في قراءة الماضي

02 أغسطس 2026
02 أغسطس 2026

«فالتاريخ في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول «...» وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق».

ابن خلدون، المقدمة

ليس الماضي هو التاريخ، وإن كان التاريخ حديثا عنه. فالماضي مجموع ما وقع وانقضى، والحدث مقطع منه نميزه لنجعله موضعًا للنظر، والأثر ما بقي من الحدث أو دل عليه، والخبر قول ينسب إلى الماضي واقعة أو معنى. ومن ثم لا يصل إلينا الماضي كما وقع، وإنما تصل بقاياه، فنحاول أن نستدل بها على غائب لا سبيل إلى استحضاره كاملًا. وندرس الماضي لأن حاضرنا ثمرة طريق كان يمكن أن يُسلك غيره؛ فمن يجهل كيف صار حاضره إلى ما هو عليه يعجز عن تمييز الضروري فيه من العارض، وما ورثه مما اختاره.

ولنتأمل مثالًا تاريخيا: عبر طارق بن زياد من شمال أفريقيا إلى شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 92 للهجرة. يبدو الخبر واضحا مكتملًا، لكنه لا يكاد يتجاوز سطح الحادثة؛ فما إن نتأمله حتى ينفتح وراءه عالم من الأفعال والشروط.

فالعبور يفترض قوة جُمعت، وسفنًا أُعدت، ومؤنًا هُيئت، ومعرفة بالممر والساحل، وسلطة تصدر عنها الأوامر، وأحوالًا في الضفة الأخرى أتاحت النزول. ولا يكفي أن نفسر العبور بأن القائد أراده؛ فالإرادة تفسر القصد، لا القدرة. قد يريد الإنسان أمرًا ثم يعجز عنه، وقد يملك القدرة ولا يجد الفرصة، وقد تجتمع له الإرادة والقدرة ثم يعترضه ما لم يحسب له حسابًا. لذلك ينبغي أن نميز بين الدافع الذي جعل الفعل مرغوبا، والشرط الذي جعله ممكنًا، والفرصة التي أتاحت تنفيذه، والعائق الذي قاومه، والمصادفة التي أثرت في نتيجته. فالنتيجة، في الغالب، ملتقى أسباب وشروط متعددة.

من جمع القوة وهيأ السفن؟ ولماذا اختير ذلك الموضع؟ وما مقدار ما عرفه العابرون عن الأرض التي قصدوا إليها؟ لا نملك جوابا قاطعا عن هذه الأسئلة، وبعض ما وصل إلينا ورد في روايات متأخرة أو متعارضة، فلا يجوز أن نسوي بين الثابت والراجح والممكن. غير أن تعذر الإحاطة بالماضي لا يقلل من أهمية معرفته، بل يزيدها؛ فنحن لا ندرك مقدار جهلنا إلا حين نحاول أن نعرف، ولا نشعر بكثافة الماضي ما دمنا نحسبه أخبارًا فرغت من معانيها. فالجهل الذي لا يعرف نفسه يكتفي بالخبر، أما الجهل الذي وعى حدوده فيدرك أن وراءه عالمًا جديرًا بأن يُطلب.

وحتى لو وصلت إلينا شهادة طارق نفسه، لما استوفت تفسير الحادثة؛ فالفاعل يعرف بعض مقاصده، لكنه لا يحيط بكل ما شكّل فعله. ولا يكتمل فهم الفعل بمعرفة أسبابه وشروطه، بل ينبغي أن نسأل عما كان يعنيه في اللغة التي فهم بها أصحابه أنفسهم وعالمهم. نحن نرى العبور اليوم حركة عسكرية كبرى، وربما رآه بعض المشاركين طاعة لأمر، أو طلبًا للغنيمة، أو أداء لواجب ديني. فقد تتشابه حركتان في ظاهرهما، بينما تنتمي كل منهما إلى عالم مختلف من القيم والمعاني. والطريق الذي سلكه طارق يشير، من طرف خفي، إلى طرق لم يسلكها. فقد كان الحدث، قبل وقوعه، محاطًا بمجال من الممكنات، ثم تحقق منها ممكن واحد. وقد يحملنا نجاح العبور على الظن بأن الطريق كان يسيرًا؛ لكن صمت الأخبار عن مقاومة أو خسارة لا يثبت أنهما لم تقعا، فقد يكون الغائب غائبًا من السجل، لا من الواقعة.

ومتى بدأ عبور طارق؟ أفي اللحظة التي نشأت فيها الإرادة، أم حين جُمعت القوة، أم حين تحركت السفن، أم في الأحوال السابقة التي جعلت ذلك كله ممكنًا؟ لا ينبغي للمؤرخ، حين يختار بداية، أن يزعم أنه بلغ أول الأسباب؛ وإنما يحدد الموضع الذي يلائم سؤاله وأدلته. فالماضي لا يقدم نفسه مقسمًا إلى فصول جاهزة؛ نحن نميز منه حادثة، ونعيّن لها بداية ونهاية كي نفهمها.

ثم إن معرفتنا بما أعقب العبور تغير معناه. فنحن نراه اليوم بداية لوجود إسلامي طويل في الأندلس، ولذلك تميل الذاكرة إلى تصويره خطوة أولى في مسار معلوم النهاية. أما الذين قاموا به فلم يملكوا معرفتنا بما سيقع بعدهم. لم يكن استمرار ذلك الوجود قرونًا حقيقة حاضرة لحظة النزول، ولم تكن النتائج اللاحقة كامنة فيه كقدر لا مرد له. كان الفعل، حين وقع، محاطًا بالمخاطر والبدائل، لكن معرفتنا بالنهاية تجعل الطريق إليه أشد استقامة مما كان في أعين سالكيه.

ولم يغير العبور موضع طارق ومن معه فحسب، بل غيّر أيضًا مجال ما يمكن فعله بعده؛ فقرّب غايات، وأبعد أخرى، وفتح أبوابًا لم تكن مفتوحة، وأغلق إمكانات كانت قائمة. وهكذا لا ينتهي أثر الحادثة بانقضائها، بل يعيد تشكيل شروط الحوادث التالية.

ولا يقاس الفرق بين قراء الماضي بمقدار ما يحفظونه من الأخبار وحده، بل بنوع الأسئلة التي يوجهونها إليها. يقول ناقل الخبر: عبر طارق البحر. ويسأل قارئ الماضي: ما الذي جعل العبور ممكنًا؟ ومن شارك في صنعه ممن غابت أسماؤهم؟ وما الطرق التي لم تُسلك، ولماذا؟ وماذا كان الفعل يعني لأصحابه؟ وما الذي تتيح الآثار إثباته، وما الذي لا يتجاوز مجال الترجيح؟ ولا يمتاز هذا القارئ بكثرة التأويل، بل بقدرته على التمييز بين الواقعة الثابتة، والاستنتاج الراجح، والافتراض الممكن، وما لا تسمح الأدلة بإثباته.

الماضي كثيف، والخبر رقيق.

لا نستطيع استعادة الماضي كاملًا، لكننا نستطيع الاقتراب منه إذا أحسنا السؤال وجعلنا قوة الجواب ملائمة لقوة الدليل. ولو اعتمدنا هذا التمحيص في قراءة ماضينا، لراجعنا كثيرًا مما استقر في أذهاننا على أنه صورة مكتملة للتاريخ، وأعدنا النظر في أدوار من نُسبت إليهم الحوادث، وميزنا ما ثبت مما أضافته الذاكرة، وتحررنا من وهم أن النتائج كانت محتومة. وعندئذ لا نتعلم أخبار ما وقع فحسب، بل نتعلم كيف تعمل القدرة والظروف والاختيارات معًا، وكيف تخلّف قرارات محدودة المعرفة آثارًا تتجاوز أصحابها، فتستقر في مؤسساتنا ولغتنا وحدودنا وتوزيع السلطة بيننا. وقد يُنسى السبب الأول بينما تظل نتائجه عاملة؛ فبعض الماضي لا يستمر ذكرى، بل واقعًا نعيش فيه.

أما كيف يقرأ المجتمع هذا التاريخ المكتوب، وكيف يحسن قراءته أو يسيئها، وكيف يستمد منه حكمته وأوهامه معًا، فذلك ما نتناوله في مقال قادم.

حمد سنان الغيثي كاتب ومترجم عماني