ها قد بدأ الانحلال الكبير
07 يناير 2026
ترجمة: أحمد شافعي
07 يناير 2026
يمثل قرار الرئيس ترامب بشن عملية عسكرية سرية في جنح الليل داخل فنزويلا لاختطاف الرئيس نيكولاس مادورو عدوانًا صارخًا على النظام القانوني الدولي. فهذا العمل يهدد بإنهاء حقبة من السلام التاريخي والرجوع إلى عالم يكون الحكم فيه للقوة. وسيكون ثمن هذا من حياة البشر.
لقد شهد العام الماضي مرور الذكرى الثمانين لوضع ميثاق الأمم المتحدة سنة 1945، تلك الوثيقة التي وقعتها إحدى وخمسون دولة عند نهاية الحرب العالمية الثانية، وفيها تعهد الموقعون بالعمل «من أجل إنقاذ الأجيال التالية من بلاء الحرب». ولم تخض القوى العظمى حروبا أخرى بين بعضها بعضا منذ ذلك الحين، ولا اختفت دولة من أعضاء الأمم المتحدة منذ ذلك الحين من جراء غزو.
لكن على مدار العقد الماضي، بدأ هذا السلام ينحل. وهو اليوم على شفا الانهيار كلية. وفي حال حدوث هذا، ستكون العواقب كارثية. وبوسعنا من الآن أن نرى الثمن الباهظ، فوفقا لحساباتي الشخصية، كانت الوفيات الناجمة عن قتال في صراع عابر للحدود ما بين 1989 و2014 تتراوح حول خمسة عشر ألفا في العام. وابتداء من عام 2014، ارتفع المعدل إلى أكثر من مائة ألف في العام. ومع إمعان الدول في عدم إقامة وزن لحدود الاستعمال القانوني للقوة، قد لا يكون هذا الأمر إلا بداية لحقبة جديدة دامية من الصراع.
ولا ينبغي حسبان السلام النسبي خلال العقود الثمانية الماضية أمرا مسلّمًا به. فعلى مدار قرون، كانت الحرب مشروعة تماما. بل كانت في واقع الأمر الوسيلة الأساسية التي تحل بها الدول نزاعاتها. فكان بوسع البلاد أن ترغم بعضها بعضا على معاهدات يتم توقيعها على فوهات البنادق ثم تنفذ هذه المعاهدات بالحرب إن نقضها طرف. وكان للدول التي تنتصر في الحرب حق شرعي للاحتفاظ بما غنمته، من أرض أو سلع أو بشر. فكانت الدول تقوم وتسقط، والبشر المقيمون في الأراضي التي تتقاتل عليها هذه الدول يتحملون العواقب.
وبدأ نظام تلك الحرب المشروعة ينتهي بعد الحرب العالمية الأولى حينما أعلنت بعض دول العالم في عام 1928 نبذها لفعل الحرب بتوقيعها عهد كيلوج-برياند. وتأكد ذلك الالتزام في عام 1945 بميثاق الأمم المتحدة الذي جعل الالتزام بنبذ الحرب أساسا لنظام قانوني دولي جديد.
بات غزو الأرض ودبلوماسية السفن الحربية غير مشروعين بعدما كانا مشروعين، وحلَّت العقوبات الاقتصادية محل الحرب بوصفها الأداة الرئيسية لإنفاذ القانون الدولي، وبات شن الحرب جريمة يقضي فيها القانون مثلما حدث في محاكمات نورمبرج وطوكيو بعد الحرب العالمية الثانية.
ولم يحدث قط أن كان السلام مثاليًا؛ فالصراعات في كوريا وفييتنام وكمبوديا كانت إخفاقات مبكرة ومريعة. وتضاعف عدد دول العالم مع تراجع الاستعمار، وباتت الحروب الأهلية ـ التي لم يشملها الميثاق ـ أكثر شيوعا.
غير أن الميثاق حقق إنجازا مهما هو أن الغزو ندر بعد شيوع، وقلَّ من يموتون من جراء الصراع بين الدول خارج حدودها.
ويمكن أن نرى هذا في بيانات (برنامج أبسالا لبيانات الصراع) الذي يستعمله الباحثون في تعقب العنف المنظم وما ينجم عنه من وفيات. إذ تبين البيانات قلة نسبية في الفترة من تسعينيات القرن الماضي وحتى منتصف العقد الثاني من القرن الحالي في الوفيات المرتبطة بصراعات عابرة لحدود الدول وتشمل الصراعات بين الدول من قبيل حرب روسيا على أوكرانيا والصراعات التي تنضم فيها دولة إلى نزاع مسلح داخلي في دولة أخرى من قبيل ضربات الولايات المتحدة للدولة الإسلامية في العراق.
وحدثت استثناءات قليلة. ففي عام 1991، مات أكثر من عشرين ألف شخص من جراء غزو العراق للكويت ورد المجتمع الدولي على ذلك. وفي عام 1992، مات أكثر من عشرين ألفا في البوسنة والهرسك، وفي 1999 و2000 مات عشرات الآلاف في الحرب بين إثيوبيا وإريتريا. وارتفعت الوفيات أيضا في عام 2003 حينما شنت الولايات المتحدة حربا على العراق.
لكن اعتبارا من مطلع القرن الحالي، بدأت القيود القانونية المفروضة على الحرب في التآكل. فبعد هجمات القاعدة المدمرة على الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001، بدأت الولايات المتحدة تستعمل القوة في الشرق الأوسط ضد من اعتبرتهم خطرا إرهابيا.
وتبريرا لاستمرار الضربات وتوسيع نطاقها ليشمل مجموعة من الجماعات الإرهابية في ما أطلق عليه البعض لاحقا اسم «الحرب الأبدية»، زعمت الولايات المتحدة أن لها حقا قانونيا جديدا بموجب ميثاق الأمم المتحدة هو حق الدفاع عن نفسها أمام جماعات غير دولتية قالت إنها تمثل تهديدا.
حتى ذلك الحين، كان مقبولا بصفة عامة من أعضاء الأمم المتحدة أن يمتد حق الدفاع عن الذات الوارد في الميثاق إلى تهديدات الدول الأخرى فقط. وبتوسيع هذا الحق ليشمل تهديد الجماعات غير الدولتية، فتحت الولايات المتحدة الباب لدول أخرى كي تستعمل القوة المنفردة دوليا من وراء قناع قانوني. وعلى مدار العقد التالي أو نحوه، تبنى المزيد والمزيد هذه النظرية.
بحلول عام 2014، بدأت عواقب هذا التحول في الظهور. ومع قيام داعش، زادت الولايات المتحدة من جهود مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط، وانضمت للقتال دول أخرى كثيرة.
وفي ذلك العام نفسه، أنهت الولايات المتحدة وحلف الناتو رسميا العمليات القتالية في أفغانستان، لكنهما استمرا في إمداد القوات الأفغانية بدعم كبير.
وشهد العقد الماضي أيضا طفرة في الصراعات الدامية في سوريا والعراق وإثيوبيا واليمن وجمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا والصومال وليبيا وغزة، مع انضمام دول خارجية في هذه الصراعات مستندة في العادة إلى حق الدفاع عن النفس، ومات من جراء ذلك مئات آلاف البشر.
في الوقت نفسه، استؤنفت الحروب بين الدول بعد أن وصلت إلى مستويات منخفضة للغاية منذ عام 1945. فتسبب غزو روسيا الشامل لأوكرانيا سنة 2022 في وفاة عشرات آلاف الروس والأوكرانيين سنويا.
وفي ذلك العام نفسه، لقي بشر مصرعهم في صراعات بين دول في سوريا وبولندا وقيرغيزستان وطاجيكستان. وفي عام 2024 اندلع صراع بين إيران وإسرائيل، وأفغانستان وباكستان، واستعملت الولايات المتحدة والعديد من الدول الحليفة القوة المميتة في اليمن.
وفي السنوات الأخيرة تصاعدت أنواع أخرى من الصراعات أيضا؛. فأدت الحرب بين إسرائيل وغزة ـ وهي الآن في وقف هش ومضطرب لإطلاق النار ـ إلى مصرع أكثر من اثنين وسبعين ألف نفس. ولقي عشرات الآلاف مصرعهم في الحرب الأهلية في السودان التي تصاعدت كثيرا منذ عام 2025.
والآن أمر الرئيس ترامب جيش الولايات المتحدة بقصف فنزويلا، في عملية تقول السلطات المحلية إنها أسفرت عن مصرع ما لا يقل عن ثمانين شخصًا. وتلك الهجمة، بجانب ضربات الحيش الأمريكي لأكثر من ثلاثين زورقا بزعم تهريبها للمخدرات، تبين عدم احترام لقيود ميثاق الأمم المتحدة على الحرب وإحياء لمبدأ أن القوة هي الحكم.
وليس مبرر العملية العسكرية هو الدفاع عن النفس. فتهريب المخدرات ليس «هجمة مسلحة» على الولايات المتحدة، وذلك هو معيار القانون الدولي لفعل الدفاع المشروع عن النفس.
وحتى لو أن الرئيس مادورو كان قد استولى استيلاء غير قانوي على السلطة أو أنه مذنب في سلوك إجرامي، فهاتان الحقيقتان لا تمثلان مبررًا قانونيا لاستعمال القوة العسكرية ضد فنزويلا.
فالسبل غير العنيفة ـ من قبيل العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية، هي الرد القانوني الوحيد بموجب القانون الدولي، وقرار استعمال القوة العسكرية للإطاحة بحكم مرفوض لن تتوقف مع الولايات المتحدة، ويمكننا أن نثق أن آخرين سوف يحذون حذونا.
لعل الوقت لا يزال متاحا لنا كي نوقف هذا المنحنى. فحينما قامت روسيا بغزو أوكرانيا، أدان أكثر من مئة وأربعين دولة الغزو واعتبرته غير شرعي، مما ساعد في اجتناب ضربة كان يمكن أن تكون قاضية للنظام القانوني. وهذا ما يقتضيه الحفاظ على النظام القانوني الدولي إذ تنتهك دولة قوية قواعده.
غير أن حفنة قليلة من الدول حتى الآن هي التي أبدت عزيمة على الوقوف بقوة أمام الرئيس ترامب. وفي حال عجز الدول عن العمل مجتمعة للحفاظ على منع استعمال القوة، وهذا هو أساس النظام القانوني في ما بعد الحرب، سوف تكون الحصيلة مزيدًا من الأنفس المزهقة في صراعات لم تعد تواجه كوابح قادرة على إيقافها.
في رواية «الشمس تشرق أيضا» لإرنست همنجواي، يوضح مايك كامبل كيفية تعرضه للإفلاس: «تدريجيا، ثم فجأة». والمصير نفسه يواجه الآن عقودًا من السلام، صحيح أنه كان سلامًا معيبًا لكنه مؤثر، سلامًا ساعد ميثاق الأمم المتحدة في إرسائه. وفي حين تعجز الولايات المتحدة عن الانصياع لمبادئ النظام القانوني الدولي الأساسية التي كانت من أنصارها في يوم من الأيام، فإن هذا النظام العليل كما نراه مهدد بانهيار تام.
