No Image
بريد القراء

في العيد .. أشكال متعددة للفرح

20 مارس 2026
20 مارس 2026

يخطئ من يعتقد بأن بهجة العيد "خفتت أضواؤها" مع تقدم الإنسان في العمر، فالدلائل تشير إلى أن مكانة العيد تظل حاضرة في النفس وفي رائحة المنازل التي تفوح من بين ثناياها عبير الثياب الجديدة، أو من نوافذ البيوت التي تتصاعد منها رائحة البخور والعود والعطور.

وفي الطريق إلى المسجد لا تنقطع بهجة الفرح ولا ضحكات الصغار، وسعي الكبار نحو الوصول إلى مصلى العيد ليؤدوا صلاتهم ويثبتوا قوة إيمانهم، متصالحين مع أنفسهم أولًا ومع إخوانهم، فالعيد فرصة للتآخي والمودة.

وليس خفيًا على أحد بأن العائلات العمانية ما زالت تحافظ على إرث الماضي في "استقبال أيام العيد"، وكأنه جزء أصيل من حياتهم التي ورثوها من آبائهم وأجدادهم عبر الزمن، حتى وإن انشغل البعض منهم بالالتزامات الوظيفية وجاء العيد وهم بعيدون عن عائلاتهم، لكن السواد الأعظم من الناس يحاول جاهدًا أن يتمسك بعصا الماضي ويتكئ عليها في كل مناسبة إيمانية مثل الأعياد والأفراح.

وهذا التمسك بالعادات والتقاليد يرجع الفضل فيه إلى "بيت العائلة" المتمثل في الأب والأم اللذين يوجهان دفّة الأسرة بالحكمة والمحبة ولمّ الشمل في مثل هذه المناسبات السعيدة.

وقد عبّر الإمام علي بن أبي طالب –كرم الله وجهه– عن العيد في إحدى خطبه في أحد الأعياد قائلًا: "إنما هو عيد لمن قبل الله صيامه، وشكر قيامه، وكل يوم لا يُعصى الله فيه فهو عيد".

إذا أردنا أن نفتح حقائب الفرح فإنه لزامًا علينا أن نعود إلى حقبة زمنية بعيدة، ونتذكر كيف كنا صغارًا نعيش فرحة العيد قبل أن يأتي، وربما كانت ليلة العيد بمثابة انتظار طويل حتى يبزغ فجر الصباح.

ومهما استعدنا شيئًا من ذاكرتنا القديمة فإن العيد سيظل بالنسبة لنا مناسبة تجاري الوقت بدقة متناهية، وتلامس شغف الإنسان سواء كان طفلًا أو شابًا أو كهلاً بحبه للفرح وإقباله على الحياة. وما زال العيد رغم السنين الطويلة مناسبة خاصة يقبل عليها الأطفال أكثر من الكبار، وخاصة أن الصغار هم جوهر البهجة والسرور، لذا تراهم يعبرون عن هذا الحب بالامتنان والألفة.

ومن الملاحظ أن الأطفال ينتظرون مع أول ضوء لعيد الفطر ما يعرف بـ"العيدية"، التي توزع عليهم ممن يكبرهم سنًا، وخاصة من الآباء والأمهات والأقرباء وفق ما اعتاد عليه كثيرون، وكذا ينتظرون هذه العيدية في عيد الأضحى المبارك بحسب الطقوس الاجتماعية لدى المسلمين في العالمين العربي والإسلامي، فما أجملها من عادة جميلة.

وفي السابق كان العيد يتجسد في أبسط الأشياء، وترى السرور في الابتسامة بين الأطفال والكبار، أشياء صغيرة لكنها تصنع الفارق في قالب السعادة في النفوس. ولم تكن المادة أساس الحياة، بل كان الفرح بالعيد أجمل وأنقى من أي شيء آخر، حيث كان الناس يستمدون من حياتهم كل معاني الفرح والسرور حتى وإن لم يستطيعوا شراء أشياء جديدة. وكانوا يستعينون بما يملكونه من أشياء ويجددونها، ويصنعون ملابسهم بأنفسهم لصغارهم؛ وهي مرحلة قد تكون مؤلمة بالنسبة للبعض، لكنها لم تكن خيارًا سهلًا بقدر ما كانت قرارًا لصنع البهجة والفرح.

لذا ندرك بأن ثمة اختلافًا واضحًا في الاحتفال بالعيد بين الماضي والحاضر، ولكن سمات الفرح لم تكن يومًا غائبة بين ماضٍ وحاضر، بل لكل زمن طريقته في التعبير عن قدوم العيد، والمهم بين النموذجين أن يكون الناس في وئام ومحبة وألفة مهما اختلفت طريقة تعبيرهم واحتفالهم بالعيد السعيد.

ربما الحديث السابق هو نظرة البعض إلى العيد، لكن بالمقابل هناك من يرى بأن العيد أصبح عبئًا اقتصاديًا بسبب الإسراف في إعداد الولائم أو المبالغة في الترفيه أو السفر وغيرها، وهذا ما دفع البعض إلى الاعتقاد بأنه قد تحول مع الوقت إلى مشكلة أسرية؛ فكل فرد في الأسرة يريد قضاء العيد حسب رغبته وتطلعاته. فالأب مثلًا يريد قضاء أيام العيد في البلد، والأم تحبذ السفر إلى الخارج، أما الأولاد فيرون بأن قضاء العيد سيكون أفضل عند أصدقائهم.

ومن الأشياء التي أفقدت العيد قسطًا من بريقه الاعتماد الكلي على "وسائل التواصل الاجتماعي"، حيث أصبح الناس يكتفون برسائل المعايدات الإلكترونية مثل "الواتس آب" بدلًا من الاتصال المباشر أو الحرص على لقاء أحبّتهم وأصدقائهم خلال أيام العيد ومعايدتهم. حتى إن الأطفال لم تعد تفرحهم الملابس الجديدة كما كانت تفرحنا في الزمن الماضي، ولا العيدية التي كانت تشعرنا بأننا أصبحنا أثرياء حتى وإن كانت بسيطة. فقد تغيرت اهتمامات الأطفال في العصر الحديث مع الزمن، لكن منزلة العيد تظل عظيمة وصلتنا به قوية، حتى وإن تجاوزنا عمر التسعين عامًا نظل نحبه ونشتاق إليه.