هل تتحول حرب السودان إلى نظام سياسي دائم؟

03 يناير 2026
03 يناير 2026

ترجمة: بدر بن خميس الظفري -

يدخل السودان عام 2026 وهو يحمل عبءَ حربٍ لم تعد تُفاجئ العالم الخارجي، وبدأت تتكيّف معها الحياة اليومية داخل البلاد. فمنذ أبريل 2023، أدّى القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى تفريغ المدن من سكانها، وإفراغ الأحياء، وتشريد أكثر من 14 مليون شخص.

لم تعد المجاعة مجرّد توقّع، ولكنه واقع مُعاش في أجزاء من دارفور وكردفان ووسط السودان. أصبحت الهجمات على المدنيين وعرقلة وصول المساعدات روتينًا قاتمًا، فيما انهارت الأنظمة الصحية وبقيت المدارس مغلقة.

وما يجعل هذه اللحظة بالغة الخطورة غياب محادثات سلام فعّالة، والإحساس المتزايد بأن الحرب مرشحة أن تستمر. فالأسواق، والجماعات المسلحة، واستراتيجيات البقاء يعاد تنظيمها لكي يستمر العنف، وأمست اتفاقات وقف إطلاق النار والعقوبات والجداول الدبلوماسية أدواتٍ لإدارة الانهيار بدلًا من عكس مساره.

ومع اقتراب 2026، لم يعد السؤال ما إذا كانت جولة مفاوضات جديدة ستُعلن ـ فبعد ما يقرب من ألف يوم، تجاوزت الحرب الدبلوماسية نفسها ـ بل ما إذا كانت تتصلّب بهدوء لتغدو طريقة دائمة لحكم الأرض والموارد والبشر.

لقد حدّدت واشنطن علنًا نهاية عام 2025 هدفًا لتحقيق وقفٍ إنساني للأعمال القتالية على الأقل، ما يرفع من رهانات ما قد يحمله 2026. وقد صاغ مسؤولون أمريكيون هذا الهدف بصيغة ضيّقة، تركّز على خفض العنف بما يسمح بوصول المساعدات، دون السعي إلى تسوية سياسية شاملة.

غير أنّ الصراع أثبت مقاومة لافتة لمحاولات وقف إطلاق النار. فمنذ 2023 أُعلنت هدنٌ عديدة ثم انتُهِكت وأُعيد إحياؤها وأُهملت.

كرّرت قوات الدعم السريع إعلان قبولها فترات هدنة إنسانية، بينما واصلت عملياتها القتالية على الأرض. في المقابل، رفضت القوات المسلحة السودانية باستمرار أي وقفٍ للنار لا يبدأ بنزع سلاح الدعم السريع، بما في ذلك ما ورد في خطاب رئيس الوزراء السوداني أمام مجلس الأمن الأسبوع الماضي.

تقول قيادات الجيش بأن أي هدنة بلا حسمٍ عسكري تتيح للقوة شبه العسكرية إعادة تنظيم صفوفها.

وأظهرت تقارير عديدة كيف تنهار مقترحات وقف النار خلال أيام، بما يبرز غياب آليات إنفاذ موثوقة، والفجوة بين الإعلانات الدبلوماسية والواقع الميداني.

وعلى الرغم من موقفه المتشدّد، لم ينقطع الجيش كليًا عن الدبلوماسية. فبعد زيارات إلى السعودية والقاهرة، ألمح الفريق عبد الفتاح البرهان عبر وزارة الخارجية إلى استعداد للتعاون مع الولايات المتحدة في جهود سياسية لإنهاء الحرب.

ويعكس ذلك إعادة تموضعٍ استراتيجية أكثر منه تحوّلًا أيديولوجيًا؛ إذ يُنظر إلى الانخراط مع واشنطن بوصفه وسيلة لتشكيل شروط أي تسوية مقبلة دون التفريط بأوراق القوة الميدانية.

بالنسبة للولايات المتحدة، يوجد هذا علاقة متناقضة مع الجيش، فهناك ضغطٌ خطابي ودبلوماسي من جهة، واستمرار الانخراط من جهة أخرى خشية أن يؤدّي العزل إلى تصلّب المواقف وتضييق الخيارات المحدودة أصلًا.

ومع تعثّر دبلوماسية الهدن، اتجهت الحكومات الغربية بصورة متزايدة إلى العقوبات التي تستهدف الاقتصاد السياسي للحرب. ففي ديسمبر 2025، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شبكة من مواطنين وشركات كولومبية متهمة بتجنيد جنود كولومبيين سابقين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع.

وبحسب مسؤولين أميركيين وتقارير لوكالة رويترز، جند ونشر ما بين 300 و400 كولومبي في السودان، ما عزّز القدرات القتالية للدعم السريع عبر مسارات مرتزقة عابرة للحدود. وتبعت بريطانيا ذلك بعقوبات على شخصيات قيادية في الدعم السريع متهمة بالتورّط في فظائع بدارفور، شملت تجميد أصول وحظر سفر.

تعكس هذه الإجراءات إجماعًا متناميًا على أنّ حرب السودان لا تُغذّيها الديناميات الداخلية فحسب، بل شبكات دولية للتجنيد والتمويل والدعم اللوجستي. ورغم أنّ هذه التدابير لم تغيّر واقع المعارك، فإنها ترفع الكلفة طويلة الأمد على الفاعلين المسلحين وتضيّق الحيّز الدبلوماسي الذي يمكن فيه -تطبيع- الصراع.

ومن بين جيران السودان، تحتلّ مصر موقعًا ذا تأثير خاص؛ ففي أواخر 2025، أعلنت القاهرة علنًا ما وصفته بـ«الخطوط الحمراء» إزاء الصراع. وأكد مسؤولون مصريون أنّ وحدة السودان وسلامة أراضيه غير قابلتين للتفاوض، وأنّ انهيار أو تفكك مؤسسات الدولة سيهدد الاستقرار الإقليمي، وأنّ ظهور سلطات حاكمة موازية أمرٌ غير مقبول.

استندت هذه الخطوط إلى ميثاق الدفاع المشترك بين البلدين، في إشارة إلى أنّ تفكك السودان لن يُعدّ شأنًا داخليًا بحتًا.

ورغم أنّ القاهرة لم تُعلن تدخلًا عسكريًا، فإن الرسالة كانت واضحة وهي أنّ حرب السودان انتقلت من أزمة داخلية إلى مسألة أمنٍ إقليمي. ويعزّز هذا الموقف دعم مصر لسلطة مركزية في بورتسودان، مع تركيز أقل على مفاوضات قد تعالج التفكك الإقليمي والسياسي المتسارع.

وبينما تهيمن الدبلوماسية والعقوبات والخطوط الحمراء على الخطاب الرسمي، يواصل المدنيون السودانيون تحمّل العبء الكامل للحرب. تحذّر وكالات الإغاثة من اتساع رقعة المجاعة في مخيمات النزوح، خصوصًا في دارفور، حيث وُثّقت مرارًا أساليب الحصار والهجمات على المخيمات. ومع كل هدنةٍ فاشلة يتعمّق يأس المدنيين، ويتعزّز الشعور بأنّ الانخراط الدولي يأتي متأخرًا وينسحب سريعًا.

ومع دخول السودان عام 2026، يتّضح تضييق الخيارات؛ صارت دبلوماسية وقف النار متقطّعة لا تحوّلية، والعقوبات تعبّر عن الإحباط أكثر مما تمنح نفوذًا، والتموضعات الإقليمية تستعد للاحتواء بدل الثقة بالحسم.

تتسع الحرب لأنّ المفاوضات تفشل، ولأنّ الفاعلين المسلحين تعلّموا كيف ينجون سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا في ظلّها. وحتى إن فُرض وقفٌ إنساني هشّ تحت ضغطٍ دولي، فإن ذلك—من دون معالجة الجذور، لا يعني إغلاق هذا الفصل نهائيًا.

بحلول نهاية 2026، السؤال الحاسم هو ما إذا كان السودان يستطيع منع العنف من التحوّل إلى نظامه السياسي الدائم. فعندما يبدأ العنف بتعريف كيفية ممارسة السلطة، وكيف تعمل الاقتصادات، وكيف يتخيّل المدنيون مستقبلهم، يصبح إنهاء الصراع أصعب بكثير من استمراره.

ما يجري الآن ليس فشل مبادرات السلام فحسب، بل تحوّلًا صامتًا في التوقّعات. فكلّما طال أمد الحرب دون انقطاعٍ ذي معنى، جرى التعامل معها كحالة تُدار لا كأزمة تُحلّ. وإذا مرّ عام 2026 دون قطيعة حقيقية مع هذا المسار، فإن السودان يغامر بدخول مرحلة تُعامل فيها الحرب كنظامٍ طبيعي قائم.

أسامة أبوزيد مختص في قضايا التنمية والحوكمة ويعمل باحثًا مشاركًا في المركز الفرنسي لدراسة القرن التاسع عشر، ومنسقًا لبرنامج منح المساعدات لمشروعات الأمن الإنساني والتنمية المحلية.

الترجمة عن موقع ميدِل إيست آي.