إرادة قوية لتذليل العقبات

02 أغسطس 2026
02 أغسطس 2026

هناك حقيقة مؤكدة، بأنه متى ما توفّرت النيَّة والإرادة فإنّ النجاح سيكون حتميًّا. ما جعلني أذكر هذه الحقيقة - رغم أنها بديهية ويعلم بها غالبية الناس - أني كنتُ أفكّر منذ فترة في الكتابة عن تجربة مشروع «مطاحن وتمور الشرع»، وهو مشروعٌ تجاريّ عُمانيّ، يشار إليه الآن بالبنان، وقد تأجلَتْ الكتابة عن الموضوع، حتى تفاجأتُ بخبر وفاة عبد الله بن سعيد الجعفري مؤسس المشروع، الذي تحوّل من فكرة تقليدية إلى مؤسسة صناعية غذائية متكاملة؛ هذه الوفاة جعلتني أستعيد قناعتي بأنّ الإشادة بالأعمال الجيدة يجب أن تحدث في حياة الإنسان وليس بعد مماته، لأنّ الاعتراف بالجهد في وقته يمنح صاحبه دفعة معنوية أكبر ويشعره بقيمة ما أنجز، ويكون في الوقت نفسه حافزًا للآخرين على العطاء والنجاح، وكما قال الفيلسوف والكاتب الأمريكي توماس بين: «كلمة شكر واحدة في حياتي أفضل من خطبة تأبين مطولة بعد مماتي»، وهو ما ذهب إليه أيضًا الأديب جبران خليل جبران عندما كتب: «وردة واحدة لإنسان على قيد الحياة أفضل من باقة كاملة على قبره».

بدأت قصة الشرع في ولاية بهلا عام 1972، على يد سعيد بن عبد الله الجعفري، حيث كانت مجرد مطحنة تقليدية صغيرة تخدم المجتمع المحلي؛ لكن عبد الله الابن، حين تولى زمام الإدارة لاحقًا، عمل على تطويرها وتحويلها إلى مؤسسة حديثة، تضم خطوط إنتاج متنوعة تشمل التمور والزيوت الطبيعية والبهارات والقهوة والصناعات الغذائية. ولم يكن المشوار سهلًا، فقد واجهَت الراحلَ عقباتٌ وتحديّاتٌ عديدة، لكنه تغلب عليها بعزيمته وإصراره، ليصبح المشروع علامة وطنية بارزة في مجال الأمن الغذائي.

وأنا أتابع الإنجازات التي حققتها الشرع، كنتُ في البداية أشك أنّ المشروع عُمانيٌّ، وعبّرتُ عن شكي ذلك لبعض الأصدقاء، لأننا لم نعتد نجاحات بهذا الحجم في بيئتنا المحلية لأسباب كثيرة، منها الاعتماد على الوافدين في كلّ مناحي حياتنا، مع اللوبيات التي يشكلونها ضد المواطنين، ومنها البيروقراطية الزائدة التي تقتل كلَّ الإبداعات؛ لكن مع مرور الوقت اتضح أنّ هذا المشروع عُمانيٌّ أصيل، وثمرةٌ لرؤية واضحة وإرادة صلبة، لم ينجح محليًّا فقط، بل توسّع وتخطّى الحدود حتى أصبح علامة عُمانية مميزة في الأسواق الخليجية، يتعرّف عليها المستهلك بسهولة ويثق بها وبإنتاجها من التمور المعبأة إلى الزيوت الطبيعية والبهارات والقهوة والطحين والبقوليات، وبعض الصناعات الغذائية الأخرى.

أتصور أنّ مثل هذا النجاح يعطي حافزًا كبيرًا للشباب العُماني الطموح، بأنّه متى ما توفرت النية والإرادة فإنّ النجاح حتمي لا محالة، وهو ما يجعل تجربة الشرع مثالًا يحتذى في تحويل الموارد المحلية إلى قيمة اقتصادية واجتماعية.

وعندما نتأمل في ثروات عُمان، نجد أنّ التمور التي كانت يومًا ما من أبرز صادراتنا، أصبحنا اليوم نستوردها من الخارج، في حين أنّ أرضنا قادرة على إنتاج أجود الأنواع إذا ما أُحسن استغلالها. كذلك فإنّ محافظة ظفار تزخر بثروة حيوانية هائلة من الإبل والأبقار، يمكن أن تتحوّل إلى صناعة متكاملة تشمل اللحوم والألبان ومشتقاتها والجلود وغيرها، ممّا يفتح آفاقًا اقتصادية واسعة. أما إذا تحدّثنا عن ثروة الأسماك التي تميز سواحل عُمان، فسيكون الحديث مؤلمًا، فكيف تجاوزت الخسائر المتراكمة لشركة الأسماك العُمانية حاجز 22 مليون ريال عُماني، في وقت لا يستطيع المواطنُ الآن أن يشتري السمك لغلائه؟ وتقول البيانات الرسمية للشركة إنّ من أسباب الخسائر «انخفاض ملحوظ في المبيعات وتراجع في الإيرادات السنوية في الأعوام الأخيرة، متأثرة بارتفاع التكاليف التشغيلية (الوقود والنقل) وتزايد المنافسة في الأسواق المحلية والآسيوية»، وهذا السبب يبدو مضحكًا بقدر ما هو مؤلم. كان يمكن أن تكون الثروة السمكية رافدًا أساسيًّا لموازنة الدولة، لو أنّه تم تطوير صناعاتها التحويلية والتسويقية بشكل أكبر، لكن يبدو أننا نعاني فعلًا من مشكلة عويصة، هي معروفة ولكن لا تجد حلًا!.

إنّ تجربة الشرع تؤكد أنّ النجاح ليس حكرًا على أحد، لكنه متاح لكلّ من يملك الإرادة والرؤية، وأنّ استثمار مواردنا المحلية بذكاء يمكن أن يفتح آفاقًا واسعة لمستقبل أكثر إشراقًا للشباب العُماني الطموح، الذي يحتاج إلى دعم وتسهيل مشاريعهم، لأنهم يحملون بذور نجاحات قد تكون أعظم ممّا نتوقع، ولأنّ الاعتراف بإنجازاتهم في وقتها سيشعرهم بقيمة ما يقدّمون ويحفّز الآخرين على السير في طريق العطاء والنجاح.

وأنا أكتب هذا المقال خطر على بالي مشروعٌ، تحدّثَت عنه وسائل الإعلام فترةً من الزمان ثم سكتت عنه، وهو مشروع «نور مجان»، أول مشروع لتصنيع السيارات في سلطنة عُمان لسلطان العامري، الذي وصل إلى مرحلة إنتاج النماذج الاختبارية، ومع ذلك توقّف المشروع عن الانطلاق التجاري والإنتاج، بسبب تحديات في استخراج التصاريح وتخصيص الأراضي للمصنع، - حسبما صرح به سلطان نفسه - رغم حصول السيارة على ترخيص السير من شرطة عُمان السلطانية.

وبعيدًا عن قصة «نور مجان»، فإنّ قصة النجاح الاستثنائية التي سطرها الراحل عبد الله بن سعيد الجعفري في تأسيس وتطوير «مطاحن وتمور الشرع»، تثبت بوضوح كيف يمكن للفكر الريادي المخلص أن يحوّل الموارد الزراعية والخيرات المحلية إلى قصة نجاح ملهمة، ترفد الأمن الغذائي الوطني. هذه التجربة تؤكد - ما هو معلوم - أنّ عُمان تزخر بشباب مبدعين، وبثروات طبيعية وخيرات وفيرة لو استُغلت بالأسلوب الأمثل لشكّلت روافد اقتصادية قوية ومستدامة تدعم موازنة الدولة وتنوع مصادر دخلها. ومع ذلك، فإنّ تكرار هذا النجاح وصناعة جيل جديد من رواد الأعمال يتطلب التزامًا حقيقيًّا بتذليل العقبات المعقدة التي تحجم طموح الشباب العُماني حاليًّا في سوق العمل؛ إذ لا بد من إزالة القيود التمويلية والإجرائية، وسد الفجوة بين التعليم والقطاع الخاص، من أجل فتح الآفاق أمام الطاقات الوطنية المبدعة، لكي تنخرط في السوق وتستثمر ثروات وطنها بثقة واقتدار.

ومهما يكن من أمر، فإنّ الاستثمار في الموارد الوطنية هو المفتاح الحقيقي للنمو الاقتصادي الدائم؛ وكلُّ ما نحتاجه اليوم هو إرادة قوية لتذليل العقبات أمام الشباب العُماني، وتبسيط الإجراءات له، وفتح أبواب التمويل والتدريب الفعلي أمامه.

زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.