الصناعات الإبداعية رافد للاستدامة الثقافية
06 أبريل 2026
06 أبريل 2026
تعد الصناعات الثقافية والإبداعية جزءًا من الاقتصاد الإبداعي؛ وواحدًا من أسرع القطاعات نموًا في العالم؛ إذ يقدر متوسط ما تسهم به في الناتج الإجمالي العالمي ما نسبته (3.1%)، وتتكون من جميع القطاعات التي تستند أنشطتها إلى القيم الثقافية أو أشكال التعبير الثقافي، مثل: التسويق، والتصميم، والمسرح، والتصوير، والنشر، والمتاحف، والحِرف، والسينما، وغيرها، والتي -بلا شك- يتطلب نجاحها توفر إدارة العمل الناجحة، والسوق الرائجة، ورأس المال البشري القادر على الإبداع والابتكار.
وما يميز هذا النوع من الصناعات أنها تنبثق من أصالة الماضي وعراقته، وتتلاءم مع العصر الحالي، وتواكب مستجدات المستقبل ومهاراته، وبذلك فهي تتخذ من الثقافة المحلية نقطة محورية لتحرك دفة الاقتصاد.
وبشأن ماهية الصناعات الثقافية والإبداعية؛ فثَمَّةَ قاعدة ثابتة، مفادها أمران؛ الأول: أنَّ هذه الصناعات تعني التفاعل الإيجابي بين الثقافة والاقتصاد والإبداع؛ فهي محفزة للإبداع، ومحركة للاقتصاد وداعمة له في مجالاتها المتعددة. أمَّا الأمر الثاني: فنجمله في أنَّ صناعة الثقافة والاستثمار فيها يعني اقتصاد مدى الحياة، وهذا ما يعبِّر بالطبع عن مفهوم الصناعات الثقافية والإبداعية، على أنها صناعات تهدف إلى تحويل المنتجات الثقافية إلى سلع مادية ذات قيمة اقتصادية.
إن الاستفادة من ثقافة المجتمعات وقيمها، وعاداتها، وأرصدتها الثقافية المادية وغير المادية، وممتلكاتها الثقافية وما تطبعت به من سمت ثقافي متفرد يميّزها عن غيرها، فهذا حتمًا يعني نجاح الاستثمار في الصناعات الثقافية والإبداعية وديمومتها.
فالاستثمار في هذا النوع من الصناعات ما هو إلا شكلٌ من أشكال الحفظ والصون والاستدامة؛ فعندما نستثمر في إحدى القلاع والحصون، ونحولها إلى نزل تراثية، ومطاعم، ومزارات سياحية، ومعارض ثقافية كما هو موجود في قلعة نخل وحصن جبرين، ونستفيد من محصول الوَرْد لاستخلاص ماء الورد الجبلي، ونصنع من مواقع التراث أفلام وثائقية، ونشاهد من ما سطّره لنا متحف عُمان عبر الزمان من أيقونة تراثية وثقافية لحفظ واستدامة الإرث العُماني، ونلتمس لروح الثقافة واستثمارها في حارات العقر، ومسفاة العبريين، ونبحر في أعماق ثقافتنا الأصيلة وتفاصيلها الدقيقة لنشق لها طرقًا تعزز الاقتصاد وتشّكل موردًا أساسيًا له.
وهذا في حد ذاته ترجمة فعلية للدور المحوري الذي تُسهم به الصناعات الثقافية والإبداعية في تحقيق الاستدامة، التي بلا شك تمثل رافدًا مهمًا للتنمية، كما نصّت على ذلك مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، بضرورة إيجاد مجتمع واعٍ يحافظ على هُويته، ويواكب المستجدات والمتغيرات المعرفية والتقنية، وتسخيرها لخدمة الثقافة على نحو مستدام، وأكدته الإستراتيجية الثقافية لسلطنة عُمان؛ التي دعّت إلى الوعي بأهمية الاستثمار في المجال الثقافي، وتشجيعه، وتعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني.
ويُمثل البرنامج الوطني للاستثمار وتنمية الصادرات (نزدهر)، وخارطة الصناعات الثقافية والإبداعية نماذج واقعية تنفيذية لتلك المستهدفات والرؤى، ساهمت في تشكيل منظومة الإنتاج الثقافي، وتعظيم دوره في الاقتصاد المحلي.
فالصناعات الثقافية والإبداعية تحقق الاستدامة الثقافية في مرتكزاتها وأبعادها الرئيسة؛ ففي البعد الاقتصادي، تسهم في إيجاد فرص عمل، وتحد من حالات الفقر والبطالة، وكذلك المساهمة في رفد الأسواق المحلية بالمنتجات الثقافية، وتصديرها للخارج.
ولعل من الشواهد التي يمكن تبيانها في ذات السياق ما أسهمت به الصناعات الثقافية والإبداعية في تشجيع ودعم تشغيل العائلات المحلية من الأسر المنتجة في توفير وتقديم أطباق عُمانية تقليدية تعكس الثقافة العُمانية، أو تصميم الأزياء العُمانية، أو صناعة العطور المستوحاة من منتجات طبيعية ذات طابع ثقافي عُماني مثل اللبان والكيذا وغيرها.
أمّا في البعد الاجتماعي، فتسعى إلى تعزيز الاندماج الاجتماعي، والمشاركة بأعمال الفنانين في معالجة الكثير من القضايا الاجتماعية التي تواجهها المجتمعات، وتحافظ على القِيَم، والعادات، وفهم العلاقات الثقافية، واحترام الموروث الثقافي للمجتمع، إلى جانب دورها في تعزيز رأس المال البشري من خلال بناء القدرات وتدريب شرائح مختلفة من المجتمع بما في ذلك الأشخاص ذوو الإعاقة والنساء والباحثون على مهارات صناعة الكثير من الصناعات الثقافية.
في حين تتجلى إسهامات الصناعات الثقافية والإبداعية في البعد البيئي في التقليل من كمية النفايات بإعادة تدويرها أو إعادة استخدامها، من خلال الاستفادة من المنتجات الصديقة للبيئة والتي تتوافر في البيئة المحلية، وكذلك الاستفادة من مصادر الطاقة مثل الطاقة الشمسية. وهي بذلك تخطو خطى واضحة في التحول التدرجي نحو الاقتصاد الأخضر، والاستدامة البيئية.
ولأجل استمرارية دور الصناعات الثقافية والإبداعية في تحقيق الاستدامة الثقافية، فينبغي تضافر الجهود التعليمية والثقافية والإعلامية والمالية كافة في التوعية والدعم والترويج والاستثمار؛ ومواجهة التحديات التي تواجه هذا القطاع الحيوي والمهم من تأثيرات التجريف الثقافي، ودخول بعض المنتجات الأجنبية المنافسة التي قد تكون سببًا في اندثار الكثير من الحِرف اليدوية، والعمل على موائمتها مع مستجدات العصر، وفكر الجيل الحالي، وتلبية أذواقه واهتماماته.
بناءً على ما تقدم؛ يتضح أهمية الصناعات الثقافية والإبداعية كقطاع اقتصادي يُسهم في تحقيق أبعاد التنمية المستدامة، وأن الإبداع والابتكار عنصران مهمان في النهوض بها وتطويرها، كما يتضح أهمية تعزيز الوعي الثقافي حولها، وبناء قدرات المشتغلين بها؛ كونها تمثل صناعة إبداعية تعتمد بالدرجة الأولى على الإنسان فكرًا وثقافةً وابتكارًا.
وختامًا؛ نوصي بالاهتمام بهذا القطاع الحيوي؛ من خلال تعزيز الشراكات بين المؤسسات الحكومية والخاصة والأكاديمية لتطوير برامج تدريبية متخصصة في الصناعات الإبداعية، كما رأينا مؤخرًا في برنامج القيادات بالأكاديمية السلطانية، وإطلاق مبادرات بحثية لدراسة أثر الصناعات الثقافية على الاقتصاد الوطني، وتوفير بيانات دقيقة تساعد في رسم السياسات والاستراتيجيات المستقبلية، وإيلاء المشروعات الصغيرة والمتوسطة في مجال الصناعات الثقافية اهتمامًا كبيرًا عبر تقديم حوافز مالية وتسهيلات تنظيمية، مع التركيز على تطوير الحِرف التقليدية وتوظيف التقنيات الحديثة لتعزيز تنافسيتها في الأسواق المحلية والعالمية، مع ضرورة تعزيز الوعي المعرفي بإدماج مفاهيم الاستدامة البيئية والاجتماعية والاقتصادية في جميع مراحل الإنتاج الثقافي للحفاظ على الهُوية الثقافية العُمانية للأجيال القادمة.
