امرأة «نصف هندية». وفي سجال بدا محرجا، سألته مينتون بيدوز إن كان معاديا للمسلمين، فأجاب بأنه يعارض «قدوم أشخاص إلى بلد وهم يحملون آراء مناقضة تماما لقيمه... أنا ضد الاغتصاب والقتل».

تغيرت نبرة الحوار عندما اتهمت مينتون بيدوز ماسك بنشر معلومات مضللة عن أوروبا، وعن مسقط رأسها لندن على وجه الخصوص، وقالت له إن الإحصاءات تثبت أنها أكثر أمانا للعيش من معظم المدن الأمريكية الكبرى. وبدا عليها انزعاج حقيقي من رفضه جميع الأدلة التي تفيد بأن جرائم العنف أدنى بكثير مما يصورها، وأن عصابات الاستدراج والاستغلال الجنسي لا ترهب الناس في الشوارع. وبعد أن سألته إن كان يدرك لماذا يدفع هذا السلوك الناس إلى مقتِه، تحول الحوار إلى مشاجرة في ساحة مدرسة. أشار ماسك إلى أنه لا بد أن يكون محبوبا ما دام يحظى بهذا العدد الضخم من المتابعين على منصة «إكس». ثم أضاف: «إنهم يكرهونك أكثر بكثير مما يكرهونني». واعترفت هي بأن وسائل الإعلام فقدت ثقة الجمهور.

يكشف هذا السجال الكثير، عن طرفيه وما يؤمن به كل منهما، وعن حال منظومتنا الإعلامية الراهنة أيضا. وإذا استعرنا مجاز هذا الصيف، وتخيلنا المقابلة رحلة هوميرية، فإن رئيسة التحرير كانت تحاول العودة إلى أرض الحقيقة والأمان، فيما بدا ماسك شبيها بإله بحر غاضب يطلق العواصف العاتية والوحوش، بعدما بدا أن التحدي قد انتهى.

وانعكست هذه الديناميكية في ردود الفعل التي أعقبت المقابلة. فقد بدا أنها انتهت باتفاق الطرفين على أن يبقى كل منهما عند رأيه؛ بل واصلا الحديث بينما كان ماسك يخضع لجلسة تصوير.

وعندما روّجت مينتون بيدوز للمقابلة على منصة «إكس»، أعاد ماسك نشر تدوينتها، مضيفا: «مقابلة مجنونة مع زاني»، في تلاعب لفظي باسمها. وقد أعجبها ذلك إلى درجة أنها أعادت نشر تدوينته. لكن بعدما كتب بعض متابعيه تعليقات مسيئة عن وسائل الإعلام، انضم إلى الهجوم متحدثا عن «مرآة الكابوس المشوِّهة للواقع، التي تمثلها الصحافة التقليدية السائدة». وبحلول عطلة نهاية الأسبوع، كان يصفها بأنها «خائنة للغرب».

ويوم الخميس، أقرت مينتون بيدوز بأنها تشعر «بالحيرة»، من دون أن تشعر بالخوف، إزاء ردود الفعل التي تزداد «عدوانية يوما بعد يوم». وقالت لبرنامج «ميديا شو» على إذاعة «راديو 4» إنها تعلمت ألّا تقرأ التعليقات المنشورة على الإنترنت: «عندما تواصل التمرير وتقرأ مئات التعليقات التي تقول كم أنت شخص فظيع، فإن الأمر لا يكون لطيفا جدا؛ لذلك لا تفعل ذلك».

يبدو من الملائم، في هذا التوقيت تحديدا، تأمل الدروس التي يمكن استخلاصها من هذه الواقعة كلها، خصوصا أن أحدث تحقيق مدعوم من الحكومة بشأن سلامة الصحفيين وجد أن كثيرين منهم أقروا بممارسة رقابة ذاتية على تقارير تتناول قضايا خلافية، مثل احتجاجات اليمين، خشية تعرضهم للاعتداء. وخلص التقرير إلى وجود صلة مباشرة بين التعليقات العدائية العابرة عن الصحفيين وتصاعد الاعتداء عليهم، في الفضاء الرقمي وخارجه. وتتحمل الصحفيات النصيب الأكبر من هذه العدوانية.

أدى التحول نحو الصحافة الرقمية والمرئية، وما صاحبه من تحويل الصحفيين إلى مشاهير، إن جاز التعبير، إلى ازدياد عدد الصحفيين الذين بات الجمهور يتعرف إليهم، ومن ثم ازدياد مخاوفهم على سلامتهم.

وتقدم مينتون بيدوز، مرة أخرى، مثالا واضحا على ذلك، خصوصا أن مجلة «الإيكونوميست»، المعروفة بتقاليدها القائمة على عدم إظهار أسماء كتّابها، اتجهت في الآونة الأخيرة إلى إنتاج قدر أكبر بكثير من المحتوى المرئي. أما برنامج «ذا إنسايدر»، المنصة التي أجرت من خلالها مقابلتها مع ماسك، فهو برنامج حواري أسبوعي أُطلق في سبتمبر الماضي، واستضاف شخصيات من بينها بنيامين نتنياهو وتاكر كارلسون؛ ولذلك فإن مينتون بيدوز ليست غريبة عن محاورة الشخصيات الصدامية.

إن نظرة ماسك إلى الحقيقة هي ما يمنح هذا السجال أهمية تفوق مواجهات أخرى مماثلة. فطرح الأسئلة على أصحاب النفوذ، ومواصلة البحث عن الإجابات حتى حين تكون ردود أفعالهم سيئة، يمثل جوهر العمل الصحفي. وفي رد قصير أرسلته هذا الأسبوع إلى مشتركي النشرة البريدية، تعهدت مينتون بيدوز بمضاعفة الجهد في تناول القضايا التي أثارتها المقابلة. ودعتهم إلى ترقب تقارير جديدة تتقصى الحقائق المتعلقة بتداعيات إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وعدد ضحايا عصابات الاستدراج والاستغلال الجنسي في بريطانيا، وحجم جرائم العنف في المدن الأوروبية؛ وهي جميعا موضوعات اصطدمت بشأنها مع ماسك.

لم تلتزم صناعة الأخبار دائما بالمعايير الأخلاقية التي كان ينبغي لها الالتزام بها، فيما هبطت مستويات الثقة بها إلى أدنى مستوى على الإطلاق، وتواصل تراجعها في مختلف أنحاء العالم المتقدم. لكن البيانات والتقارير الميدانية تظلان الوسيلتين الوحيدتين لمواجهة المعلومات المضللة. تستطيع أن تزعم، كما فعل ماسك، أن التجول في شوارع بريطانيا بات بالغ الخطورة، رغم أنه لم يزرها منذ سنوات؛ أو تستطيع البحث عن البيانات التي تشير إلى أن معدلات جرائم القتل بوجه عام، وحتى جرائم العنف باستخدام السكاكين، أدنى بكثير مما هي عليه في المدن الأمريكية الكبرى، وهو ما فعلته «الإيكونوميست» في مقطع مصور على وسائل التواصل الاجتماعي حظي بإعجاب 73 ألف شخص.

قد تمنح ملكية ماسك لمنصته الخاصة وثروته التي تكاد لا تنضب مكبر صوت هائلا، لكن هذا النوع من العمل الصحفي التقليدي هو الخدمة العامة التي يحتاج إليها العالم. وتزداد الحاجة إليه إذا كان ماسك بالفعل هو «كاساندرا» التي يزعم أنه يمثلها، وكانت تقنيات الذكاء الاصطناعي ستتفوق على البشر في غضون عقد، بما يجعل الاحتفاظ بقبضة راسخة على الواقع أكثر صعوبة.

جين مارتنسون كاتبة عمود في صحيفة «الجارديان»، وعضو في مجلس إدارة «سكوت تراست»، المؤسسة المالكة لمجموعة «جارديان ميديا». وبصفتها أستاذة مارجوري دين للصحافة المالية في جامعة سيتي سانت جورج بلندن، تربطها صلة بزاني مينتون بيدوز عبر مؤسسة خيرية ترأس مينتون بيدوز مجلس أمنائها.

عن الجارديان البريطانية