لا يـخـامـرنـا شـك فـي أن الأمر فـي هـذه السـياسـة لا يـتـعـلـق بـمـوقـف فـرد واحـد لا يـرتـاح إلـى عـلاقـات بـلـده بـالـعـالـم الخـارجـي، بـل هـي تـتـرجـم شـعـورا مـتـزايـدا داخـل الطـبـقـة السـيـاسـيـة الأمـريـكـيـة ولـدى الشـرائـح المحـافـظـة فـيـهـا بالخـوف عـلى استـقـلالـيـة أمـريـكـا التي تـهـددهـا الـروابـط الخـارجـيـة الطارئـة مثـلـمـا تـهـدد «نـقـاءهـا» - فـي نـظـر تـلـك الشـرائـح - عـمـلـيـات الهـجـرة والاخـتـلاط العـرقـي والـديـنـي بـيـن مـواطـنـيـهـا، ولـقـد أتـى تـرامـب إلى الـبـيـت الأبـيـض مـرتـيـن مـحمـولا عـلى صـهـوة هـذه القـوى المحافـظـة الانـكـفـائـيـة.
مـنـذ شـروعـهـا فـي تـطـبـيـق سـيـاسـة انـسـحـاب أمـريـكـا مـن أطـر الـعـمـل الـمـشـتـرك الـدولـيـة وفـك ارتـبـاطـهـا بـهـا بـررت إدارة دونـالـد تـرامـب تـلك السـيـاسـة - مـنـذ ولايـتـه الأولـى - بـحـاجـة الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة إلـى الـتـحـرر مـن الأعـبـاء المـالـيـة الهـائـلـة التي يـرتــبـهـا عـلـيـها وجـودهـا فـي تـلك الأطـر، خـصـوصـا أنـهـا هـي مـن تـتـولـى إنـفـاق المـسـاهـمـة الـمـالـيـة الأكـبر فـيـهـا مـن غـيـر أن يـكـون الإنـفـاق ذاك - فـي نـظرهـا - مـبـررا ومـن غـيـر أن تـكـون إنـتـاجـيـة تـلك الأطـر وفـوائـدهـا بـحـجـم الأمـوال الـمـصـروفـة عـلى بـرامـجـهـا.
والحـق أن كـل مـن تـابـع سـيـاسـة الانـكـفـاء الـتـرامـبـيـة الـتي أخـرجـت أمـريـكـا مـن عـدد مـن الاتـفـاقـات والـمـعـاهـدات الـتي كـانـت طـرفـا فـيـهـا، ومـن عـدد مـن الـمـنـظـمـات الـدولـيـة، يـعـرف - عـلـى الـتـحـقـيـق - أن خـروجـهـا مـنـهـا مـا كـان لأسـبـاب مـالـيـة عـلى عـلاقـة بـإنـفـاق مـرهـق مـثـلا، ولا لـضـعـف فـي أداء تـلك الـمـؤسـسـات، بـل لـسـبـب سـيـاسـي واضـح، عـدم تـجـاوب تـلك الـمـؤسـسـات مـع السـيـاسـات الأمـريـكـيـة، وعـدم وجـود فـائـدة مـن اتـفـاقـات ومـعـاهـدات تـقـيـد يـدي الإدارة الأمـريـكـيـة، ولـعـلـهـا فـعـلـت ذلـك أحـيـانـا قـصـد مـعـاقـبـة بـعـض تـلك الـمـنـظـمـات - مـثـل الـيـونـسـكـو - عـلى مـواقـفـهـا مـن الـدولـة الصـهـيـونـيـة وسـيـاسـاتـهـا الـتـخـريـبـيـة تـجـاه الإنـسـان والـتـراث الـفـلـسـطـيـنـي الـوطـنـي فـي فـلـسـطـيـن المـحـتـلـة.
«حـلـف شـمـال الأطـلـسـي» فـي تـعـريـف تـرامـب بـات عـبـئـا ثـقـيـلا عـلى الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة عـلـيـهـا الـتـخـفـف مـن أثـقـالـه، ولا يـكـون ذلك الـتـخـفـف عـنـده إلا بـتـقـاسـم العـبء الـمـالي بـيـن أوروبـا وأمـريـكـا. لـذلك ألـزمـت إدارة تـرامب دول أوروبـا بـرفـع إنـفـاقـهـا العـسـكـري بـحـيـث تـصـيـر نـسـبـتـه خـمـسـة فـي الـمـائـة مـن الـنـاتـج الـمـحـلـي الإجـمـالـي، وهـو مـا انـصـاعـت لـه تـحـت وطـأة الـضـغـط الشـديـد والمخـافـة مـن حـجـب الـدعـم الأمـريـكـي للـنـاتـو عـنـه والـتـضـحـيـة بـأوكـرانـيـا مـن خـلال صـفـقـة مـا مـع روسـيـا.
وهـا هـو تـرامـب مـرة أخـرى، يسـارع إلـى اسـتـصـغـار شـأن الـنـاتـو والـزرايـة بـه وتـكـرار الـقـول بـعـدم حـاجـة أمـريـكـا إلـيـه فـي قـضـيـة مـضـيـق هـرمـز، بـل يـذهـب فـي تـصـعـيـد الـتـحـدي للـنـاتـو إلـى الـقـول: إن أمـريـكـا لـم تـدْعـه إلـى الـمـشـاركـة فـي «فـك الحـصـار» عـن المـضـيـق إلا مـن أجـل حـمـايـة المـلاحـة الـدولـيـة لا مـن أجـلـهـا هـي، وأنـه إذْ يـخـذل أمـريـكـا فـإنـمـا يـخـذل دول الـعـالـم كـلـهـا.
ثـم لـم يـلـبـث الـتـصـعـيـد الكـلامـي مـع الـنـاتـو أن تـحـول إلـى تـحـد لـكـل دول الـعـالـم مـن خـلال قـول تـرامب: إن مـضـيـق هـرمـز لا يـعـنـي أمـريـكـا الـتي لا تـمـر تـجـارتـهـا بـه، وأن عـلى مـن يـسـتـفـيـدون مـنـه فـي تجـارتـهـم أن يـتـدبـروا بـأنـفـسـهـم أمـر فـتـحـه.
ومـعـنـى ذلك فـي الـمـقـام الأول أن عـضويـتـهـا فـيـها والـتـزامـهـا مبادئها مـشـروطـان بـمـا تـقـدمـه تـلك مـن إمـكـانـيـات لـخـدمـة تـلـك الـمـصـلـحـة الـقـومـيـة الأمـريـكـيـة الـصـرف.