إيران تنهي حلم حرب «التحكم عن بعد»

06 أبريل 2026
مارك جستافسون - جوستين كوسلين - ترجمة: أحمد شافعي
06 أبريل 2026

كان التخطيط للحرب مع إيران يبدأ دائمًا في واشنطن انطلاقا من واقع ثابت عنيد: هو أن القتال سوف يكون صعبا، وأن الانتصار سوف يكون أصعب؛ فإيران بلد شاسع جبلي، وأغلب البنية الأساسية فيه مدفونة في الكهوف والغرف الحصينة.

فكانت أي خطة جادة لتحييد مطامح إيران النووية أو الإطاحة بالنظام الحاكم فيها تنتهي إلى النتيجة نفسها، وهي أن النجاح يقتضي قوات برية، ولا بد أن يفضي إلى خسائر أمريكية في الأرواح.

ثم جاء التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي، وجاءت معهما فكرة مغرية مفادها أن القوة الأمريكية باتت أخيرًا قادرة على أن تحارب إلى الأبد خصمًا كبيرًا دون أن ترسل مواطنيها إلى خط النار.

وليس هذا الوعد وهمًا محضًا؛ فقد صهر الذكاء الاصطناعي على نحو متزايد بين الأسلحة الدقيقة والمراقبة الشاملة مغيرًا ما يمكن أن يحققه الجيش الأمريكي، وهو يعمل من البعد.

وتحقق تقدم كبير في دقائق الحرب وتفاصيلها متمثلا في الدقة والسرعة اللتين يمكن أن تعثر بهما القوات الأمريكية الآن على الأعداء، وتدمرهم بهما غير مصابة إلا بعدد أقل من الخسائر سواء من الولايات المتحدة أو من المدنيين.

مثلما قال الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأمريكية الذي يقود حاليا الحرب مع إيران في الحادي عشر من مارس فإن بوسع أدوات الذكاء الاصطناعي أن تجري في «ثوان معدودات» عملية تحديد الأهداف «التي كانت تستغرق من قبل ساعات بل أياما».

لكن على الرغم من تزايد سرعة ودقة عملية الاستهداف التي تجري بمعاونة الذكاء الاصطناعي؛ يتبين من الحرب الجارية أن العالم المادي لا يزال يفرض عوائق كبيرة دون النصر؛ ذلك أن حجم الطائرات الإيرانية المسيرة وانتشارها يفوقان ما يمكن أن يتغلب عليه الذكاء الاصطناعي بمفرده. والصواريخ قصيرة المدى، وبخاصة ما ينطلق من منصات متحركة، قادرة على النجاة حتى في عالم الرقابة الشاملة المستمرة. فلو كان المخططون حلموا بنصر نهائي يتحقق في حرب «التحكم عن بعد» فقد أفاقوا في إيران على واقع أصعب.

لقد أحدثت التكنولوجيا تغيرا مذهلة في الحرب على مدى جيل واحد؛ إذ حدث على سبيل المثال في واقعة جرت قبل سنوات عديدة من الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 أن استعملت الولايات المتحدة بيانات الهاتف الفضائي في استهداف أسامة بن لادن داخل معسكر كان من المتوقع أن يزوره في شرق أفغانستان على حد ما ذكر لورنس رايت في كتابه (البرج الشاهق). ولما حان الوقت الذي انطلقت فيه صواريخ توماهوك كان أسامة بن لادن قد وضع خططا جديدة، وفي النهاية لم يحضر مطلقًا في الموقع الذي ضربته الولايات المتحدة.

واليوم في الوقت الذي تنطلق فيه الصواريخ والمسيرات باتجاه إيران تأتي عن طريق المسيرات والأقمار الصناعية صور آنية للأهداف، فتتيح للصواريخ والمسيرات تعديل مسارها وسرعتها بناء على مدخلات آنية.

كما أن الذكاء الاصطناعي يوفر من البعد معلومات ميدانية أفضل من التي كان يجمعها الجنود المنتشرون في الميدان قبل سنوات قليلة. ففي الوقت الراهن تغطي المسيرات الأمريكية إيران، وتجمع تسجيلات مصورة وصورا، وتعترض الإشارات، وتنقل ذلك كله إلى البوارج الراسية في الخليج العربي.

ويمكن أن تنسب هذه البيانات إلى أشخاص من خلال أرقام هواتفهم، ونصوص اتصالاتهم والأماكن التي ترددوا عليها حديثا. وكل هذا يسهم في قرارات الضرب.

في الأماكن النائية من إيران -التي تخبئ الصواريخ والمسيرات في غرف حصينة تحت الأرض- يمكن أن يدرس الذكاء الاصطناعي تغيرات التربة، والبصمات الحرارية، ومظاهر الإنشاءات الجديدة، وأنماط حركة المركبات بحثا عن مواقع إطلاق محتملة. وحينما يخرج المقاتلون الإيرانيون من المخابئ لإطلاق الصواريخ أو المسيرات يمكن أن تعين طائرات المراقبة المسيرة مواقعهم، وتحدد فيها الخطر، وتبعث الإشارة إلى السفن أو الطائرات القريبة لتضربهم قبل أن يطلقوا الذخيرة.

وقد نوقشت هذه الإمكانيات علنًا، وجرى بعض ذلك النقاش في العام الماضي من خلال نائب الأدميرال فرانك ويتوورث رئيس الوكالة الوطنية للاستخبارات الجغرافية المكانية آنذاك، كما تم بعضه خلال حرب إيران الراهنة من خلال كاميرون ستانلي كبير مسؤولي الذكاء الاصطناعي والرقمي في البنتاجون.

وباستعمال هذه القدرات في إيجاد حزم استهداف تفصيلية مولدة بالذكاء الاصطناعي صورت هذه القدرات لصناع القرار انطباعًا بأن الحرب مع إيران ستكون قليلة المخاطر سريعة النتائج. وكلما تقدمت الولايات المتحدة في الصراع ازداد لها وضوحا أن ذلك الرجاء لم يكن إلا سرابا.

فإيران أكبر حجما من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا مجتمعة، ويصعب العثور على المسيرات حتى لمن يعلم أين عليه أن يبحث عنها، وانطلاقها لا يبعث انفجارات يمكن تعقبها شأن الصاروخ، كما أنها أصغر حجمًا وأسهل في الإخفاء. بل إنه بالإمكان إطلاق مسيرات (شاهد) من صندوق عربة نقل صغيرة. وفي إيران ببساطة الكثير للغاية من هذه العربات المنتشرة في مساحة شاسعة؛ فمن المستحيل على أنظمة المراقبة الآلية ودقة الضربات أن تعثر على كل هدف، وتدمره قبل إقلاعه.

كما ثبت أن مواجهة الصواريخ البالستية قصيرة المدى أصعب من الصواريخ بعيدة المدى التي هيمنت على حرب الأيام الاثني عشر بين إسرائيل وإيران العام الماضي. وأغلب الصواريخ التي أطلقتها إيران هذا العام هي أسلحة قصيرة المدى موجهة لدول الخليج. وهي أصغر حجمًا، وأسهل حركة، وذات مسارات جوية أقصر بما يعني أن الوقت المتاح للولايات المتحدة لجمع البيانات والاستجابة لها يكون أقل.

كما أن الصواريخ قصيرة المدى أسهل نشرًا، ومن ثم فهي شأن المسيرات أصعب تعقبا واستهدافا.

برغم جميع مزايا الاستهداف بمعاونة الذكاء الاصطناعي، فإنه لم يقض على الخسائر المدنية في الأرواح؛ فقد نسب البنتاجون خطأ استهداف مدرسة في جنوبي إيران، لقي فيها ما لا يقل عن مائة وخمسة وسبعين شخصا مصرعهم أغلبهم أطفال إلى معلومات استخباراتية قديمة. ويجري الآن تحقيق حكومي في الواقعة، لكن الحادثة نفسها تبين أن الذكاء الاصطناعي لم يحل التحدي الأساسي المتمثل في تجنب وفيات المدنيين في بيئة مزدحمة عليها نزاع.

وتلك النقيصة مثيرة للقلق الآن بصفة خاصة؛ إذ تنظر الإدارة في نشر قوات برية في إيران. ومن المرجح أن حدود الذكاء الاصطناعي لن تزداد إلا وضوحًا في حال محاربة الخصوم الإيرانيين عن قرب.

لكن ثمة شيئا بات واضحًا بالفعل، وهو أن قدرات الذكاء الاصطناعي المثيرة للإعجاب قد يسرت بدء الحرب، لكنها غير كافية بعد للانتصار فيها.