عدنا إلى حياتنا من جديد!
انتهى شهر رمضان الفضيل وتلاه عيد الفطر السعيد، عُدنا ثانية إلى الحياة وإلى سياق أعمالنا، بعد أن منَّ الله علينا بأداء واجباتنا الإيمانية والدينية التي نسأله سبحانه أن يتقبل منا ما قدمنا ويعفو عما سهونا وقصرّنا في أدائه.
لكن يبقى السؤال، هل يبقى رمضان معلقا بالأعمال الطيبة ثم تنعطف مسارات البعض طيلة أيام العام نحو طرقات أخرى غير التي يمكن أن تسلك؟
أبرز الأمثلة على الإجابة على هذا السؤال نستشفه من خلال حالة البعض عندما يعتكف في رمضان وتتغير شخصيته تماما عن بقية أيام العام، لدرجة أنك أحيانا تتمنى أن تظل تلك الشخصية ثابتة في مكانها وعلى نفس صفاتها، ولكن ما إن ينتهي هذا الشهر الفضيل، تعود "حليمة لعادتها القديمة" وكأن شيئا لم يكن!
تخبرنا التعاليم الدينية بأن أعمال الخير والمواظبة على الطاعات لا يجب أن تنحصر في شهر معين مثل "رمضان" بل يجب أن تمتد لأن الله تعالى مطّلع على عباده في كل وقت وحين، ولهذا يخطئ من يعتقد بأن أبواب الخير تُفتح فقط في شهر الصيام والقيام، ثم تُغلق ثانية إلى العام الذي يليه، والحكمة العظيمة تقول: "البِرُّ لا يَبْلَى، والإثمُ لا يُنْسَى، والديان لا يَمُوت، فكُنْ كما شِئْتَ، فكما تَدِينُ تُدَانُ". وهذا إشارة واضحة على أن "الخير يبقى أثره ولا يزول، والذنب محفوظ عند الله، والجزاء من جنس العمل".
لذا لا تربطوا أعمالكم الطيبة وصلاتكم وعباداتكم بحدث معين بل اجعلوا كل أيامكم تفيض بالخير، وتمنح الناس رضا بما تقدمونه لهم من وقفات إنسانية وتضربون بقيمكم النبيلة في كل مكان تطأ فيه أقدامكم، فالحياة لا تقف عند أيام معينة بل الإنسان تُرصد أعماله طيلة حياته، وفي النهاية يجزي الله تعالى البشر بأعمالهم كاملة دون بخس أو تقصير.
ذكر العلماء بأن شهر رمضان المبارك وإن كان تضاعف فيه الحسنات؛ إلا أن الله تبارك وتعالى لم يأمرنا في كتابه العزيز ولا في سنة رسوله الكريم بأن ننتظر الخيرات بشهر رمضان فقط، فقال تعالى: { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } آل عمران 133.
فإذا أردت التصدق بمال أو نحوه من أعمال الخير فاحرص على المسارعة والمبادرة، ولا تؤجل ذلك إلى قدوم شهر رمضان القادم، فربما جاء الشهر ولا يتاح لك فعل الطاعة، أو ربما عاجلك الأجل ولم تشهد عامك القادم، ولهذا يعد التأجيل نوعا من التسويف في فعل الخيرات، وهو أيضا من وساوس الشيطان ومكائده التي يصرف بها العبد عن الطاعة.
ولهذا يجب أن نسأل أنفسنا: كيف تستمر روحانيات رمضان إلى ما بعده؟ ربما هذا هو المحك الرئيسي لعامة المسلمين في كل مكان وقد رحل عنا رمضان بكل ما فيه من خير وعطاء، فإذا كان رمضان هو شهر توحد المسلمين في برنامج عمل موحد عنوانه "الإكثار من عمل الخير والبر والإحسان والتقوى"، فمن الضروري علينا الآن أن نستمر في العمل بهذا البرنامج حتى لا يكون الشهر الفضيل حكرا ومناسبة تنقضي ثم يعود الناس إلى نسيان أعمالهم الطيبة الحسنة.
البعض يتحجج بأنه لا يعرف أحوال الناس من المحتاجين للعطاء، ولذا يكف يده عن العطاء ويجد ذلك مبررا له على فعل ذلك، وبحسب ما تابعت حديثا لأحد علماء الدين يقول: "إذ نوى المسلم أن يقوم بأي عمل خيري فعليه البدء بأقاربه، فلو استطاع كل قادر في كل عائلة أن يساعد ذوي قرباه لتوصلنا في النهاية إلى مجتمع قوي متماسك، والله تعالى يقول (يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم)، كما أوصى القرآن أيضا بتوجيه فعل الخير للجيران لقوله عز وجل (والجار ذي القربى والجار الجنب) باعتبار أن الجار هو أقرب الناس إلى الإنسان سكنًا ووقوفًا معه في الشدائد".
إذن علينا أن لا نربط العطاء في رمضان فقط، بل علينا أن تكون أيدينا ممدودة بالخير والإحسان، فهناك من حولنا أشخاص يحتاجون إلى رعايتنا لهم والاهتمام بأحوالهم، فالصدقة لوجهه تعالى لها أثر عميق في نفوسنا أولا والآخرين من بعدنا.
