جنون الشهرة يُدفع من فاتورة "الأخلاق"
المتابع لما يتم نشره يوميا عبر وسائل التواصل الاجتماعي يجد أن ثمة حالة من "الجنون المصطنع قد أصيب بها بعض الأشخاص نتيجة شغفهم المبالغ في تصوير ونشر كل ما هو "مباح ومحظور" بقصد الشهرة على حساب المبادئ والأخلاق التي تمس بأمن الوطن والمواطنين وهذا بالطبع يخرج عن الحد المسموح به في نطاق الحرية الشخصية ويدخل في نطاق المساءلة القانونية.
الحكمة تأتي من قول القاضي الأمريكي أوليفر وندل هولمز الابن: "حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين".
إن المفاهيم المغلوطة للحرية الشخصية وعدم المبالاة بالأطر المجتمعية قد تؤدي إلى دمار شامل يطال الجميع، فالفرد ليس معزولا عن مجتمعه، وتصرفاته تؤثر في أمن واستقرار الكل. ولهذا وضعت جهات الاختصاص بعض القيود حول تصوير بعض الأماكن أو الفعاليات أو الأحداث بما يحفظ لها استقلاليتها.
هناك حقيقة يعتبرها البعض مؤلمة وصادمة رغم التقدم التقني والتكنولوجي وهي أننا عاجزون تماما عن التحكم بمحتويات عالم الإنترنت وانتقاء الأكثر جودة وملاءمة سواء لأطفالنا أو لشبابنا بما يتناسب مع عاداتنا وتقاليدنا، ومرجعية ذلك هو أن العالم أصبح كما يراه الخبراء "بيتا إلكترونيا" نتجول فيه افتراضيا مع آخرين يحملون قيما وأفكارا وطريقة مختلفة للحياة.
والسؤال المطروح: من الذي دفع هؤلاء الناس إلى اعتقادهم الخاطئ بأن كل شيء يمكن توثيقه حتى وإن كان ذلك يعد تعديا على حرمة الناس والوطن؟
للأسف يتنافس بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في الحصول على "الإعجاب والتعليقات" من الداعمين أو المشتركين في قنواتهم، والبعض يجني من وراء ذلك مبالغ مالية تنسيه المسؤولية الوطنية والقانونية لهذا يقع في المحظور.
في كل أنظمة العالم هناك خطوط حمراء يجب أن نتوقف قبل أن نتجاوزها سواء كانت هذه الخطوط تمس أشخاصا أو أوطانا أو مؤسسات، فالعالم يعج بالكثير من المؤامرات والدسائس التي تحاك للأوطان منذ الأزل.
لهذا جاء توجيه الجهات المختصة بعدم تصوير بعض الأحداث الجسام التي تحدث من منطلق "ليس كل ما نراه أو يحدث أمامنا" يمكن أن ننقله للآخرين على أنه مادة دسمة يمكن الحديث عنها.
ليس من المحرمات أو الممنوعات أن تكون مشهورا ومحط أنظار الناس طالما لم تحد عن طريق الصواب باحترام المعايير وأخلاقيات المجتمع سواء تقاليده الأصيلة أو أعرافه، لكن العيب يأتي من خلال تسويق المواضيع التافهة والمحتوى الفارغ.
إذن باختصار شديد نقول كما قال آخرون "جنون الشهرة هو هوس حديث يسعى فيه الأفراد للحصول على الأضواء السريعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، غالبًا من خلال محتوى فارغ أو مبتذل. يتنازل هؤلاء عن قيمهم لزيادة المشاهدات، مما يؤدي إلى تلوث أخلاقي، انتشار سلوكيات سلبية، وتهديد حقيقي للذوق العام والأجيال الناشئة".
متى يزداد جنون البعض بالشهرة؟
هناك عاملان مهمان في زيادة نسبة الجنون لدى البعض؛ الأول: اعتقاد البعض بأن زيادة شهرته تدفعه إلى زيادة جنونه في البحث عن "شيء جديد" يجعله أكثر إثارة ليتفاخروا بعدد المشاهدات والإعجابات ومقارنتها مع بقية المشاهير، ليؤكد للآخرين بأنه أصبح الأعلى مشاهدة والأكثر تأثيرا لدى الناس، ولا يهم نوع هذا التأثير ومحتوى ومضمون ما يقدمه، وإنما المهم هو تصدر قائمة الأعلى مشاهدة وحديث الجميع.
أما العامل الثاني فهو: عندما يبدأ الشعور النفسي "الزائف" بالأهمية والتأثير على الآخرين، وكثيرا ما نرى أن ثمة تهافتا مصطنعا من بعض القنوات الإعلامية لاستضافة بعض المشاهير وتحويلهم بسرعة جنونية إلى نجوم مجتمع وأصحاب شهرة واسعة، وربما النفوذ لدى جهات عدة، هنا لا يدرك الشخص قيمته الحقيقية بل يصبح شخصا واهما لواقع مزيف!
نعلم بأننا نعيش في عالم مفتوح الأبواب، وقد لا تحكمه أي ضوابط أخلاقية أو عرفية أو دينية وحتى لا مهنية، لهذا يستغل بعض «الـنشطاء» في عالم السوشيال ميديا هذه الأجواء الملبدة بالغيوم فيقدمون بعض المحتويات "الهابطة" سعيا وراء ما يُعرف حاليا بـ"الترند" أو كما يعرفه الآخرون الأعلى مشاهدة؛ بهدف كسب الأموال والشهرة معا، حتى وإن كان الذي يقدمه للآخرين ليس له قيمة حقيقية.
وسائل التواصل الاجتماعي وُضِعت لمآرب أخلاقية وتواصل مجتمعي ينبض بالمصداقية ويسعى إلى ترسيخ الأفكار البناءة وليس كما هو مدرج الآن في خانة الخداع والسلوك المخالف لكل الأعراف والقيم المجتمعية الحميدة.
