جرد حساب الحرب في إيران
06 أبريل 2026
ترجمة: قاسم مكي
06 أبريل 2026
ألقى الرئيس دونالد ترامب خطابًا مهمَّا للشعب الأمريكي هذا الأسبوع حول وضع الحرب مع إيران. والآن مع انقضاء شهر في هذه المرحلة من الصراع أعتقد أن من المفيد تقييم تقدُّم الولايات المتحدة نحو تحقيق أهدافها العسكرية الأساسية وحال العلاقات الدبلوماسية بين البلدين والعواقب الاقتصادية المحتملة، خصوصا فيما يتعلق بمضيق هرمز.
لا جدال في الضرر الذي لحق بالقدرات العسكرية لإيران. ذكر لي المسؤول الكبير بالبنتاجون البريدج كولبي عندما حاورته بمجلس العلاقات الخارجية الشهر الماضي أن ترامب وجَّه القوات الأمريكية بتنفيذ «حملة عسكرية تركز على إضعاف وتدمير قدرة إيران على عرض القوة العسكرية في المنطقة واحتمالا خارجها». تُرجِم هذا التوجيه الى استهداف أسطولها البحري وصواريخها ومسيراتها بما في ذلك ترسانتها الحالية، وقدرتها على إنتاج هذه الأسلحة، وحماية برنامجها النووي.
في هذا الجانب يمكن للرئيس وإلى حد كبير إعلان «إنجاز المهمة»، لكن هذه العبارة، مثل استخدام الرئيس جورج دبلو بوش «المحزن» لها بالضبط، لا تعكس كل الحقيقة؛ فمنذ بداية الحرب قصفت الولايات المتحدة أكثر من 11 ألف هدف. وأغرقت معظم سفن البحرية الإيرانية. لكن أسطولها من القوارب السريعة والصغيرة وسفن «الداو» التقليدية التي يمكنها بث الفوضى في مضيق هرمز ما زالت تعمل بفعالية إلى حد كبير.
على نحو مماثل رغم عدم وجود شك في إضعاف قدرات إيران في مجالي الصواريخ والمسيرات، إلا أنها أثبتت قدرتها بقليل من المقذوفات على إغلاق مضيق هرمز فعليا، وإخافة شركات الشحن والتأمين البحري.
هذا دون أن نقول شيئا عن الجنود الأمريكيين الثلاثة عشر الذين قتلوا بواسطة الضربات الإيرانية منذ بداية الحرب والخسائر حول الخليج نتيجة هجمات الصواريخ والمسيرات الإيرانية.
وإذا أعدنا صياغة عبارة وردت في مقال لهنري كيسنجر عن الحرب غير المتماثلة يمكن القول: إن «إيران تنتصر إذا لم تخسر والولايات المتحدة تخسر إذا لم تنتصر». لقد قتل عدد كبير من أعضاء القيادة السياسية والعسكرية في إيران، لكن ما شهدناه تغيير للقيادة، وليس تغييرَ النظام.
كما هنالك أيضا موضوع اليورانيوم المخصب إلى ما يقارب الدرجة التسليحية (970 رطلا) والذي لا يزال هناك ربما مدفونا تحت أنقاض نطنز أو في أصفهان. في الوقت الراهن يقول ترامب: ستراقب الولايات المتحدة المواقع التي يوجد بها اليورانيوم.
إذا إلى أين تتجه الأمور؟ دبلوماسيًا لا تكاد توجد قواسم مشتركة بين مقترح النقاط الخمس عشرة الأمريكي، والرد الإيراني الذي يحتوي على خمس نقاط؛ فالمطالب الجوهرية للولايات المتحدة تظل هي نفسها وتتمثل في إنهاء برنامجي إيران النووي والصاروخي ودعمها للوكلاء فيما تسعى إيران إلى تخفيف العقوبات، والحصول على ضمانات دولية لعدم توجيه ضربات عسكرية أمريكية وإسرائيلية في المستقبل، وتأكيدات فيما يتعلق بسيادتها وحقوقها في مضيق هرمز.
قد يقرر ترامب إعلان الانتصار، ثم ينسحب بهدوء حتى في غياب اتفاق متفاوض حوله لإنهاء الأعمال العدائية.
في الواقع هذا ما يبدو أنه يميل اليه حاليا؛ فقد ردد قبل أيام أن فتح مضيق هرمز «مشكلةُ» بلدانٍ أخرى وليس الولايات المتحدة.
قد يشكو الأوروبيون من أن هذه الحرب ليست حربهم، لكن موقف ترامب هو أن هذا النفط «ليس نفطنا». كما هي الحال في أحايين كثيرة؛ هنالك شذرات مهمة من الحقيقة في تصريح الرئيس؛ فحوالي 2% فقط من امدادات النفط والمكثفات البترولية التي تتدفق عبر مضيق هرمز تتجه الى الولايات المتحدة. بالمقارنة؛ ما بين 80% إلى 85% من هذه الإمدادات تذهب الى آسيا حيث تشكل واردات الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية حوالي 70% إلى 75% من إجمالي الصادرات التي تعبر المضيق. وتحصل أوروبا على حصة قليلة من هذا النفط لا تتعدى 3% إلى 5%.
صورة الغاز الطبيعي المسال شبيهة بذلك تماما؛ فالولايات المتحدة لا تعتمد على الخليج العربي في الحصول على الغاز المسال فيما تعبر المضيق كمياتٌ منه تتراوح بين 80% إلى 85% إلى مشترين في آسيا. ويُستورَد حوالي 10% الى 15% منه بواسطة أوروبا، لكن استقلال الطاقة النسبي بعيد جدا عن التحصين الاستراتيجي. بحسب بنك جولدمان ساكس ستقلص صدمة الغاز والنفط الناتجة عن حرب إيران نموَّ الناتج المحلي الإجمالي العالمي الحقيقي بنسبة 04% بناء على الواقع الحالي مع انخفاض الناتج الإجمالي الأمريكي بنسبة 04% مقابل 02% فقط للصين.
يمكن أن تواجه اقتصادات آسيا باستثناء الصين معدلات انخفاض في نواتجها الإجمالية تصل إلى 0.7%. ومع إضعاف ارتفاع أسعار الطاقة والمدخلات للنمو في آسيا وأوروبا (وهي أسواق التصدير الرئيسية للولايات المتحدة) قد يشعر الأمريكيون في نهاية المطاف بآثار الحرب عبر ضعف الطلب الخارجي، وتراجع العوائد، وتباطؤ التجارة.
كذلك ستتأثر سوق العمل وبيئة الاستثمار الأمريكية؛ حيث يتوقع بنك جولدمان ساكس أن تبطئ صدمةُ النفط وحدها نموَّ الوظائف بحوالي 10 آلاف وظيفة شهريا، وتزيد معدل البطالة بحوالي 0.1% تقريبا.
ترامب مصيب في أن الولايات المتحدة لا تعتمد على صادرات النفط عبر هرمز، لكن -كما يكشف سعرُ الجالون الذي بلغ 4 دولارات عند مضخة الوقود- تظل المنتجات البترولية الأمريكية مرتبطة بأسواق الطاقة العالمية. وسيستمر تداولها في ارتباط مع المؤشرات المرجعية العالمية. قد لا نرى نقصا في الإمداد المحلي، لكن يقينا سنشهد آثار استمرار الاضطراب في السوق على الأسعار.
مضيق هرمز مهم لأسباب تتجاوز صادرات النفط والغاز. لقد قيل الكثير عن الصادرات المتعلقة بالغذاء والأسمدة عبر المضيق، لكن ربما من المفيد التركيز على شيء أكثر ارتباطا بالأمن القومي للولايات المتحدة هو غاز «الهيليوم»؛ فهو من المدخلات المهمة في صناعة أشباه الموصلات، ولا توجد بدائل جاهزة للهيليوم في عمليات تصنيعها.
تنتج قطر حوالي 30% من الإمداد العالمي للهيليوم، وبسبب الحرب أُغلِقت منشأتها الرئيسية لإنتاجه، وعَلِقَت إمداداته في مواقع تخزينها الساحلية.
هذا الاضطراب في الإمدادات بدأ يؤثر على سلاسل توريد أشباه الموصلات وتقنيات أخرى في آسيا تفرط في الاعتماد على الهيليوم القطري مما يرفع تكاليف المدخلات في صناعة تعتمد فيها الولايات المتحدة بشدة على الواردات.
إذا ظل المضيق مغلقا سيؤدي ذلك في الغالب إلى إبطاء تصنيع الرقائق وارتفاع أسعارها. وهذا يمكن أن يعرض للخطر تشييدَ مراكز البيانات الأمريكية، وازدهار الذكاء الاصطناعي، ومنافسة الولايات المتحدة للصين في مجال الذكاء الاصطناعي.
تتحرك بلدان أخرى؛ فالصين والهند وماليزيا وباكستان تعقد صفقات غير شفافة مع إيران لعبور وارداتها النفطية عبر المضيق بأمان.
وبدأت سلطنة عمان في الحديث عن إطار إقليمي لاستعادة شيء من الوضع الطبيعي للمضيق.
إلى ذلك حشدت بريطانيا مجموعة من 40 بلدا من بينها كندا وفرنسا وألمانيا؛ للعمل على إعادة فتح المضيق، ومنع إيران من أخذ «الاقتصاد العالمي رهينة». سيكون هذا اختبارا مهمّا للنداء الذي وجهه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى القوى المتوسطة بالتقدم، وإثبات قيادتها «عمليا» مع تراجع الولايات المتحدة.
مع ذلك ورغم رغبة ترامب في الابتعاد عن الشرق الأوسط مثله في ذلك مثل رؤساء عديدين سبقوه إلا أن الولايات المتحدة لا يمكنها ببساطة نفض يديها عن «عملية إيران»، والخروج منها دون خدوش إذا ظل مضيق هرمز مغلقا.
قبل أن يأمر بوش الولايات المتحدة بغزو العراق عام 2003 ذكَّره وزير الخارجية كولن باول بقاعدة متجر الأثاث الأمريكي بوتري بارت والتي تقول «إذا كسرته أنتَ ملكته» (بمعنى إذا كسر الزبون سلعة قابلة للكسر في المتجر عليه دفع ثمنها. أما المعنى الذي قصده باول فهو: إذا غزوت بلدا وأسقطت نظامه فأنت المسؤول عن إصلاح ما خرّبته - المترجم.)
قبل الهجمات على إيران والتي بدأت يوم 28 فبراير كان مضيق هرمز مفتوحا، لكنه الآن «مكسور».
