مبدأ دونرو: ثلاث معضلات تواجه أوروبا
07 يناير 2026
07 يناير 2026
ترجمة: قاسم مكي
آسلي آيدينتاشباش وكريس هيرمان -
العملية المثيرة للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بواسطة القوات الأمريكية أرسلت موجات صادمة عبر العواصم الأوروبية؛ فما وراء أمريكا اللاتينية تحمل هذه العملية دلالات بعيدة المدى لأمن أوروبا ومستقبل جزيرة جرينلاند والقطب الشمالي واستقرار مضيق تايلاند.
وفيما يعكف واضعو السياسات الأوروبيون على استيعاب صور غارة منتصف الليل على مقر مادورو في كراكاس يلزمهم أيضا التعامل مع مصدر قلق أعمق وهو تجدد ظهور سياسة خارجية أمريكية تتسم بنزعة تدخلية أقوى ولها تجلِّيات يصعب التنبؤ بها وتميل باطراد الى استخدام القوة وتحبذ مناطق النفوذ الخاصة بالقوة العظمى. في تعليقاته التي تعكس ابتهاجا بالانتصار بعد العملية استحضر الرئيس دونالد ترامب علنا ما أسماه «مبدأ دونرو.» وهو رؤية لهيمنة الولايات المتحدة على النصف الغربي للكرة الأرضية بدعم من القوة العسكرية. (في مؤتمره الصحفي يوم 3 يناير ذكر ترامب أن إدارته حدَّثت مبدأ الرئيس الأمريكي جيمس مونرو في عام 1823. يقول مبدأ مونرو باختصار أن أية محاولة بواسطة قوة أوروبية للتدخل في الشئون السياسية لأي بلد في الجزء الغربي من الكرة الأرضية سيعتبر عملا معاديا للولايات المتحدة. وأطلق ترامب على النسخة الجديدة «مبدأ دونرو» مازجا بين أول ثلاثة حروف من اسمه وآخر ثلاثة حروف من اسم الرئيس مونرو ( المترجم.)
بالنسبة لأوروبا هذه اللحظة تشير ليس فقط الى قطيعة مع المعايير التي تتعلق بالسيادة ولكنها أيضا علامة تحذير بشأن الكيفية التي قد تتصرف بها أمريكا في مسارح عديدة.
أهم مخاوف أوروبا الحالية تتعلق بالمحيط القطبي؛ فنبرة التباهي التي يتحدث بها ترامب واستعداده لنشر القوة العسكرية سعيا وراء أهداف سياسية داخلية ومصالح اقتصادية ضيقة سيزيد المخاوف من تجدد تحرك الولايات المتحدة في أعالي الشمال وخصوصا جرينلاند.
تواجه الحكومات الأوروبية بقيادة الدنمارك ضغوطا متزايدة للاستعداد لموقف أمريكي متشدد في القطب الشمالي. فالموقع الإستراتيجي لجرينلاند وثروتها المعدنية والطرق البحرية الجديدة ظلت كلها ومنذ فترة عناصر جاذبة لاهتمام الولايات المتحدة. والمقاربة الأمريكية الأكثر «عسكرة» في غياب أي تحرك دبلوماسي مضاد ومُبرَّر بالحاجة الى التصدي لروسيا والصين قد تقود الى توسع أمني أمريكي في الجزيرة.
يواجه الأوروبيون الاختيار بين القبول بطموحات واشنطن أو مقاومتها. وكل واحد من المسارين له تكاليفه. القبول بها قد يحافظ على الانسجام «عبر الأطلسي» في الأجل القصير. لكنه يكافئ الإكراه ويؤشر الى أن الضغوط على أوروبا تؤتي أكلها. والمقاومة ستكون مكلفة سياسيا ومرهقة استراتيجيا.
كما تتطلب أيضا تماسكا داخليا. لكن العجز عن القيام بذلك سيقود إلى المزيد من التمدد (الأمريكي) وتفكك الوحدة داخل أوروبا. السؤال هو ليس ما إذا كان بمستطاع أوروبا تجنب الاحتكاك مع الولايات المتحدة ولكن هل هي راغبة في الدفاع عن مصالحها الخاصة عندما يأتي التحدي من حليفها الأقوى.
سينعكس صدى القبض على مادورو أيضا وبشكل مزعج في سياق الحرب في أوكرانيا. ففي حين أطّرَت إدارة ترامب العملية كإجراء لتطبيق القانون ويرتبط بتهم تتعلق بإرهاب المخدرات إلا أن استعدادها لانتهاك سيادة دولة أخرى يعزز المخاوف من أن واشنطن يتزايد انفتاحها نحو إعادة تشكيل النظام العالمي على أساس هيمنة القوة العظمى.
بالنسبة للمراقبين الأوروبيين هذا يثير أسئلة حول نوع اتفاق السلام الذي قد يسعى إليه ترامب للتوسط في أوكرانيا وهل سيكون ذلك على حساب كييف.
أيضا اتجاه الولايات المتحدة الى التدخل العسكري في أمريكا اللاتينية قد يحوِّل الاهتمام السياسي والموارد السياسية بعيدا عن أمن أوروبا ويشجع موسكو على السعي لعقد صفقات مع واشنطن حول أراضٍ وموارد أوكرانية.
قد تكون عملية مادورو أيضا مؤشرا مبكرا على مدى استعداد الولايات المتحدة للدفاع أو عدم الدفاع عن تايوان. وفي حين من المستبعد أن تستنسخ الصين عملية عسكرية مشابهة (لعملية كاراكاس) إلا أن بكين قد تفسر تصرفات واشنطن كدليل على وجود بيئة دولية أكثر تقبلا لتكتيكات الإكراه. فتطبيع الاستخدام الأحادي للقوة قد يُضعف الموانع التي تحول دون ممارسة الضغوط الاقتصادية والقيام بالعمليات الرمادية أو التخويف العسكري في مضيق تايوان مما يقود الى المزيد من تقويض التوازن الأمني الهش أصلا.
بالنسبة للأوروبيين هذا يعقد الافتراضات حول الردع والتصعيد في منطقة المحيطين الهندي والحادي. فالأوروبيون لا يمكنهم لوحدهم منع غزو صيني أو حصار تايوان لكن في مقدورهم بناء مرونة اقتصادية وقدرات دفاعية لحماية أنفسهم من مثل هذا السيناريو. كما يمكنهم تعزيز الدفاع الخاص بهم والقدرات الصناعية للتخلص من مخاطر التوترات الصينية الأمريكية في المنطقة الهندوباسيفيكية.
القبض على مادورو ليس شيئا غريبًا في المنطقة. إنه حدث يبعث برسالة وله مغزى. فهو يسلط الضوء على تقلب سياسة ترامب الخارجية واستطابته للحلول العسكرية وانفتاحه الواضح على عالم محكوم بمناطق النفوذ وليس بالقواعد.
بالنسبة لأوروبا دلالات ذلك موقظة لها من الغفلة. فمن جرينلاند وإلى تايوان على القادة الأوروبيين الاستعداد لبيئة استراتيجية يصعب التنبؤ فيها بالتصرفات الأمريكية التي تصبح أكثر أحادية وتشكلها باطراد السياسة الداخلية.
هذه اللحظة تؤكد الحاجة الملِحَّة لقدر أكبر من التعاون الأوروبي وإلى استقلال ذاتي استراتيجي وجاهزية للأزمة، ليس فقط للتعامل مع الخصوم ولكن أيضا لاجتياز المخاطر التي يفرضها حليفٌ يزداد تقلبا.
آسلي ايدينتاشباش زميلة أولى مشاركة لـ (السياسات)،
وكريس هيرمان منسق برنامج الولايات المتحدة بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية
