No Image
بريد القراء

الأنانية.. مصنع البغضاء والعداوات بين الناس

26 مارس 2026
26 مارس 2026

"الأنانية هي ليس أن تعيش حياتك كما تتمنى أن تعيشها، الأنانية هي أن تريد الآخرين يعيشون حياتهم كما أنت تتمنى أن يعيشوها" الروائي الايرلندي الشهير أوسكار وايلد.

خلق الله الإنسان وجعل الأنانية صفة من صفاته التي تظهر وقت التفاضل ما بين الأشياء وتأتي على ثلاثة وجوه؛ فهناك النفسية، والأخلاقية، والعقلانية، فكم من أنانية قتلت صاحبها، وكم من أخرى فرقت ما بين الأخ وأخيه والصديق وصديقه؛ فالأنانية داء عضال يصعب علاجه خاصة إذا ما تمكن من الإنسان واستشرى في سائر جسده، فهو المولد الذي يغذي كراهية الخير للغير، وقد نبّه الإسلام الحنيف إلى هذه الآفة وحذر من تداعياتها على الفرد والمجتمع.

لماذا نصف بعض الناس بأنهم "أنانيون"؟

من المتعارف عليه أن الأنانية هي شيء مرتبط بـ"حب الذات المفرط" دون شيء آخر؛ بمعنى تفضيل المصلحة الشخصية على حساب الآخرين دون وعي حقيقي أو منطقي، وقد وصفها الحكماء بأوصاف كثيرة منها أنها "ريح الصحراء التي تجفف كل شيء"، و"سراب الضعفاء".

من المفارقات العجيبة التي أوردها الكثير من الناس بأن "حب الذات ليس نوعا من الأنانية أو النرجسية ولا يمت إليهما بصلة، بالرغم من بعض المغالطات والأخطاء الشائعة التي قد تؤدي أحيانا إلى وجود بعض التداخل بين هذه المفاهيم، وتفسير هذا القول يأتي من علماء النفس الذين يؤكدون على أن المحافظة على التوازن النفسي والقدرة الشخصية على العمل، ترسل رسالة لمن حولنا مفادها أن الصحة مهمة خاصة عندما تعتني بنفسك، فأنت لا تعتبر ما تفعله جزءا من "أنانية شخصية"، بل تظهر احترامك لذاتك، وتحمي صحتك، وتُعزز قدرتك على رعاية الآخرين وبذلك تحقق مصلحة عامة وليست خاصة".

الشخص الأناني الحقيقي الذي يمكن أن نعرّفه بالتعريف السيئ هو الذي لا يريد أن تعيش الحياة كما تريد أن تعيشها، بل يحاول إجبار الآخرين على العيش كما هو يريد لهم ذلك حتى وإن كانوا تعساء، لهذا تعد الأنانية بكل ما بها من صفات مظلمة من أصعب طباع البشر تعاملا حتى أن البعض وصفها بأنها "قفص حديدي" يَسجن فيه المرء كل احتياجاته الشخصية دون الأخذ في الاعتبار ما يريده غيره، والعجيب في الأمر أن الشخص الأناني لا يهمه مطلقا ما إذا كنت "متألما أو حزينا أو مظلوما"، كل ما يهمه هو نفسه أولا وأخيرا قبل أي اعتبار آخر!

عندما سألت أحد الأصدقاء عن أكثر الأشخاص أنانية في نظره، استرسل كثيرا في الحديث لكن من بين ما قاله وأعجبني رده: "أعتقد بأن الأناني هو ذلك الإنسان الذي يمنحك الإحساس اللطيف بأنه يخاف أن يخسرك وبأنك شيء ثمين للغاية وحجر نادر بين أحجار الكون، ولكنه بالمقابل لا يفعل شيئا ولا يحرك ساكنا ويخبرك بأنه يحاول أو يسعى بكل الطرق من أجل المحافظة عليك، فهو الذي يهملك ويتركك لوحدك حتى لو مضى وقت طويل على هجرانه أو عدم رده عليك عندما تحتاج إليه، ولكن عندما تصبح عنده غاية في نفسه، يعود ليتودد إليك لكي تسمعه وتفهم ظروفه وتعذره على تقصيره أو تقف إلى جانبه، والعجيب عندما تسامحه على ما بدر منه من جفاء ونسيان، وتقوم بكل واجبات الصداقة الحقيقية تجاهه وتجيبه في طلبه، تفاجأ ثانية بأنك "لا تجد منه وصلا ولا حتى كلمة طيبة تحسسك بقيمة العمل الذي قمت به كدافع معنوي"، عندها تدرك بأن هذا الشخص هو منتهى الأنانية، وعليك تركه في حال سبيله لأنه أفضل خيار تتخذه مع مثل هؤلاء الجاحدين المتسلقين على ظهور الآخرين".

يقول نجيب محفوظ مخاطبا عقول الناس: "أنت تعتقد أنك إذا فعلت فوق اللازم ستنال التقدير، ولكن الحقيقة التي ستفاجئك هي أنك ستتعرض للاستغلال ودون شفقه.. تعلّم أن لا تستند على أحد ولا تتوقع الخير من الكثير، فالنفوس تتغير خلال ساعات ودقائق لا خلال أيام".

الأنانية هي من تفرّق الناس عن بعضهم بعضا، وهي من تؤجج النفوس وتزرع الأرض الخضراء نباتا مسموما لأنها تعتنق مفهوم "فرّق تسد"، فالأناني لا يرى إلا وجهه فقط في مرآة الحياة، ولا يهمه مطلقا مشاعر الآخرين، كل طموحاته أن يظل هو دائما الأفضل حتى ولو على حساب الآخرين والمستحقين لمعاملة أفضل.