الأسباب الحقيقية وراء الاحتجاجات الإيرانية
07 يناير 2026
07 يناير 2026
ترجمة: بدر بن خميس الظفري
يُنظر في كثير من الأوساط الغربية إلى الانهيار القياسي في قيمة الريال الإيراني، وما تبعه من إغلاق الأسواق في طهران، من خلال عدسة ضيقة ومألوفة؛ ففي واشنطن وتل أبيب، يروج لسردية مفادها أن «النظام على حافة الانهيار»، حيث يُقدَّم الفشل الاقتصادي على أنه مقدّمة حتمية لسقوط شامل.
غير أن أبحاثي التجريبية، التي أنجزتها مع زملاء آخرين، تشير إلى الواقع أكثر تعقيدًا بكثير. فما نشهده اليوم ليس ثورة سياسية، بل أنفاس متقطعة لمجتمع جرى تفريغ مخزونه الاقتصادي الأساسي، أي الطبقة الوسطى، بصورة منهجية، بفعل سياسة قاسية وغير إنسانية من العزل الدولي العقابي.
والمحرّك الرئيس لهذا الانحدار الاقتصادي ليس سرًّا، فقد أدّت عسكرة الولايات المتحدة للنظام المالي العالمي، عبر حملة «الضغط الأقصى» واستهداف صادرات النفط الإيرانية، إلى ضرب مدّخرات كل معلم وممرضة وصاحب مشروع صغير في إيران. فبين عامي 2012 و2019، أظهرت دراستنا -باستخدام أساليب الضبط التركيبي- أن العقوبات تسببت في انخفاض متوسط سنوي مذهل بلغ 17 نقطة مئوية في حجم الطبقة الوسطى الإيرانية.
لم يكن ذلك «ضغطًا اقتصاديًا» فحسب، بل كان هدمًا بنيويًا كاملًا. ملايين الأشخاص الذين شكّلوا في السابق مركز المجتمع المستقر والمعتدل جرى إنزالهم إلى فئة «الفقراء الجدد». وعندما تتحول السلع الأساسية، من المضادات الحيوية إلى الغذاء، إلى كماليات، فإن العقد الاجتماعي لا يتعرّض للتصدّع فقط، بل يُكسر بفعل قوى خارجية.
هذا الحصار الاقتصادي جزء من كماشة جيوسياسية أوسع؛ فحرب الظل الإقليمية مع إسرائيل، التي تتجلى في الاغتيالات داخل الأراضي الإيرانية والهجمات العسكرية المباشرة التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في يونيو 2025، دفعت الدولة الإيرانية إلى اعتماد وضعية دائمة قائمة على «أولوية الأمن».
وتشير أبحاثي حول عسكرة الاقتصاد الإيراني إلى أن هذه التهديدات الخارجية تهيّئ بيئة مثالية للجهات المرتبطة بالدولة لإحكام قبضتها على الموارد المتبقية، بذريعة «الدفاع الوطني». وهذا العدوان الخارجي يخنق أي محاولة لإصلاح الاقتصاد.
وفوق ذلك، فإن التصريحات العلنية الأخيرة لجهاز «الموساد» الإسرائيلي، التي ادّعى فيها دعم المتظاهرين «على الأرض»، لا تؤدي إلا إلى نزع الشرعية عن المطالب الاقتصادية الحقيقية للشعب الإيراني.
فمثل هذه التدخلات تتيح لأكثر التيارات تشددًا في المجتمع الدولي تصوير المطالبة الشعبية بالخلاص الاقتصادي على أنها تمرّد على الدولة، بما يبرّر مزيدًا من التصعيد والحصار.
صانعو السياسات في الغرب يفترضون، في الغالب، أن خنق أي مجتمع بما يكفي سيقود حتمًا إلى «تغيير النظام». غير أن أبحاثنا المشتركة، المستندة إلى بيانات تمتد لعقدين، تدحض هذا الافتراض.
لقد وجدنا أن العقوبات عالية الشدة تقلّل فعليًا من أخطار الحرب الأهلية المنظمة والانقلابات، جزئيًا بسبب تأثير قومي تعبوي في مواجهة «العدو الخارجي»، لكنها في الوقت نفسه تعمل كقدر ضغط يولّد اضطرابات مدنية وأعمال عنف وإرهاب.
ونحن نرى أن العقوبات لا تنتج حكومة جديدة، بقدر ما توجد مجتمعًا أكثر استقطابًا وهشاشة.
عندما يرى المواطن عملته تفقد نصف قيمتها، بينما تتكشّف أخبار الفساد البنيوي، فإن كلفة التمرّد تهبط إلى ما يقارب الصفر. وفي مجتمع رقمي شديد الترابط، يصبح من المستحيل إخفاء هذه الفجوات.
فالطبقة الوسطى المُفقَرة باتت ترى لحظة بلحظة الهوة بين معاناتها ومعاناة النخب التي تستفيد من اقتصاد الظل الذي صنعتْه العقوبات.
ومن الضروري التمييز بين مطالبة الإيرانيين بإصلاح مؤسسي، وبين رغبة الغرب في فشل الدولة. فالإيرانيون الذين ينزلون اليوم إلى الشوارع لا يطالبون بتفكيك بلدهم، بقدر ما يطلبون استعادة كرامتهم، وانفراجا اقتصاديا، ووضع حد للعقاب الجماعي الذي فرّغ حياتهم من مضمونها.
ومأساة الاستراتيجية الأمريكية ـ الإسرائيلية الراهنة أنها دمّرت الشريحة الاجتماعية الأكثر قدرة على الدفع نحو مستقبل مستقر وإصلاحي وأقل صدامية، وهي الطبقة الوسطى. ومن خلال إضعاف هذا المركز، أسهمت القوى الخارجية، إلى جانب المشكلات البنيوية الداخلية مثل ارتفاع مستويات الفساد، في إزالة ذلك العازل المعتدل الذي يفضّل التغيير التدريجي على العنف الفوضوي.
قد يستقر سعر الريال في نهاية المطاف، لكن النسيج الاجتماعي لا يمكن ترميمه بالسهولة نفسها. وبين نظام سياسي يقدّم البقاء على كل شيء، وتحالف غربي يوظّف الحرب الاقتصادية، يجد الشعب الإيراني نفسه مُقصى عن مستقبله.
تشير البيانات بوضوح إلى أن الأزمة الحالية ليست إلا عرَضًا لمجتمع واقع تحت الحصار. وما لم تُستبدل سياسة العقاب الجماعي بدبلوماسية حقيقية، فإن حلقة عدم الاستقرار ستزداد عمقًا.
محمد رضا فرزانغان أستاذ اقتصاد الشرق الأوسط في مركز دراسات الشرقين الأدنى والأوسط، وكلية إدارة الأعمال في جامعة فيليبس بماربورغ، ألمانيا.
الترجمة عن موقع ميدل إيست آي
