في الشمس من «سبتة» إلى المجهول
02 أغسطس 2026
02 أغسطس 2026
بينما تنشغل القوى العظمى بتأجيج الصراعات الاقتصادية السياسية -على جبهات مختلفة بحثا عن مغنم مادي أو سلطة سياسية تمكن إحداها أو بعضها من إدارة العالم- يتفاقم الفقر في كثير من دول العالم حتى في دوائر قادة هذه الدول ذاتها، أما في الشرق الأوسط عموما وفي العالم العربي على وجه التحديد فما تزال الهجرة حلم كثير من الشباب الحالمين بغد أفضل، مبتغى جماعيا مع كل ما تعيشه أوطانهم من صراعات عالمية وإقليمية، أو ما يعايشونه يوميا من تحديات اجتماعية، وقيود حياتية خانقة لم تترك لهم متنفسا للحلم إلا في فضاءات أوروبية يظنون بها الخير كله، ويحلمون خلالها بالرزق والسعة؛ حتى حين يكون باطنها موتا محققا أو ضيقا لا سعة بعده، ومع هذا التهافت على الهجرة إلى النعيم الأوروبي تمثل مدينة سبتة جيباً إسبانياً في شمال أفريقيا مُشكِّلة إحدى أهم بوابات العبور للاتحاد الأوروبي، تحولت المدينة مؤخرا إلى نقطة جذب رئيسة للهجرة غير النظامية بسبب موقعها الجغرافي وقربها من السواحل المغربية، ورغم استمرار أفواج المهاجرين عبرها إلى أوروبا إلا أن الأزمة التي اندلعت منذ أيام متمثلة في دخول ما يقارب 60 ألف مهاجر عبر المدينة خلال يومين فقط، أثارت بلبلة عالمية إضافة إلى ما اعتبرته إسبانيا نفسها أكبر أزمة منذ 2021م، تمثل سبتة وكذلك مليلية (شمال المغرب) الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع أفريقيا، ويبلغ عدد سكان المدينتين نحو 85 ألف نسمة.
ما الذي دفع تلك الآلاف من البشر إلى هذه الهجرة الجماعية؟ ولم الآن؟ رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ذكر في روايته لمبرر تدفق المهاجرين إلى جيب سبتة تفسيرا مضللا روجت له «مافيات» الاتجار بالبشر لحكم قضائي صدر مؤخرا عن المحكمة العليا، بشأن عدم إمكان إعادة المهاجرين الذين وصلوا بحرا إلى الحدود، في إشارة إلى دور إسرائيلي محتمل عقابا لإسبانيا لموقفها الداعم للقضية الفلسطينية، مؤكدا ذلك مندوب إسرائيل الدائم لدى الأمم المتحدة داني دانون بانتقادات لإسبانيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي على ضوء الفوضى السائدة في سبتة، قال في منشور له على منصة إكس «إسبانيا التي لا تفوّت فرصة لتقديم الدروس إلى إسرائيل، أعلنت حالة الطوارئ في سبتة عقب الأزمة المتعلقة بسياستها للهجرة، ربما قبل أن تستمر في توجيه اللوم إلينا، حان الوقت لتشرح للعالم سبب استمرارها في الاحتفاظ بجيوب استعمارية في أفريقيا» بكل مضامين هذه التغريدة من شماتة واضحة وتلميحات مبطنة!
بعيدا عن تبادل الانتقادات بين الطرفين فإن أزمة سبتة الحالية كبدت إسبانيا الكثير من المواقف الداعية للحذر جراء المزايدات الأوروبية على سياستها في ملف الهجرة، متضمنا تعليق إيطاليا اتفاقية شنغن مع إسبانيا، محفزة دولا أخرى في الاتحاد الأوروبي على اتخاذ ذات الإجراء غير القانوني وفقا للائحة اتفاقية شنغن، لكن الأسى كله يكمن في التعامل العالمي عموما مع ملف المهاجرين، الساعين للأمل والحلم هربا من تأزم أوطانهم بوقوعها في مسرح تصادم عسكري أو صراعات اقتصادية ليس لهم يد في صنعها أو تصنيعها، أو أوضاع اجتماعية خانقة أو قيود على الحريات والفرص، وما كان لأفواج المهاجرين عبر سبتة مغادرة أوطانهم إلى المجهول لو أنهم وجدوا -عبر عقود- ما يزرع في أنفسهم الأمل بواقع أفضل وفضاءات أرحب، المحزن أكثر ما نتج عن هذه الأزمة من حملة موازية للهجوم على المهاجرين العرب والمسلمين دون أي إشارة إلى 67 قتيلا(حسب تصريح وزير الداخلية الإسباني حتى كتابة هذه المقالة) قضوا في رحلتهم تلك عبورا حالما بغد أفضل، أولئك القتلى ليسوا مجرد رقم يتداول في الصحف، كما أن أعداد المهاجرين ليست ورقة للمعارك الانتخابية، وليست سلاحا للتشفي، أولئك القتلى يعيدون إلى الذاكرة «رجال في الشمس» لغسان كنفاني دون سؤال» لماذا لم يطرقوا جدار الخزان؟» حين يتساوى الموت والحياة في رهان على احتمال النجاة وبلوغ الحلم مهما كان ضئيلا في نفق الواقع ورهانات القوى العظمى على تهميش الإنسان.
ختاما: بين خزّان كنفاني وأسلاك سبتة الشائكة تمتد أزمنة من الهجرة التي يُغذيّها الأمل ويدفعها رفض التهميش وغياب الفرص، بينهما ما يمكن استبصاره من ضريبة لا بد لكل مستعمر من دفعها سواء كان استعماره واضحا جليا أو متقنعا بثوب المصالح المعنية بتمرير سلاسل الإمداد وموارد الطاقة، الضيقة عن تمرير البشر الذين دفعوا وحدهم ضرائب تبدل ميزان القوى وبقاء حسرة التحديات، لا بد للأوطان من تقدير وتثمين حياة مواطنيها باعتبار الأمنين الاجتماعي والاقتصادي أولوية قصوى تُتخذ كل التدابير لأجلها؛ كي لا تشهد طاقاتها البشرية تمر عبر جسر مهترئ إلى ضفاف ترفضها لتخبو وتأفل، أو تحتويها لتصيرها لغير أوطانها طاقات عمل وبذل.
حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية
