ملامح التغيير في خطة التنمية الخمسية الـ « 11»
07 يناير 2026
07 يناير 2026
انطلقت في الأول من يناير الحالي الخطة الخمسية الحادية عشرة الممتدة من (2026 إلى 2030).
هذه الخطة تعتبر البرنامج التنفيذي للربع الثاني من «رؤية عُمان 2040».
الخطة تختلف كثيرًا في طريقة صياغتها عن الخطط الخمسية السابقة، وقد يكون السبب في هذا الاختلاف هو التقييم الذي تم أثناء مراحل تنفيذ الخطة الماضية والذي قام به فريق من لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا ـ الإسكوا ـ حيث شاركت اللجنة مع الجهات الحكومية في تقديم الدعم الفني ومعرفة التحديات التي صاحبت تنفيذ البرامج الاستراتيجية، تلك البرامج التي تترجم الأهداف والأولويات الوطنية إلى مشاريع ومبادرات قابلة للقياس خلال مدة زمنية معنية.
كما عملت لجنة الإسكوا على تقييم كفاءة تلك البرامج وتحديد التوجهات المستقبلية في «سيناريوهات» إعداد الخطة الحادية عشرة -التي نحن بصدد الحديث عنها- مع طرح نماذج لكيفية مواجهة الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية وتأثيراتها على تنفيذ الخطة.
ولعل أكثر الصدمات تأثيرا، إيجابا أو سلبا هو سعر النفط الذي بنيت عليه الخطة، إذا ما علمنا بأن الإيرادات النفطية مستمرة في رفد الميزانية العامة للدولة حتى بعد العام (2050م).
بدأت ملامح التغيير في الخطة واضحة في مرسوم اعتمادها حيث بدأت بتحديد الأهداف الاستراتيجية بدقة وتركيز -عما كانت عليه الخطط السابقة- وذلك بتحديد ستة أهداف رئيسة، أهمها بناء اقتصاد متنوع ومستدام يستطيع التأقلم مع المعطيات والتقلبات المالية والاقتصادية مع تقليل الاعتماد على النفط والغاز كموردين أساسيين للمالية العامة. الخطة أيضا حددت قطاعات أساسية لدعم التنويع الاقتصادي، وهي الصناعات التحويلية والسياحة والاقتصاد الرقمي.
تهدف الخطة الخمسية إلى تقليل التمركز الاقتصادي في مناطق معينة بذاتها بحيث يتم توجيه التنمية والاستثمارات لتشمل جميع المحافظات بتطبيق نموذج عدم المركزية للنمو الاقتصادي. ولقد أوضحنا في مقال سابق إلى الحاجة للتوازن الجغرافي لمسارات التنمية الاقتصادية لتقليل الفوارق التنموية بين المحافظات.
كما أن هناك تحولا في الخطة التي تهدف إلى تعزيز تنمية المحافظات وهذا واضح من خلال تخصيص مشاريع التحول الاقتصادي لتنمية المحافظات التي بلغت (400) مليون ريال سنويا. وقد تكون مشاريع التحول الاقتصادي هي استكمال للمخصصات الإنمائية التي تصرف سابقا للمحافظات من أجل تلبية الاحتياجات التوسعية والبنية التحية.
أحد الأهداف الرئيسة للخطة هو رفع كفاءة سوق العمل والتشغيل باعتباره هدفًا استراتيجيًا أخذ مساحة واسعة من النقاش المجتمعي للحاجة نحو تسريع وتيرة التشغيل، وبالتالي، الخطة تهدف إلى التمكن من تشغيل ما يقرب من (60) ألف باحث عن العمل سنويا بشكل مباشر، يتحمل القطاع الخاص النصيب الأكبر لتشغيلهم.
الجدير بالذكر أن هناك تفاوتًا في تصريحات الجهات الحكومية للذين يتم تشغيلهم طبقًا للبيانات التي تصدرها الجهات المختصة. هذا التباين شمل أيضا أعداد الباحثين عن العمل، ففي وثيقة الخطة الخمسية الحالية، تم الحديث عن أعداد تصل إلى (99) ألف باحث عن عمل بنهاية العام (2024) بينما أرقام المركز الوطني للإحصاء والمعلومات تشير إلى أقل من ذلك، وهو (91) ألف باحث عن عمل.
هذا التباين تحتاج معه الجهات الحكومية إلى التكامل الآلي في تدفق البيانات لرصد الأعداد الحقيقية للباحثين عن العمل، وأيضا للذين يتم تشغيلهم بشكل أكثر دقة.
من ملامح التغيير أيضا، هو الاهتمام بالتوجه الاقتصادي في إعداد وصياغة الخطة الخمسية الحالية والعمل على استخدام المؤشرات الاقتصادية كأدوات لقياس التنفيذ والمتابعة؛ حيث تم تحديد مؤشرات قياس يصل عددها إلى ثلاثة عشر مؤشرا اقتصاديا مضمنة بإطار الخطة الاقتصادي؛ منها على سبيل المثال، مستوى الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة، ونمو الأنشطة النفطية وغير النفطية ونسبة العجز في الميزانية العامة، مع ملاحظة التقارب في توقعات الإيرادات وأيضا التقارب في مستوى الإنفاق العام خلال الأعوام الخمسية للخطة.
مثل هذه المؤشرات وهذه التقديرات المقاربة، تساعد في تقليل الانحرافات في مؤشرات الأداء الاقتصادي والمالي وسهولة رصد المتغيرات والتنبؤ بالتقلبات الاقتصادية والعمل على معالجتها بكفاءة أفضل. وبالتالي، للتحوط من المخاطر المالية فتم تحديد سعر ثابت للنفط والذي بموجبه يتم تحديد الإيرادات وهو معدل (60) دولارا للبرميل خلال المدة الزمنية للخطة.
ولكي يتم تحقيق الأهداف الاستراتيجية المضمنة بالخطة الخمسية فتم الانتقال من السياسات السابقة التي تعمل على توجيه أغلب تلك الفوائض المالية المتحصلة من ارتفاع أسعار النفط، لسداد المديونية العامة -وإن كان سداد الديون توجهًا سليمًا- إلا أن ذلك التوجيه أثر بشكل ملموس في خفض التدفقات النقدية لتمويل المشاريع الاستراتيجية مما أدى إلى عدم التمكن من تنفيذها حسب الخطط السنوية لتلك البرامج.
وبالتالي، من ملامح التغيير بالخطة العمل على التوازن بين سياسات الإنفاق على المشاريع الإنمائية وبين سياسات تخفيض الدين العام، حيث إن الدين العام وصل إلى مستويات آمنة وبالتالي، الأرقام تشير إلى استمرار المحافظة على نسبته الحالية.
ومن ملامح التغيير في الخطة المواءمة بين البرامج الاستراتيجية وعلاقتها المباشرة بجميع أفراد المجتمع؛ وبالتالي، تعطي رسائل واضحة بأن الخطة تعمل على تحسين الظروف المعيشية للمواطنين بشكل مباشر، فهناك برامج استراتيجية للباحثين عن العمل، والمتقاعدين، والمرأة والطفل، والطلبة، والمستثمر والمقيم والموظفين.
على سبيل المثال، جاءت فئة الباحثين عن العمل في المرتبة الثانية من البرامج الاستراتيجية بعدد (27) برنامجًا وهي تفوق ما كان محددا في الخطة السابقة. كما كان نصيب المستثمر والمقيم العدد الأكبر من البرامج الاستراتيجية. وقد يكون الهدف من ذلك هو تهيئة بيئة الأعمال من أجل تدفق الاستثمارات المحلية والخارجية التي تولد فرص العمل.
اللافت للعيان بأن الخطة لم تغفل فئة المتقاعدين، فتم تخصيص برامج استراتيجية لتعزيز برامج منظومة الحماية الاجتماعية.
القارئ للخطة الخمسية يلاحظ بأنها تحولت في اتباع مسارات للنمو من تقييدها بالقرار المالي إلى دعم القرار الاقتصادي الذي يعمل على زيادة معدلات التنويع الاقتصادي وزيادة تدفق الاستثمارات المحلية والخارجية التي تولد مشاريع استثمارية والتي من شأنها في النهاية المساهمة في زيادة التدفقات المالية.
بمعنى آخر فإنه في الخطط السابقة كانت هناك سياسة يغلب عليها تقليص الاحتياجات والمشاريع الإنمائية كلما كان هناك انخفاض في أسعار النفط.
بالنسبة لمستوى الإنجاز للبرامج الاستراتيجية بالخطة السابقة فكان أعلى إنجاز في البرامج المضمنة بمحور الاقتصاد والتنمية الذي بلغت نسبة الإنجاز به (34%) من البرامج الإجمالية لذلك المحور. وكان أقل إنجازا محور البيئة المستدامة بنسبة إجمالية بلغت (9%).
بالنسبة للبرامج الاستراتيجية -قيد التنفيذ- التي لم يتم الانتهاء منها خلال المدة الزمنية للخطة، كان محور الإنسان والبيئة أكثر المحاور التي لا زالت برامجها غير مكتملة بنسبة وصلت إلى (67%). بشكل عام فإنه خلال الخطة الخمسية السابقة فإن عدد البرامج الاستراتيجية التي لم تنجز أعلى بكثير من البرامج المنجزة بنسبة إجمالية بلغت (68%). وبالتالي، من ملامح التغيير في الخطة الخمسية الحادية عشرة هو العمل على تخفيض عدد البرامج الاستراتيجية لجميع المحاور الواردة بالخطة لتكون في حدود (191) برنامجا استراتيجيا يتم تنفيذها خلال الخمس سنوات القادمة من زمن الخطة.
أيضا لمراعاة الدقة تم استحداث مسارات لتنفيذ البرامج الاستراتيجية بالخطة عبر ثلاثة مسارات تكاملية أهمها، المسار الزمني الذي يشمل ثلاث مراحل تنفيذية، تبدأ بالمرحلتين الأولى والثانية التي يتم فيها تحديد البرامج الاستراتيجية خلال الأعوام الأربعة القادمة ثم يكون هناك مسار تكميلي وهو العام الأخير من زمن الخطة لتقييم ما تم إنجازه من الخطة والبدء في الإجراءات التمهيدية للخطة الخمسية الثانية عشرة.
هذا التغيير في آليات تنفيذ وتحديد البرامج الاستراتيجية يعمل على تسهيل آليات متابعتها للحد من ترحيلها إلى الخطط القادمة.
إجمالا، فإن الخطة الخمسية الحادية عشرة هدفها الأسمى خدمة الإنسان والمجتمع وذلك من خلال استجابتها لتطلعات جميع الفئات، خاصة الباحثين عن العمل، والمتقاعدين، والموظفين والطلاب، وبالتالي، يتطلع الجميع لهذه الخطة الخمسية الطموحة بأن يتم تخطيط برامجها ومشاريعها ومبادراتها التشغيلية بشكل دقيق مع التنفيذ الأمين لرخاء ورفاهية المواطن العماني لكي يتمكن من العيش حسب المستوى الذي يتطلع إليه.
