مرجعية هيكلية للذكاء الاصطناعي في المؤسسات
06 أبريل 2026
06 أبريل 2026
نتيجةً للتحولات التقنية المتسارعة، أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أبرز المحركات الرئيسة للتحول المؤسسي؛ إذ أضحى توظيفه في تطوير بيئة الأعمال في المؤسسات ضرورة لا خيارًا.
غير أن الاستفادة من أدوات ونماذج الذكاء الاصطناعي لا تتحقق بمجرد تبنيها على شكل مبادرات فردية أو تطبيقات متفرقة، بل تتطلب وجود مرجعية هيكلية تقود استخدام هذه الأدوات والنماذج في المؤسسات، وتضع السياسات المُنظمة لها وتعمل على صياغة الخطط والاستراتيجيات وتشرف على تنفيذها وديمومتها بما يضمن تحقيق القيمة المُضافة منها بصورة ممنهجة ومسؤولة.
وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تتميز أدوات ونماذج الذكاء الاصطناعي بقدرتها على معالجة وتحليل كميات هائلة من البيانات بسرعات عالية، الأمر الذي يتيح للمؤسسات إمكانات واسعة لتحسين صنع واتخاذ القرار وتبسيط الإجراءات البيروقراطية وتعزيز فهم احتياجات المستفيدين. كما تُمكن هذه الأدوات من اكتشاف الأنماط والمؤشرات في البيانات، مما يُساعد المؤسسات على تقديم خدمات أكثر دقة وملاءمة لاحتياجات المستفيدين، إضافة إلى تطوير أعمالها واختصاصاتها وصياغة استراتيجياتها بناءً على فهم أعمق للمستفيدين والمتغيرات والتحولات المتسارعة.
وفي ضوء ذلك تبرز أهمية وجود مرجعية هيكلية في المؤسسات تنظم وتقود استخدام أدوات ونماذج الذكاء الاصطناعي وتضمن تكامله مع الأهداف الاستراتيجية والاعتبارات الأخلاقية ومتطلبات الحوكمة، ومن ثم فإن تطبيق أدوات ونماذج الذكاء الاصطناعي في المؤسسات يعزز الإنتاجية والكفاءة التشغيلية والابتكار وتحسين الخدمات ودعم اتخاذ القرار القائم على البيانات.
وفي هذا السياق، تشير مؤسسة أكسفورد إنسايتس (2021) في تقريرها حول جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي بأن نجاح تبني هذه التقنيات في مؤسسات القطاع العام يعتمد على ثلاثة مُمكنات رئيسة تتمثل في: جاهزية الحكومة واستراتيجياتها الداعمة للابتكار وتوافر البيانات والبنية الأساسية الرقمية اللازمة، إضافة إلى وجود قطاع تقني قادر على تطوير حلول الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة.
ويشير تقرير البنك الدولي بعنوان الذكاء الاصطناعي في القطاع العام (2021)، إلى أهمية وجود مرجعية مؤسسية مركزية لتنسيق جهود الذكاء الاصطناعي في مؤسسات القطاع العام؛ حيث يؤكد التقرير أن إنشاء مركز ابتكار مركزي للذكاء الاصطناعي في المؤسسات يُسهم في توظيف الموارد البشرية والمالية ويدعم مبادرات المؤسسات الحكومية المختلفة وتبني نهجًا مؤسسيًا متكاملًا مع المؤسسات الأخرى.
كما يوضح أن العديد من الحكومات قد أنشأت بالفعل جهات مركزية تعمل كمرجعيات هيكلية للإشراف على مشروعات الذكاء الاصطناعي التي تنفذها المؤسسات الحكومية المختلفة.
وفي السياق العُماني، جاء الخطاب السامي لجلالة السلطان هيثم بن طارق - حفظه الله ورعاه - في افتتاح الفترة الثامنة لمجلس عُمان بتاريخ 14 نوفمبر 2023م، مؤكدًا أهمية تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث وجه جلالته بضرورة إعداد برنامج وطني لتنفيذ هذه التقنيات وتوطينها، مع الإسراع في إعداد التشريعات التي تُسهم في جعلها أحد الممكنات والمحفزات الأساسية للقطاعات التنموية.
وانطلاقًا من هذه التوجيهات، أُطلق في عام 2024م البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة، الذي يهدف إلى تعزيز تبني الذكاء الاصطناعي في القطاعات الاقتصادية والتنموية وتوطين التقنيات الرقمية المتقدمة وتحقيق حوكمة فعالة لتطبيقاته برؤية محورها الإنسان، إضافة إلى دعم التقدم في المؤشرات العالمية المرتبطة بالاقتصاد الرقمي.
حيث يتضمن البرنامج ثلاثة محاور رئيسة تتمثل في: تعزيز تبني الذكاء الاصطناعي في القطاعات الاقتصادية والتنموية وتوطين تقنيات الذكاء الاصطناعي وحوكمة تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة.
ومن بين أهداف البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة تشجيع استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات التنموية مثل التعليم والصحة والدفاع والأمن والرعاية الاجتماعية، لتحسين جودة الخدمات الحكومية.
كما يركز البرنامج على بناء منظومة شراكات وتعاون بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية والبحثية ورواد الأعمال ومؤسسات المجتمع المدني، لتوحيد الجهود وتطوير الكفاءات الوطنية وربطها بمتطلبات سوق العمل في مجالات الذكاء الاصطناعي.
كما نشرت وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات في عام (2021) تقريرًا بعنوان «الفرص المستقبلية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة في سلطنة عُمان»، تناول تطبيقات الذكاء الاصطناعي وفرص توظيفها في مؤسسات القطاع العام، مع إبراز دورها في تحسين الكفاءة الإدارية والتخطيط ودعم اتخاذ القرار.
وجاءت الخطة الخمسية الحادية عشرة (2026-2030) لتدرج برنامج توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة ضمن برامجها التنفيذية الرئيسة، حيث أكد البرنامج أهمية وجود منظومة بحث وتطوير مترابطة بين مختلف القطاعات والمؤسسات وتعزز مكانة سلطنة عُمان كمحور إقليمي متقدم في تطوير وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال خلق بيئة محفزة للبحث والابتكار ودعم بناء القدرات الوطنية وتهيئة البنية الأساسية والمعرفية التي تُمكن الأفراد والمؤسسات من الاستفادة الفاعلة من إمكانات الذكاء الاصطناعي، مع ضمان التوظيف المسؤول والمتوازن لهذه التقنيات وفقًا لأعلى المعايير الأخلاقية والتشريعية.
ويأتي هذا البرنامج ضمن البرامج التنفيذية لأولوية التنويع الاقتصادي والاستدامة المالية في رؤية «عُمان 2040».
ومع تنامي دور الذكاء الاصطناعي في تطوير الأداء المؤسسي، تبرز الحاجة إلى ترسيخ مرجعية هيكلية تقود استخدام هذه الأدوات في المؤسسات الحكومية؛ حيث أصبح من المهم إنشاء أقسام أو دوائر معنية بالذكاء الاصطناعي والابتكار ضمن الهيكل التنظيمي لمؤسسات القطاع العام وتعيين كوادر وطنية متخصصة في مجال الذكاء الاصطناعي، تتولى قيادة المُبادرات المرتبطة بهذه الأدوات والنماذج، وتعمل على تنسيق الجهود وتكاملها مع بقية المؤسسات ضمن رؤية وطنية مشتركة تستند إلى رؤية «عُمان 2040» وإلى البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة.
كما تبرز ضرورة وضع اختصاصات واضحة لهذه المرجعيات الهيكلية تُعنى بتطوير وتطبيق أدوات ونماذج الذكاء الاصطناعي وتعزيز الابتكار المؤسسي، وبناء القدرات البشرية الوطنية القادرة على توظيف هذه الأدوات في تحسين جودة الخدمات الحكومية. ولا شك أن تبني مثل هذه المُبادرات من شأنه أن يُسهم في ترسيخ مجتمعٍ معرفيٍ في مؤسسات القطاع العام، ويدعم تحقيق مستهدفات الاقتصاد الرقمي في إطار رؤية «عُمان 2040».
