هذا يوم عيدكم .." فلتفرحوا بلقائه"
بطابع إيماني واجتماعي خاص وفريد يمتزج فيه الحنين بالفرح والشكر لخالق النعم، تتجدد مظاهر السعادة بقدوم أيام عيد الفطر المبارك؛ إذ حرص الجميع منذ الساعات الأولى من قدومه أمس على الاستعداد لاستقباله في هيئة تليق بهذه الشعيرة الإيمانية، سواء كان هذا الاستعداد نفسيًا أو اجتماعيًا.
لقد مضى شهر رمضان المبارك بكل ما فيه من ذكر وخير وبركة، رحل رمضان ولنا فيه ذكرى ستظل تطرق أبواب الذاكرة في كل عام. ومنذ ساعات قد مضت، استقبلنا أيام عيد الفطر المبارك.
ومن صور هذا الاستقبال الأولى: الاهتمام بالمظهر والتزين بما تيسر لنا من ملابس جميلة، إضافة إلى إبراز أدوات البهجة والسعادة على الوجوه احتفاء بهذه المناسبة الغالية، واستلهامًا لما ورد في السنة النبوية الشريفة من الحث على التجمل والتطيب في الأعياد. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس في يومي العيد أفضل ما يجده من الثياب، وكان يتجمل، ويدهن، ويضع العطر، فكان لا يُشم إلا طيبًا طاهرًا. فعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: كان صلى الله عليه وسلم يلبس لهما (للعيدين) أجمل ثيابه، وكان له حُلَّةٌ يلبسها للعيدين، والجمعة خاصة.
أما الصورة الثانية، فهي تتجلى في الجانب الاجتماعي. فطوبى لمن أدخل فرحة العيد على قلب طفل يتيم أو أعان أرملة أو مسح دمعة محتاج للعطاء. كل هؤلاء هم جمال هذا العالم الذي نحن من نسيجه. فليس الكل وُلِدَ ثريًا، وليس الجميع لديه من الإمكانيات المادية لشراء مستلزمات المناسبات. ولكن الإطار الاجتماعي يسهم إيجابيًا في إدخال البهجة في النفوس المحتاجة.
يقول الشاعر الكبير فاروق جويدة: "إذا ما جاء الفراقُ يومًا، وجاء بعد الفراقِ العيد... فلا تنسَ أن تفرح، ولا تنسَ أن تضحك، ولا تنسَ أن تلبسَ الجديد."
وإذا كنا في هذا اليوم لا تفارقنا مشاعر الفرحة والغبطة والسرور، وهو ثاني أيام عيد الفطر السعيد، فإن كل جوارحنا تنبض بالشكر لله تعالى على هذه المنحة السماوية لعباد الله الطائعين الذين أتموا صيامهم وأدوا ما عليهم من واجبات، يسألون الله تعالى أن يتقبل منهم ويعفو عن هفواتهم وزلاتهم.
لهذا، يسأل الكثير منا عن الحكمة الإلهية في جعل عيد الفطر يأتي بعد صيام شهر رمضان الفضيل؟ والجواب الذي أورده الكثير من علماء الدين هو أن هذا العيد هو تتويج الجهد بفرحة مأجورة، وتحقيق التوازن بين الروح والجسد. فالعيد شعيرة إسلامية تظهر اتحاد الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، وتنشر ظلال التكافل الاجتماعي عبر زكاة الفطر، لتتحول العبادة إلى بهجة جماعية وتجديد للأواصر الاجتماعية، كما قال الله تعالى: "وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ." [البقرة: 185]
ويطيب العيد في أزهى صوره ويتبارك حين نحقق فيه سلامة الصدر، ونظافة القلب من الغل والحقد والحسد وسائر الأمراض النفسية. وتلك والله لهي خصلة يعظم داعيها في الأعياد. لهذا، يدعونا ديننا الإسلامي الحنيف إلى جعل القلب سليمًا على إخواننا، ننقيه ونصفيه من أي حسد أو بغي، لنكون جميعًا إخوة في الله متحابين متعاونين كالجسد الواحد.
استوقفتني عبارة قرأتها منذ فترة، تنبض بمعانٍ عميقة يقول كاتبها: "عندما تشتري ملابس العيد لأطفالك وزوجتك... لا تنسَ من كانت تلبسك صبيحة العيد وأنت صغير. لا تنسَ تلك اليد التي كانت تُجهّز لك ثيابك، وتفرح بابتسامتك أكثر من فرحتها بالعيد. قد لا تطلب شيئًا، ولكن قلبها يفرحه ولو الشيء القليل؛ لأنه يكفيها أن تراك سعيدًا. هل عرفتها؟" إنها أمك، ذلك الكائن الذي لا تنتهي عطاياه، بل يزداد حبها مع مرور الزمن. وفي هذه المناسبة المباركة، لا تنسَ أيضًا أباك الذي كان معك في كل خطوة، علمك وهذب أخلاقك، وكان يسعى جاهدًا لإسعادك ولو بأبسط الأشياء، حتى وإن لم يطلب منك شيئًا في المقابل.
إنها فرصة للتعبير عن شكرنا لكل من منحنا حبًا بلا حساب. فلنغتنم هذه الأيام لنشعر بأننا جزء من هذا العالم، ولنقدم لمن حولنا ما يُشعرهم بالبهجة.
ختامًا، لتكن أيام عيد الفطر السعيد أيامًا مباركة لصلة الرحم، ولإحياء العلاقات التي كانت تقتلها غربة الزمن، ولتكن دعوةً صادقة لتحقيق السعادة التي نحلم بها جميعًا. لنحيِ هذه الأيام بأطيب الذكريات ونبني جسورًا جديدة من المحبة، فتصالحوا مع العيد، واجعلوه ملهماً للأحياء بتبادل المودة والزيارات، ولتسكن الدعوات قلوب الأموات، فلا ننسى أن لهم نصيبًا في هذه المناسبة الطيبة.
لنجعل العيد مصدرًا للتجديد في حياتنا، ولنتذكر أن السعادة تكمن في العطاء، والتواصل، والذكرى الطيبة.
