ما الذي يحققه العمل من البيت؟
شهد اقتصاد الولايات المتحدة تعافيا لافتا من انكماش كوفيد-19 في عام 2020. ولم تتحقق أبدا الآثار الطويلة الأجل التي كان يُخشَى كثيرا جدا من أن تخلِّفها الجائحة وراءها. فمستويات التوظيف ومشاركة قوة العمل والناتج المحلي الإجمالي عادت تماما إلى الاتساق مع توقعات مع ما قبل حلول جائحة كورونا.
لا يزال علينا أن ننتظر لكي نرى هل سيهدر المشرعون الجمهوريون في مجلس النواب ذلك الإنجاز بدفع أمريكا نحو أزمة دَين لا مبرر لها إطلاقا. (تم الإعلان في يوم 27 مايو عن توصل بايدن ومكارثي رئيس مجلس النواب الجمهوري إلى اتفاق مبادئ لرفع سقف الدين الحكومي الأمريكي ويتوجب إجازته بواسطة الكونجرس قبل يوم 5 يونيو- المترجم).
لكنني اليوم سأتخلى عن القلق وأكتب عن طريقة مهمة يبدو بها أداء اقتصاد الولايات المتحدة أفضل حتى مما تشير به الأرقام المعيارية لقياس هذا الأداء.
أحد الجوانب الإيجابية لأزمة كوفيد-19 كان التغيير الكبير في الطريقة التي يعمل بها الأمريكيون. فنحن الآن نهدر وقتا وموارد أقل بكثير (مقارنة بما قبل كوفيد) في الذهاب إلى مقر العمل.
قبل أيام قليلة كتب زميلي فارهاد مانجو مقالا ممتازا عن فوائد تقليل هذا الانتقال جيئة وذهابا بين البيت والعمل وهو ما حفزني إلى التعمق أكثر في هذا الموضوع. (يشير الكاتب إلى مقال نشر في نيويورك تايمز بتاريخ 19 مايو تحت عنوان «العاملون في المكاتب لا يكرهون المكتب. إنهم يكرهون مشوار الذهاب إليه». يردُّ فارهاد مانجو في المقال على استهجان إيلون ماسك للعمل عن بُعد - المترجم.)
على الرغم من أن التحول إلى العمل عن بُعد أو الهجين له جوانب سلبية (هل هنالك شيء ليست له جوانب سلبية؟) إلا أنه عموما تطور جيد حتى إذا كان إيلون ماسك يكرهه أو ربما خصوصا لأنه يكرهه.
التحول إلى العمل عن بعد فرصة لتعلم دروس مهمة على الأقل لشيئين. فهو أولا مثال أو درس عملي لحقيقة أن الاستفادة من ميزة الإمكانيات التقنية الجديدة كثيرا ما تتطلب إجراء تغييرات كبرى في الطريقة التي تعمل بها مؤسسات الأعمال. وهو ثانيا تذكير لنا بأن الأرقام الاقتصادية كالناتج المحلي الإجمالي رغم فائدتها يمكن أن تكون أحيانا مؤشرات مضللة لما هو مهمٌّ حقا في الحياة.
لنبدأ بأهم شيء وهو أن التقليل من وقت الذهاب إلى العمل والعودة منه إنجاز كبير. قبل الجائحة كان الأمريكي البالغ ينفق في المتوسط 0.28 ساعة يوميا أو أكثر من 100 ساعة في العام للانتقال إلى مكان يتعلق بالعمل. لكن بحلول عام 2021 انخفض هذا الرقم بحوالي الربع.
من الصعب حساب قيمة فوائد تقليص وقت الذهاب إلى العمل بالدولار. فأنت لا يمكنك ببساطة ضرب الوقت المكتسب في متوسط الأجور لأن العاملين ربما لا يعتبرون الوقت الذي يقضونه في الطريق مفقودا بكامله (معظم الناس يقودون سياراتهم إلى العمل).
من جهة أخرى هنالك عدة نفقات مرتبطة بالذهاب إلى مقر العمل من كلفة الوقود إلى استهلاك السيارة إلى التوتر النفسي. ومن جهة ثالثة خيار العمل عن بعد أو العمل الهجين يكون متاحا أساسا للحاصلين على قدر عالٍ من التعليم وأجور أعلى من المتوسط وبالتالي لديهم قيمة أعلى مرتبطة بوقتهم.
لكن ليس من الصعب المحاجَّة بأن الفوائد العامة المتحققة من عدم الذهاب في كل يوم إلى مقر العمل تكافئ زيادةً في الدخل القومي تبلغ على الأقل نقطة مئوية وربما عدة نقاط مئوية.
هذا كثير وهنالك قلة قليلة من السياسات المقترحة التي من المرجح أن تحقق مكاسب بذلك الحجم. نعم إنها فوائد حقيقية.
قد يشكو رؤساء تنفيذيون من العاملين الكسالى أو (كما يقول ماسك) المخالفين لأخلاقيات العمل الذين لا يريدون العودة إلى مكاتبهم. لكن الغرض من الاقتصاد ليس إسعاد رؤساء الشركات.
ما هو مثير أن هذا التغيير في الطريقة التي يعمل بها العديد من الأمريكيين لم يكن مدفوعا بتقنية جديدة. حقا لم يكن ذلك ممكنا إذا لم يكن لدى العديدين اتصالات الإنترنت السريع. لكن الطفرة الكبيرة في خدمة النطاق العريض المنزلي حدثت في الفترة بين 2000 و2010 ثم استقرت بعد ذلك. فقط تحت ضغط الجائحة تعلمت مؤسسات الأعمال الاستفادة من ميزة تسخير التقنية لأغراض العمل عن بُعد.
المسألة هي أن التغيير الذي حدث في الطريقة التي نعمل بها يبدو مستديما رغم أننا خلّفنا اقتصاد الجائحة وراءنا.
عموما العمل من البيت يبدو نموذجا كلاسيكيا للصناعة الوليدة التي تتعلم بالممارسة وتظل قادرة على المنافسة حتى بعد سحب التعزيز المؤقت الذي يقدم لها عادة في البداية بالإعفاء من الرسوم الجمركية أو الدعم المالي. لكن التعزيز المؤقت في هذه الحالة تمثل في تفشي فيروس كورونا.
إذا اتضح فعلا أن العمل عن بُعد سيكون دائما تترتب عنه آثار اقتصادية بالغة مع بعض الخاسرين (كالعقار التجاري والقاعدة الضريبية لمدن عديدة) لكن أيضا العديد من الفائزين.
غير أن هنالك شيئا واحدا لن يفعله العمل عن بعد وهو أن يظهر كارتفاع في الناتج المحلي الإجمالي المحسوب. فالوقت الذي يهدره الأمريكيون في الاختناقات المرورية لا يُخصم من الدخل القومي والوقت الذي يقضونه مع عائلاتهم لا يُضاف.
أنا لست من أولئك النقاد الذين يعتبرون الناتج المحلي الإجمالي رقما غير مفيد. إنه إحصاء يقول شيئا وليس من السهل استبداله. لكن يمكن أن يكون مضللا عندما تتخذ المجتمعات خيارات مختلفة. فأي شخص يعقِد مقارنات عالمية يعرف أن أمريكا لديها ناتج محلي إجمالي للفرد أعلى من البلدان الأوروبية. لكن جزءا كبيرا من هذا الفرق لا يعكس إنتاجية أعلى للولايات المتحدة. إنه يعكس حقيقة أن الأوروبيين يحصلون على وقت إجازات أكبر في حين أن بلدنا «ليست بلد إجازات».
إذن هل نحن أفضل حالا؟ هل هذا مؤكد؟ (يقصد الكاتب بتساؤلاته هذه أن هنالك عوامل أخرى للرفاه بخلاف ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي - المترجم).
نحن الآن نرى مكاسب كبرى على صعيد الحياة الشخصية للعاملين لا يتضمنها الناتج المحلي الإجمالي. صحيح هذه المكاسب تتحقق إلى حد كبير للعاملين أصحاب الدخول المرتفعة. وهذا مؤسف. لكننا أيضا رأينا مكاسب كبيرة تتعلق بالأجور لمن يشغلون الوظائف الأدنى. وهذا ما يلطِّف بعض الشيء من عدم الإنصاف.
إحدى النتائج الضمنية لذلك أننا إذا نظرنا إلى ما يجب أن يفعله الاقتصاد وهو تحديدا خدمة حاجات البشر وليس تحقيق أرقام إحصائية إيجابية سنجد أن تعافي أمريكا من الجائحة كان مذهلا ويفوق التصور.
