القصف من أجل الحرية

06 أبريل 2026
06 أبريل 2026

ربما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يؤمن بصدق بأن القنابل الإسرائيلية ستدفع الإيرانيين إلى إسقاط نظامهم وإقامة دولة ديمقراطية. وبدا للحظة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يؤمن بذلك أيضا. لكن، بالنظر إلى تقلب ترامب في معظم القضايا، بما في ذلك أهداف الحرب الأمريكية في إيران، ينبغي التعامل مع هذا الاحتمال بكثير من التحفظ.

إن فكرة أن قصف المدنيين من شأنه أن يهيئ الظروف لـ«تغيير النظام» ليست جديدة. فقد ظهرت قبل أكثر من قرن. وبين الحربين العالميتين، جادل استراتيجيون بريطانيون وأمريكيون وإيطاليون بأن الغارات الجوية الممتدة ستؤدي إلى تحطيم معنويات المدنيين بما يكفي لدفعهم إلى الانقلاب على قادتهم.

وقد طُبقت هذه الاستراتيجية على نحو مدمر خلال الحرب العالمية الثانية، حين سُوّيت أجزاء واسعة من المدن الألمانية واليابانية بالأرض، وقُتل مئات الآلاف من المدنيين. وبعد ذلك ببضعة عقود، ألقت الولايات المتحدة على فيتنام ولاوس وكمبوديا ثلاثة أضعاف ما ألقته من قنابل. وفي أي من هذه الحالات، لم تنقلب جماعة سكانية محطمة المعنويات على قادتها.

وعلى العكس من ذلك، فإن المدنيين الذين تعرضوا لرعب القصف الجوي أظهروا، في الغالب، قدرة لافتة على الصمود؛ إذ تكيفوا مع ظروف مروعة، وتكاتفوا في مواجهة عدو مشترك. وكان سكان لندن، خلال الغارات الألمانية، يرددون بفخر: «لندن قادرة على التحمّل». وأثناء تسوق جدتي لشراء سترة جديدة في لندن في خريف عام 1940، باغتتها غارة جوية عنيفة. فما كان من البائعة إلا أن قادتها بهدوء إلى الملجأ، وهي تواصل الحديث عن جودة أنواع أقمشة التويد المختلفة.

ولم يكن سكان برلين مختلفين عنهم، ولا أهل هانوي كذلك. والإيرانيون اليوم، وخصوصا في طهران، يظهرون الصلابة نفسها. وقد وصفت نجمة بزركمهر، مراسلة فايننشال تايمز في طهران، كيف أن الإنسان، وسط القصف المتواصل ليلا ونهارا، ومع علمه بأنه قد يموت في أية لحظة، يظل يرى أن «الحياة تصر على الاستمرار». وبالنسبة إليها، يعني ذلك أن تفكر في ما ستتناوله على الغداء في اليوم التالي، وفي اليوم الذي يليه. وكتبت تقول: «هذه الأسئلة لا تُطرح لأن الغد يبدو مؤكدا، بل لأنه لا يبدو كذلك».

حتى في عام 1944، حين كانت برلين تتعرض للتدمير بالقنابل الأمريكية نهارا والبريطانية ليلا، كانت دور السينما مكتظة، وكان من الصعب الحصول على تذاكر الحفلات الموسيقية. وكانت أوركسترا برلين الفيلهارمونية تعزف في مسارح مرتجلة تتخلل سقوفها فتحات، فيما كان العازفون والجمهور يلتفون بمعاطف الشتاء.

هذا النوع من التجلّد لا علاقة كبيرة له بالأيديولوجيا أو بالولاء لحكام بعينهم. ففي نهاية الحرب، كان معظم سكان برلين قد سئموا النازيين. ومعظم الإيرانيين اليوم يمقتون النظام المتشدد. لكن روث أندرياس-فريدريش، وهي من أعضاء المقاومة الألمانية في برلين، كتبت في يومياتها عام 1943: «إزالة الأنقاض... لا علاقة لها بكون المرء نازيا... لا أحد يفكر في هتلر وهو يسد نافذة المطبخ بالألواح. لكن الجميع يعرف أنه لا يمكن العيش في البرد».

لقد خاطر كثير من الإيرانيين بحياتهم، بل ودفعوا حياتهم ثمنا، في انتفاضات ضد النظام الإسلامي. لكنهم لم يفعلوا ذلك فيما كانت الصواريخ تنهال عليهم. ففي مثل هذه الظروف، تصبح مجرد النجاة مهمة شاقة بما يكفي. أما الخروج إلى الشوارع المدمرة ومواجهة عناصر الحرس الثوري الإسلامي، المدججين بالسلاح، فذلك أقرب إلى الانتحار.

وثمة سبب آخر يفسر لماذا لا يثور المدنيون وهم يتعرضون للهجوم من الجو. فالسلطات الحكومية تكون، في كثير من الأحيان، الجهة الوحيدة القادرة على توفير الطعام والمأوى في مثل هذه اللحظات. وحين يستهلك الناس كل طاقتهم في محاولة البقاء إلى اليوم التالي ـ وكان تعبير Bleib übrig، أي «ابقَ حيا»، من صيغ الوداع الشائعة بين الأصدقاء في برلين زمن الحرب ـ لا يتبقى لديهم ما يكفي للتفكير في شيء آخر.

كان ترامب محقا في شيء واحد خلال حملته الرئاسية: إن إشعال «حروب اختيارية» باسم إسقاط أنظمة أجنبية وبناء دول ديمقراطية مشروع أحمق. وخلال حرب العراق عام 2003، دافع المحافظون الجدد عن الغزو بالإشارة إلى النجاح الأمريكي في ألمانيا واليابان عام 1945. ألم ينجح الأمريكيون في بناء ديمقراطيات راسخة في هذين البلدين المهزومين؟

غير أن هذا القياس مضلل. فقد ساعد الأمريكيون بالفعل في إعادة بناء المؤسسات الديمقراطية في هذين البلدين. لكن الولايات المتحدة لم تدخل الحرب العالمية الثانية إلا بعد أن تعرضت لهجوم من اليابان، ثم لم تنتقل إلى بناء الديمقراطية إلا بعد أن فرضت على ألمانيا واليابان استسلاما غير مشروط، بما في ذلك عبر استخدام القنابل الذرية. لا يمكن ببساطة أن تعتدي على بلد آخر ثم تأمل أن تتبع ذلك الحرية والديمقراطية. وبالتأكيد لا يمكنك أن تقصف الناس وأنت تزعم أنك تحررهم.

مع ذلك، فإن ترامب ليس من المحافظين الجدد. وبناء الديمقراطيات لم يكن يوما من أولوياته. استراتيجيته أقرب إلى الأسلوب الذي تعتمده الجريمة المنظمة: التهديد، ثم استخدام القوة الغاشمة عند الضرورة، لإجبار الطرف الآخر على الخضوع لصفقة لا يستطيع رفضها. لكن هذا الأسلوب لا ينجح إلا إذا كان الطرف المقابل بالقدر نفسه من النزعة النفعية والبرود الأخلاقي. ففي عالم العصابات، يكاد يكون من غير المتصور أن يرى شخص ما في مبدأ أو عقيدة شيئا يستحق أن يموت من أجله. وأيا تكن أوصاف رجال الدين الإيرانيين، فهم ليسوا رجال عصابات.

إن احتمال أن يسهم التدخل العسكري الأمريكي الإسرائيلي في مساعدة الإيرانيين على تحويل حكمهم الديني إلى ديمقراطية يكاد يكون معدوما. كانت هناك مرحلة كانت فيها التطلعات الليبرالية الأمريكية، وهي المصدر الأساسي لقوتها الناعمة، تمنح الأمل وتخفف المعاناة عبر استقبال الساعين إلى الحرية هربا من الاستبداد. لكن، ويا للأسف بالنسبة إلى هؤلاء الناس، وبالنسبة إلى الولايات المتحدة نفسها، فإن الإدارة الحالية تفعل النقيض تماما.

إيان بوروما مؤلفُ عدد كبير من الكتب، من بينها: «جريمة قتل في أمستردام: مقتل ثيو فان خوخ وحدود التسامح»، و«السنة صفر: تاريخ 1945»، و«رومانسية طوكيو: سيرة ذاتية».

خدمة بروجيكت سنديكيت