تأثير ديدرو والوعي الاستهلاكي
06 أبريل 2026
06 أبريل 2026
تأثير ديدرو «Diderot Effect» ببساطة هو اقتناء شيء جديد يرفع سقف المعيار الجمالي، يؤدي إلى إنفاق أفراد المجتمع بهدف استعادة الانسجام لا لسد حاجة حقيقية، ما يجعلهم يميلون إلى تغيير نمط استهلاكهم بالكامل بعد إدخال عنصر واحد جديد لا يتناسب مع ممتلكاتهم الحالية.
وبالتالي، نستطيع القول إن جوهر اقتصاديات ديدرو في حقيقته يتمثل في شراء معيار جديد وليس منتجًا، ما يستدعي تكاتف المجتمع ومؤسسات المجتمع المدني نحو تعزيز الوعي المجتمعي في اتخاذ قرارات الشراء، وهنا أقصد اقتصار الشراء على الضروريات التي يحتاج الفرد إليها فعليا.
الحل من وجهة نظري بسيط جدا هو عدم السماح لشيء واحد أن يظل غير متناسق أو متطابق وستتوقف سلسلة الشراء غير الضروري.
تعد وسائل التواصل الاجتماعي من أبرز محفزات تأثير ديدرو بين أفراد المجتمع وزيادة نسبة المقارنات بينهم، حيث جعلت المجتمع يحدد هويته من خلال معيار الممتلكات المادية، إلا أنني على قناعة تامة أنّ ما يعرض في وسائل التواصل الاجتماعي ليس انعكاسا للحياة المثالية للآخرين، وهو بعيد عن الواقعية في كثير من الأحيان، ما يجعل التنافس على ما يُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي أمرًا غير منطقي.
بدأ تأثير ديدرو قبل نحو 200 عام على يد الفيلسوف الفرنسي دينس ديدرو وصاغه غرانت ماكراكن عام 1988، بعد أن قرر ديدرو تغيير ردائه القرمزي ليؤدي قراره إلى محو ماضيه بعد أن قرر تغيير جميع ما تحويه غرفته، وهو ما ينعكس علينا اليوم، حيث وجود قطعة واحدة غير متناسقة قد يكلفنا إنفاقا باهظا لاستعادة التناسق.
ليس هذا التحدي الذي نواجهه اليوم وحسب، بل يكمن في إعادة تعريف الإنفاق؛ فما كان مناسبا وكافيا أصبح معيبًا اليوم، حتى وصلنا إلى فكرٍ ينادي بمعالجة الفجوة بين الواقع والمعيار الجديد الذي صنعناه بأنفسنا، وبالتالي يتحتم علينا أن نفكر جيدًا قبل نلجأ لفلسفة التفكير في هندسة التناسق لا الاحتياج الفعلي.
في بيئة العمل، يظهر تأثير ديدرو عندما يقرر الموظف أن يملك جهازا لوحيا بمواصفات لا تتطلبها بيئة العمل رغم امتلاكه جهازا بمواصفات كافية لتأدية عمله الحالي، ثم كرسيا متحركا رغم جلوسه على كرسي مناسب ومريح، ثم إضاءة ناعمة لا إضاءة تقليدية، وسماعة رأس أنيقة رغم عدم حاجته إليها، ولوحة جدارية ملونة لا لوحة بيضاء، في الحقيقة لا يشعر الموظف بأنها رفاهية بل سعي لتناسق جديد بين الأشياء في المكتب وتقليل الانزعاج البصري الذي يشعر به الموظف لا تحسين الإنتاجية ورفعها.
في رأيي، مقاومة تأثير ديدرو لا تتطلب إجراءات تقشفية بل يتطلب القبول بالواقعية والعقلانية في اتخاذ قرار الشراء لا المعيارية المثالية أو الفوضى في الاستهلاك، وأن الوعي الاستهلاكي هو التوجه الصائب وليس الوقوع في فخ الأساليب المقنعة والمغرية للشركات المنتجة وللمروجين في وسائل التواصل الاجتماعي، فالمشكلة ليست في الاستهلاك لكن في كيفية انتقائه للمشتريات بشكل مدروس والابتعاد عن العشوائية بسبب سوء التخطيط والتنظيم، وبالتالي من المهم الاعتماد في عمليات الشراء على الفائدة الفعلية للمنتج التي سيحصل عليها المستهلك، وجودة المنتج بحيث يحصل على ديمومة المنتج ولا يستبدله خلال فترة قصيرة.
في رأيي، من المهم أن يتخذ المستهلك قرار الشراء بحكمة وعدم شراء المنتج مجددا إذا كانت تتوفر منتجات شبيهة لأن المستهلك في غنى عن دفع تكاليف إضافية دون جدوى أو قيمة مضافة، لا بد من وضع التكاليف الجديدة في الحسبان، وأن ندرك بأن منافسة الآخرين وكثرة المقارنات تؤدي إلى الاستهلاك غير المدروس، وأن إجراء التعديلات على المنتجات الحالية هو الأفضل والأقل تكلفة من استبدالها بمبالغ إضافية كصيانة منزل حالي أفضل من بناء منزل جديد خاصة إذا كانت الصيانة ستعطي المنزل عمرا افتراضيا إضافيا لسنوات.
في سلطنة عُمان، هناك فرصة لدراسة تأثير ديدرو على المستهلك وعلى الوضع الاجتماعي والمادي للأسرة من خلال تبني وحدة الاقتصاد السلوكي بوزارة الاقتصاد والجهات الحكومية الأخرى ذات العلاقة ومؤسسات المجتمع المدني ونشر الوعي المجتمعي والاستهلاكي بأهمية مقاومة تأثير ديدرو وعدم الاندفاع نحو الاستهلاك غير المدروس، وعمل المقارنات، والتنافس مع الآخرين في إظهار الجانب الجمالي والممتلكات في وسائل التواصل الاجتماعي أو حتى الالتفات للمروجين في المنصات الرقمية.
وبالتالي، من المهم التعامل مع تأثير ديدرو ليس من جانب توعوي وتثقيفي فقط بل أيضا من جانب نفسي لأن قناعتي ما زالت تعتقد بأن تأثير ديدرو نابع من جانب نفسي ثم إدارة مالية وجانب اجتماعي أيضا.
