قوة الطاقة السلبية
06 أبريل 2026
06 أبريل 2026
تخبرنا علوم الفيزياء أن هناك حقيقة راسخة تنبثق من قانون نيوتن الثالث في الحركة، مفادها أن لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه. وتلك المعادلة الفيزيائية تنسحب على كل شيء في الوجود بما فيه العالم ذاته.
فلا يمكن لمسار أو خط أن يظل مستقيماً إلى الأبد، ما لم يعوج أو ينحرف، أو يتكسر إلى أن تنتهي رحلته.
القوة هي إحدى تجليات الكون، وبالمعادلة الفيزيائية لا تخرج عن كونها حركة لها ما يماثلها ويضادها.
يقول أليكس يونغر المدير السابق لجهاز المخابرات البريطانية (أم أي6): نحن في عصر جديد، لن تُحَدَّد العلاقات الدولية من خلال القواعد والمؤسسات المتعددة، بل سيحددها الرجال الأقوياء والصفقات.
تشي تلك المقولة بأن عصرًا قد أفل، وبدأت ملامح عصر جديد في الظهور. عصر يحكم بالقوة. قوة تحمل في بواطنها تحولات وانزلاقات كبيرة، وقد تبدو تجليات المرحلة الراهنة جلية.
إن أبرز سمات العصر الجديد الذي يُبشر به، هو عصر تتوارى -إن لم تكن تختفي- فيه القواعد والقوانين وتتفكك فيه المؤسسات الدولية. وقد بدأت الشرارة الأولى لهذا العصر بمجرد ما تلاشت فيه مبادئ (ويستفاليا) عام 1648، التي أرست دعائم نظام دولي لازال قائما على مبادئ مثل: سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وحل النزاعات بالطرق السلمية، والتسامح الديني. رغم أنه تخلل هذه الفترة مرحلة سباق التسلح، وسياسة الردع المتوازن وتوازن القوى، والقطبين، التي انتهت في بداية التسعينات بسقوط المنظومة الاشتراكية، وحل مكانها نظام القطب الواحد والأوحد المتمثل في أمريكا، وانتقال الرأسمالية إلى مرحلة متقدمة من التوحش، لكن مع الاحتفاظ ولو شكليًا بتلك المبادئ.
بحسب تلك المقولة، عاملان رئيسيان يعضدان العصر الجديد ويحددان العلاقات الدولية، العامل الأول هو الرجال الأقوياء، والعامل الثاني هو الصفقات. لكن من هم أولئك الرجال الأقوياء الذين سيحدّدون شكل العلاقات الدولية في العصر الجديد؟
هم من يملكون القوة، الذين يستنهضون قوة دولهم الواقعية ويجيدون قراءتها وتحويرها لصالح بلدهم أو لصالحهم، يرسخون قوتها من خلال الممكنات الملموسة والمعاشة، العلمية منها والمادية، ليتم البناء عليها في اتخاذها نهجا في ممارسة السياسة، بعيدا عن المفاهيم العقائدية أو الأخلاقية، والدينية والمثالية.
يعرف الرجال الأقوياء بالحكمة والعقل والاتزان والتروي، لكن في العصر الجديد ليس بالضرورة أن تكون تلك سمات الأقوياء. ما يميز هؤلاء الأقوياء هو الغطرسة والجبر والوقاحة، بل حتى الجنون، وربما أيضا الكذب الممنهج، ولا غضاضة لديهم في ذلك، فهؤلاء الأقوياء استبدلوا الصداقة وحسن الجوار وعدم التدخل بالتهديد والغطرسة والحروب، واستبدلوا الاتفاقيات والمعاهدات بالصفقات التجارية والعقارية.
العصر الجديد هو من يتسيده الأقوياء منتهجين بث الفوضى والصدمة والشيء غير المعقول والابتزاز (كما ظهر في وثائق إبستين) والابتذال، وقد لا يتورعون من استخدام وسائل شيطانية طقوسية لإيقاع الخصم والتمكن منه وتحقيق المآرب. وكأن لسان حالهم يقول سحقًا لكل الأنظمة والقوانين، سحقًا للمبادئ وللمثل وسحقًا لكل شيء. العظمة، والغلبة والخلود للمال وللقوة.
وحده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمثل قمة تلك السطوة والقوة والجبروت للرجال الأقوياء. يعتمد كل الاعتماد على ما وصلت إليه أمريكا من قوة، سواء كانت صلبة أو ناعمة، في تحقيق أهدافه، متبعًا في ذلك منهجًا ومنطقًا عجائبيًا في التعامل مع الدول، حتى الحليفة مع أمريكا تاريخيا، مستمدا من عقدة العظمة والقوة والتفوق، فيرى أن بلاده يجب أن تكون عظيمة أو تستعيد عظمتها؛ فبما لديها من ممكنات، وما تملكه من الوسائل والقوة يمكنها لعب دور قوي يتناغم مع تلك القوة، دون الحاجة إلى حلفاء أو اتفاقيات أو مبادئ. ويرى أن القوة تخوله تجاوز كل الخطوط، متجاوزا كل حدود اللباقة والدبلوماسية، منفلتًا من كل شيء، يتبع استراتيجية مغايرة في إرباك الآخر.
رأينا ذلك في دَعْوَته لضم كندا، واحتلال غرينلاند، واسترجاع قناة بنما، والاستيلاء على معادن أوكرانيا ونفط فنزويلا، وتهجير الفلسطينيين وتحويل غزة إلى منتجع، ضاربا بعرض الحائط كل شيء.
وفي هذه السياقات والتحولات الكبرى المبنية على القوة، تتجلى الطاقة السلبية كردة فعل مساوية لتلك القوة في المقدار ومعاكسة لها في الاتجاه.
قوة الطاقة السلبية تكمن في قدرتها الهائلة على إحداث تغيير وتصويب المسارات الملتهبة. تنشأ الطاقة السلبية من إخفاقات واختراقات وظلم وعدوان يلجأ إليها الأقوياء، فتتراكم على شكل قوى ورغبات تتوق إلى الانعتاق والتخلص والتحرر والانتقام، ويعلو ركامها إلى أن تصل لمرحلة الانفجار. وهي لحظة التنفس. وردة فعل الطاقة السلبية قد تكون كارثية، وعلى شكل حروب مدمرة. رغم أن التنفس لإزالة الاحتقان قد يحدث بين الحين والأخرى على شكل انفجارات صغيرة، أوحروب وأزمات مصطنعة هنا وهناك، لكن ذلك يبقى غير كاف لإفراغ الطاقة السلبية المتراكمة منذ سنوات.
تاريخيا تحدث بعض الباحثين عن المرحلة القاتمة التي مر بها العالم والتي سبقت الحربين العالميتين الأولى والثانية. كان العالم في تلك الفترة محتقنا أيضا، ووصل الاحتقان إلى الذروة، وكان لابد من الاشتعال، إلى أن حانت ساعة الانفجار الكبرى، دمر كل شيء، وقتل ملايين البشر، ثم سادت مرحلة الهدوء، والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والتعاون وسيادة الدول.
وها نحن على نفس المنوال، كل الدلائل تشير إلى أن العالم محتقن وتعلوه طاقة سلبية زائدة آخذة مداها في الكبر والاتساع. السماء متلبدة بالغيوم، ولا تعلوها إلا الكآبة، ومزيد من الإحباطات المتتالية. عالم مثخن بالطاقة السلبية، وكأن ساعة سقوطه قد دنت.
هل فعلا يحتاج إلى لحظة انفجار، هدم البنيان وتدميره، وعلى أنقاضه تشييد عالم آخر مختلف تماما، أم أنه في حاجة إلى مخلص يعيده إلى رشده؟
تخبرنا سنن الكون ونواميسه، بأنه مهما تسيدت القوة وعلا صوتها وبطشها، ومهما صال وجال الرجال الأقوياء، فإن منطق القوة لا يستمر للأبد، وإن سرى بعض الوقت، لابد أن تحين ساعة الانفراج. لكن ذلك لن يكون سهلا، وستكون رحلة شاقة يقطعها العالم للوصول لتلك اللحظة الفارقة.
قد تتعدد الوسائل وتختلف، ويبقى الانفجار هو الأقرب بالنظر للطاقة السلبية التي زاد تراكمها. وعودة العالم إلى رشده لن تكون ولن تحصل إلا بهزة قوية أو كارثة.
نظرية الانفجار تبدو منطقية جدا وسريعة، بالمقارنة بما يحدث حاليا، حيث عيت كل العلاجات والوصفات ولم تجد نفعا إلا بتلك الوصفة الكارثية، أو بمخلص ينقذ العالم من هؤلاء المتغطرسين الذين عاثوا فسادا في الأرض.
الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، سئل مرة عن كيفية الخروج من المأزق والفوضى التي أحدثتها الثورة الصناعية، فقال: لن ينقذنا سوى إله.
الله هو الباقي المخلص الذي نلجأ إليه، مع اختلاف المعاني والتفسيرات.
بدر الشيدي كاتب عماني
