اليوم الدولي لضمير العالم

04 أبريل 2026
04 أبريل 2026

تحتفل الأمم المتحدة اليوم الموافق الخامس من أبريل باليوم الدولي للضمير بُغية توجيه العالم نحو أهمية التعاون لتعزيز التسامح والسلام، والتقليل من التحديات التي تواجه المجتمعات في العالم؛ حيث ورد في نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن (تناسي حقوق الإنسان وازدراءها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرَّر من الفزع ...)، وهو نص يقوم على مبدأ (الضمير الإنساني) باعتباره أساسا لذلك التسامح ونشر السلام. 

لقد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قراراها رقم 73/329 عن تأسيس يوم للضمير في العام 2019؛ إيمانا منها بأن السلام لا يمكن تحقيقه إلاَّ وفق مفهوم (الضمير) الذي ينضوي على أسس السلام الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي والبيئي الذي يسمح للمجتمعات العيش بكرامة، وبناء منظوماتها الوطنية على معطياتها المحلية وإمكاناتها ورؤيتها المستقبلية. ولكي يتحقَّق ذلك؛ فإن تأسيس ثقافة السلام تتطلَّب فكرا منفتحا قادرا على فهم الآخر، وإدراك احتياجاته وحقوقه الإنسانية. 

وتحت شعار (تعزيز ثقافة السلام مع الحب والضمير) يأتي الاحتفال العالمي بالضمير الذي لا يدعو إلى نبذ الخلافات والنزاعات والحروب وحسب، بل يجعل منه (عملية ديناميكية وتشاركية مرتبطة بشكل لا ينفصم بتحقيق الديمقراطية والعدالة والتنمية للمجتمعات). فالسلام الذي يؤسسه الضمير الإنساني يحوِّل تلك الخلافات والنزاعات إلى سلوك تنموي يقود إلى تحقيق مفاهيم العدالة، ويدعو إلى التسامح وقبول التعددية والاختلاف؛ وبالتالي فإن الضمير يرتبط باحترام الإنسان وتقدير حقوقه. 

إن الاحتفال باليوم الدولي للضمير يُعد رسالة إلى العالم ودعوة له لإيقاظ الضمير الإنساني واحترام حقوق الإنسان خاصة في تلك المجتمعات التي تعاني الأزمات الاقتصادية والبيئية المتزايدة، وتلك التي ترزح تحت الصراعات الأهلية والنزاعات العرقية والدينية التي تسبَّبت في تفشي العنف والإرهاب وضياع الحقوق إضافة إلى إصابة المجتمعات بالشلل التنموي والضعف وأزمات المجاعة والأمراض، وما يشهده العالم من التهجير القسري، واللجوء إلى عوالم مختلفة وغيرها؛ فالضمير الإنساني هو المحرِّك نحو تغليب المصلحة الإنسانية العامة على المصلحة الذاتية أو الطائفية أو غير ذلك. 

فـ (بدون الضمير تتزعزع أركان السلام) كما قالت أودري أزوري المديرة العامة لليونسكو؛ ولهذا فإنه القوة المانعة التي تحمي الأمم، وما أحوجنا اليوم إلى ذلك الضمير الإنساني في ظل النزاعات والحروب التي سادت العالم، وأصبحت أكبر مخاوف المجتمعات، وأبشع ما يؤرق أمنها واستقرارها! حيث يشهد العالم صراعات ونزاعات وحروب مختلفة في كل قارة من قاراته؛ فمن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ونزاعاته مع الدول العربية المختلفة إلى الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة في عامها الخامس، وإلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتداعياتها على دول المنطقة إضافة إلى توترات تايوان والصين، وباكستان وأفغانستان، وكذلك النزاعات في فنزويلا، ناهيك بالصراعات الداخلية في العديد من بلدان العالم. 

إن هذه الحروب والصراعات وغيرها تكشف حالة الضمير الإنساني الذي لم يترك مجالا للحوار والتفاهم، ومساحة للتعاون والتشارك لخدمة الإنسانية. لقد غلبت القوة الصلبة قوة الضمير والأخلاق، وجعلت من التقدُّم العلمي، والتطورات التقنية، والنمو الاقتصادي للدول مبررات كافية لإعلان الحروب والصراع والقتل والتدمير، حتى ضاعت حقوق الإنسان، وتفشى الظلم والطغيان، وأصبحت القوانين الدولية والمعاهدات في اختبار صعب في ظل التعنت والتعصب. 

لقد حذَّر المنتدى الاقتصادي العالمي في تقرير (المخاطر العالمية للعام 2026) من تصاعد المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية في حقبة أطلق عليها (حقبة التنافس والتزاحم). وعلى الرغم من أن التقرير قد صدر في يناير الفائت أي قبل التداعيات العسكرية الحالية، إلاَّ أنه جعل من هذه المخاطر في مقدمة الصراعات التي تهدِّد العالم، ليس فقط على المستوى الأمني والعسكري، بل أيضا على المستوى الاقتصادي والتجاري، الأمر الذي يكشف الكثير من المخاطر التي تُعد نتيجة حتمية لتلك الصارعات المنتشرة في العالم. 

يُحذر التقرير من مخاطر الذكاء الاصطناعي والتظليل الإعلامي الناتج عن تفشي البيانات والمعلومات الكاذبة إضافة إلى خطر عودة الإرهاب، وتفشي الأزمات الإنسانية، وتفاقم التحديات الاقتصادية والبيئية. 

إن هذه المخاطر نتيجة مباشرة لذلك الصراع القائم على التنافس العسكري والاقتصادي الذي يغيب خلاله الضمير الإنساني، وتحل محله القوة الصلبة التي تغلِّب الأسلحة والقتل والتهجير والتدمير محل التفاهم والحوار والدعوة إلى التعايش والسلام. 

إن فكرة (التناسي لحقوق الإنسان) التي صرَّح بها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تشمل حتى الحقوق الأساسية كالحق في العيش بكرامة في أرض الوطن؛ ذلك لأن الاعتداءات السافرة التي تحدث في دول العالم عموما وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص تتناسى سيادة الدول، وتتعدى على أفراد المجتمعات الآمنة في وقت غابت فيه الضمائر الإنسانية، وسيطر الطمع والاستغلال والتعدي على حقوق تلك المجتمعات وحقوق أفرادها. 

وفي خضم هذه الصراعات والحروب والنزاعات يواجه الضمير اختبارا وجوديا صعبا؛ إذ ينهار الأمن المجتمعي في الكثير من دول العالم، ويتشَّرد الإنسان ويهاجر أو يعاني الخوف والفزع والقتل؛ حيث تدخل الإنسانية حالة مما يسمى بـ(العنف المركب) العسكري والاقتصادي والاجتماعي، حتى ليُنظر إلى الاحتفالات بالحقوق الإنسانية مجرد (زيف) في ظل انهيار المنظومة الأخلاقية للسياسات، وموت الضمير الإنساني، وانكشاف العجز الذي تعانيه المنظمات والمؤسسات الحقوقية في العالم. 

إن الدعوة إلى إيقاظ الضمير ليس حاجة، بل أساسًا يقود نحو الحفاظ على تلك الحقوق الإنسانية التي أصبحت منتهكة، ولعل الصحوة التي تثيرها المجتمعات على مستوى العالم التي تعبِر خلالها عن رفضها للمجازر والحروب والصراعات تعكس وعيها بتداعيات ذلك كله وانعكاساته وأثره على دول العالم كلها إضافة إلى صحوة ضميرها الإنساني الذي يقودها إلى رفض تلك الانتهاكات والدعوة إلى وقفها في ظل موت الضمير السياسي وصمت المنظمات وعجزها عن تحقيق مبادئها التي تأسَّست عليها. 

لذلك فإن تغليب الضمير الإنساني اليوم لن يكون خيارا، بل ملجأ يُحكَّم فيه الحوار والتفاهم والوصول إلى الحلول السلمية التي تدعو إليها الدول الحكيمة؛ فنتائج تلك الانتهاكات والحروب غير المبررة وتداعياتها ستطال دولا ليست أطرافًا فيها؛ حيث بدأت التداعيات الاقتصادية التجارية، والبيئية والاجتماعية وحتى الثقافية تظهر جليًا، وتتخذ أشكالا تمس حياة أفراد المجتمعات مباشرة. 

من هنا فإن التذكير بأهمية الضمير الإنساني وتكثيف الدعوة إلى اتخاذه سبيلا نحو تحقيق السلام والتعايش وحفظ الحقوق واجب إنساني يحفِّز العودة إلى الطبيعة الإنسانية الخيِّرة، ونبذ العنف وتخطي الخلافات بصوت العقل والحكمة، والرؤية السديدة التي تجعل من الإنسان جوهر العالم وقوته التي يجب الدفاع عن حقوقها وتغليب سلامتها وأمنها. 

عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.