ياه... يا الخوارزميات
02 أغسطس 2026
02 أغسطس 2026
لا أبالغ حقا إن قلت إنني لا أستطيع اتخاذ إجراء حقيقي وتحليل فعلي لعلاقتي ببرامج التواصل الاجتماعي وما تنهال عليّ به من معلومات متجزئة بسيطة، يقودني لعمقها فضولي بعد ذلك وهذا ما يجعلني أتغاضى عن السلبيات وأسلّم بخلايا عقلي لهذا البعد الخامس مجازا - أعني أنني أتساهل كثيرا في الآثار السلبية التي يراكمها هذا الاستهلاك المعلوماتي المزدحم والطافح وهي بتعبير «كليشهاتي» كلاسيكي جدا مستهلك ومبتذل لكنني لا أجد الآن سواه «سلاح ذو حدين».
إن الحالة التي جعلتني أفكر وأضيف لمجموعة هواجسي هاجسا جديدا هي معرفتي بصافيناز كاظم، اسم مجهول ربما للبعض، ولكني إذا قلت
- نحن على الهواء مباشرة
- إن شاء الله نكون في القمر أنا مالي
- سيدة صافيناز كاظم نحن على الهواء مباشرة
- الغي رحلتي
ستكون ضحكتك قد شقت وجهك بالتأكيد أو ابتسامة بلهاء تفيد بذكرى مضحكة. نعم هذا ما جعلني أكتب أنني عرفت المرأة التي ننسحب بها -كمادة وسائط- من النقاشات أو الحوارات التي لا نرغب بالخوض فيها أكثر، لم تكن آنذاك المرأة التي في الفيديو المرسل تهمني، ولكن المغزى المراد ولم أتساءل من هي يا ترى إلا في مرة انتبهت أن أحد أطراف الحديث هو فيصل القاسم مقدم أحد البرامج التي أحب جدالاتها فاستنتجت ولم أبحث أن هناك أمرا فجّر خفة الظل تلك في أكثر الأوقات ربما غضبا ولا شك حرجا.
ولكن رغم هذا لم أبحث، لتأبى الخوارزميات رغم آليات طرحها إلا أنني أجد مبررًا لهذا عندما يطرأ في المقترحات ما يثير شهية فضولي وقد حدث ذلك عندما اقترحت لي جزءًا من فيلم وثائقي اسمه «أربع نساء من مصر» وكان عن الكاتبة الصحفية صافي ناز كاظم وهي تتحدث عن تجربتها الحياتية في أمريكا، وأفكارها التي أخذت التحضر من حيز ضيق في تلك الفترة سمته لاحقًا «التغريب» فكانت تتحدث عمّا قيل لها حول اللباس وطريقته والاحتشام وغيره من الأفكار التي لا بُد من امرأة قادمة من ذلك الجزء من العالم أن تعتنق شيئًا منها، فأضحكتني طريقة تعبيرها العفوية والبليغة وهي تحاول أن تكون «متنورة» مثلما اعتقدت شارحة: «لا إحنا بنلبس مايو باكيني، لا إحنا سفلة، لا إحنا بنعمل عمايل مهببة زيكم بالضبط، إحنا ناس متحضرين!» في الحقيقة لا أنفي عجبي المتبوع بالضحك وأنا أسمع حديثها وتغيّر النبرات الذي تتهكم به تارة وتقول فكرة جادة تارة أخرى.
بعد ذلك بحثت عن الفيلم ووجدته، ولكنني فضلته لوقت آخر، فانتقلت لقراءة ما كتبت صافيناز بحكم أنني توقعت أسلوبًا جميلًا يعجبني نوعه وساخرًا أتلذذ بقراءته فوجدت ما حسبت صائبًا وفي حالةٍ فاقت التوقع، ربما لأن في الكتابة يمكننا التحضير والإعادة على عكس الحوار العادي الذي يتطلب مهارات تدعمها التلقائية وتحركها الفطنة وسرعة البديهة، فما جعل القراءة ممتعة هو ذلك الأسلوب الكتابي الذي يندر حقيقة في مجمل الكتاب الذين قرأت لهم سابقًا، وما أعجبني أيضًا هو عدم خلو الطرح من الموضوعية رغم الأسلوب الساخر الذي عادة ما يكون منحازًا فهي تقدم وجهة نظرها لا لفكرة واحدة مخلصة لها بكامل الحلول المقترحة ولكن التعميم الذي يجعل كل الحلول البديلة واردة إلا التي تسببت بالحدث المكتوب عنه.
تبقى صافيناز كاظم، من الشخصيات المصرية التي برزت في الوسط الثقافي عارضت الكثير من الأطروحات الفلسفية منها قد ذكرت في الفلم الوثائقي نفسه. إلا أنه من الواضح فعلًا أنها أحبت الفن فكان لها نصيب في النقد المسرحي جمعته في كتابها «مسرح المسرحيين» ولكن الطريق لم يبدأ هناك بل من الاستفتاء الذي قامت به عن النقد المسرحي في مصر سنة 1960، والذي أفاد باحتياج الوسط المسرحي للنقاد، لتكمل المشوار الأكاديمي في تخصص النقد المسرحي في جامعة كانساس بالولايات المتحدة، وتكون تلك إحدى المحطات المساندة لإسهاماتها البارزة بجانب مقالاتها العديدة التي قرأتُها، شاهدًا على أحد أهم المثقفين في تاريخ مصر، يحكي الكاتب بلال فضل في أحد مقاطعه على قناته في اليوتيوب أنه يستمتع بطريقة حديث صافيناز كاظم مشيرًا إلى أنها تمتلك «مواهب تمثيلية عملاقة» متحدثًا عن ذكرياته التي التقى فيها الفنان أحمد زكي بصافيناز ما يفيد أننا أمام ناقدة لم تكن مفصولة عن المشهد الفني بل كانت منه وفيه ما يجعل كل ما قدمته على مستوى الصحافة والأدب والمسرح محط اهتمام ويشد الانتباه.
«رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي» لأنني لم أرفض الخوارزميات حتى وهي اختزلت يومًا من الأيام شخصية بهذا الإبداع والفكر الوقاد والنيّر في مادة نتناولها دون معرفة حقيقية بما وراء المشهد، ربما لم نكن مسؤولين عنه وهذه هي الإشكالية التي تطرأ هنا، لماذا لسنا مسؤولين عما نتداول؟ لا أقول ذلك لفرض قوى رقابية ولكن للإتيان بالأسئلة التي لم تعد تتشكل نتيجة الفيضان المعرفي الذي تجمعه وسائل التواصل الاجتماعي وتديره الخوارزميات حسب تفضيلات نظن أنها لصالحنا، ويضاف لكل ما سبق الذكاء الاصطناعي ليوحي لنا أننا بحثنا عما يشغل فضولنا فعلًا، لا أنبذ بالضرورة أن نكون على قدر الحدث وأن نواكب ما يطرأ كي لا نغرق في وحل الماضي الذي صار يتشكل أسرع من أي وقت مضى، ولكن أقول إنني وإننا يجب أن نكثف عملياتنا البحثية بالتجارب الحقيقية خارج أسوار المعلومات المصبوبة بشكل عشوائي نعتقد أنه مرتب لأنه فقط لامس تفضيلاتنا ظاهريًا فبعد عدد يسير من المواد البصرية التي تتيحها المقاطع القصيرة في تيكتوك وانستاجرام وسنابشات سيكون من الملاحظ أن هناك فيديو واحدًا على الأقل جديد على التفضيلات المعتادة والإعجاب به سيتيح لأشباهه من المواد المرئية أن تطفو في صفحة المقترحات وهي دائرة.
ختامًا، قد تكون تجربتي مع صافيناز كاظم فردية وربما بالطبع هي حالة لا تأتي ببحث شاق وتقصٍّ، ولكن شح المعلومات التي تقدم قيمة حقيقية جعلت من عثوري على صافيناز يشبه العثور على كنز، ولكن في أرض جدباء نائية لا أجد فيها ما أقايض به. ولعل الأمر هذا يدعونا لتجويد ما نقدمه، عوضًا عن تعبئة عواطفنا بإنجازات من نتابع.
سعد عماد كاتب ومسرحي عماني
