كيف ينبغي لإيران أن تنهي الحرب صفقة يمكن لطهران أن تقبل بها

04 أبريل 2026
04 أبريل 2026

لم تبدأ إيران حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن بعد أكثر من شهر على اندلاعها، تبدو الجمهورية الإسلامية، بوضوح، الطرف الرابح فيها. فقد أمضت القوات الأمريكية والإسرائيلية أسابيع في قصف الأراضي الإيرانية بلا توقف، فقتلت آلاف الأشخاص وألحقت أضرارًا بمئات المباني، وكل ذلك على أمل إسقاط حكومة البلاد. ومع ذلك، تماسكت إيران ونجحت في الدفاع عن مصالحها. فقد حافظت على استمرارية القيادة رغم اغتيال كبار مسؤوليها، وكررت توجيه الضربات إلى المعتدين عليها رغم استهدافهم منشآتها العسكرية والمدنية والصناعية. وهكذا يجد الأمريكيون والإسرائيليون الذين بدأوا هذا النزاع، وهم يتوهمون قدرتهم على فرض الاستسلام، أنفسهم عالقين في مستنقع بلا استراتيجية خروج. أما الإيرانيون، فعلى النقيض، فقد حققوا إنجازًا تاريخيًا في الصمود.ويرى بعض الإيرانيين في هذا النجاح سببًا لمواصلة القتال إلى أن يُعاقَب المعتدون بما يكفي، لا دافعًا للبحث عن نهاية تفاوضية. فمنذ 28 فبراير، تتجمع كل ليلة حشود كبيرة من الإيرانيين المعتزين ببلادهم في أنحاء الدولة لإظهار تحديهم مرددين: «لا استسلام، لا مساومة، قاتلوا أمريكا». فالولايات المتحدة، في نظرهم، أثبتت أنها ليست محل ثقة في المفاوضات، وأنها لن تحترم سيادة إيران. ووفق هذا المنطق، لا يوجد ما يدعو إلى الانخراط معها الآن أو إلى منحها مخرجًا من الأزمة. وبدلًا من ذلك، ينبغي لطهران أن تواصل استثمار تفوقها، عبر الاستمرار في ضرب القواعد الأمريكية وعرقلة التجارة في مضيق هرمز إلى أن تُغيّر واشنطن، على نحو جذري، حضورها الإقليمي ونهجها في المنطقة.ومع ذلك، فإن مواصلة القتال ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مهما بدت مُرضية نفسيًا، لن تقود إلا إلى مزيد من تدمير أرواح المدنيين والبنية الأساسية. فهذان الطرفان، وقد أصابهما اليأس بعد فشلهما في تحقيق أي من أهدافهما، يلجآن على نحو متزايد إلى استهداف مواقع حيوية في قطاعات الأدوية والطاقة والصناعة، وإلى قصف المدنيين الأبرياء عشوائيًا. كما أن العنف يجذب، ببطء، مزيدًا من الدول إلى أتون الصراع، بما يهدد بتحويل حريق إقليمي إلى حريق عالمي. ومما يؤسف له أن المنظمات الدولية تعرضت لضغوط أمريكية أرغمتها على التزام الصمت إزاء كثير من الفظائع التي ارتكبتها واشنطن، بما في ذلك مذبحة ما يقرب من 170 تلميذًا في اليوم الأول من الحرب. 

وعليه، ينبغي لطهران أن تستخدم موقعها المتفوق لا لمواصلة القتال، بل لإعلان النصر وعقد صفقة تنهي هذا الصراع وتمنع اندلاع الصراع التالي. وعليها أن تعرض فرض قيود على برنامجها النووي وإعادة فتح مضيق هرمز مقابل رفع جميع العقوبات؛ وهي صفقة لم تكن واشنطن لتقبلها من قبل، لكنها قد تقبلها الآن. كما ينبغي لإيران أن تكون مستعدة لقبول ميثاق متبادل لعدم الاعتداء مع الولايات المتحدة، يتعهد فيه الطرفان بعدم استهداف أحدهما الآخر في المستقبل. ويمكنها أيضًا أن تعرض تفاعلات اقتصادية مع الولايات المتحدة، وهو ما سيكون مكسبًا للشعبين الأمريكي والإيراني معًا. ومن شأن هذه النتائج كلها أن تتيح للمسؤولين الإيرانيين أن يكرسوا جهدًا أقل لحماية بلادهم من الخصوم الخارجيين، وجهدًا أكبر لتحسين حياة شعبهم في الداخل. وبعبارة أخرى، تستطيع طهران أن تؤمّن المستقبل الجديد المشرق الذي يستحقه الإيرانيون.أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فعلى الرغم من موقعه المتراجع، أو ربما بسبب هذا التراجع، فما زال يطلق تصريحات متناقضة وملتبسة بشأن المفاوضات. ففي يوم الأربعاء، ألقى ترامب خطابًا جمع فيه، في وقت واحد، بين إهانة جميع الإيرانيين عندما توعد بقصف إيران «إلى العودة إلى العصور الحجرية، حيث ينبغي أن تكون»، وبين الوعد، كما فعل مرارًا، بأن الحملة العسكرية لواشنطن لن تحتاج سوى أسابيع قليلة لتكتمل. لكن البيت الأبيض يبدو قلقًا بوضوح من أن ارتفاع تكاليف الطاقة، الذي تسبب فيه القصف الأمريكي، تحول إلى عبء سياسي، وهذه الخطة من شأنها أن توفر لترامب مخرجًا في توقيت مناسب. بل إنها قد تحوّل خطأه الفادح في التقدير إلى فرصة يزعم من خلالها أنه حقق انتصارًا دائمًا للسلام. 

اقتنصوا النصر 

يشعر الإيرانيون بغضب شديد تجاه الولايات المتحدة، وليس بسبب عدوانها الحالي فقط. فمنذ مطلع الألفية، تعرضت الجمهورية الإسلامية وشعبها لخيانات متكررة من مسؤولين أمريكيين. فقد قدمت إيران المساعدة للولايات المتحدة ضد تنظيم القاعدة في أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، لكن الرئيس جورج دبليو بوش أدرج طهران لاحقًا ضمن «محور الشر» وهدد بضربها. ثم تفاوضت إدارة الرئيس باراك أوباما مع قادة إيران وأبرمت معهم الاتفاق النووي لعام 2015، غير أن امتثال طهران الدقيق والمثبت لبنود الاتفاق لم يدفع الإدارة الأمريكية إلى تطبيع علاقات إيران الاقتصادية مع العالم كما وعدت. كما أن هذا الامتثال لم يمنع ترامب من تمزيق الاتفاق، ثم إتباع ذلك بحملة شرسة من «الضغط الأقصى»: عقوبات صارمة صُممت لإفقار الشعب الإيراني البالغ تعداده 90 مليون نسمة. واستمرت هذه السياسات في عهد الرئيس جو بايدن، رغم أنه كان قد وعد بإحياء الدبلوماسية. 

وعندما عاد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، أصبح نهج واشنطن أكثر تضليلا. فقد قال البيت الأبيض إنه مهتم بإبرام اتفاق جديد، فأرسلت إيران أكفأ دبلوماسييها وخبرائها إلى التفاوض. لكن ترامب سرعان ما أثبت أنه غير جاد. فبدلًا من تكليف مبعوثين ذوي خبرة، أرسل اثنين من المقربين إليه من عالم التطوير العقاري، وهما صهره جاريد كوشنر ورفيقه في لعب الغولف ستيف ويتكوف، وهما يفتقران تماما إلى الفهم في كل من الجغرافيا السياسية والتعقيدات التقنية النووية. وعندما فشلا، على نحو متوقع، في استيعاب عروض إيران السخية للتوصل إلى اتفاق، شن البيت الأبيض هجومه العسكري الواسع على المدنيين الإيرانيين.ونتيجة لذلك، بات قطاع واسع من الإيرانيين ينظر إلى أي حديث عن إنهاء هذه الحرب عبر الدبلوماسية، بدلا من مواصلة المقاومة والضغط على المعتدين المأزومين، بوصفه ضربا من الهرطقة. فالإيرانيون لا يبدون اهتماما كبيرا بالحديث إلى مسؤولين أمريكيين خانوهم مرارا. لكن، على الرغم من أن هذا المنظور مفهوم، فإن الجمهورية الإسلامية ستكون، في نهاية المطاف، في وضع أفضل إذا تمكنت من إنهاء الحرب في وقت أقرب لا أبعد. فإطالة أمد العداء ستؤدي إلى خسارة أكبر في الأرواح العزيزة والموارد التي لا تعوض، من دون أن تغيّر فعليًا حالة الجمود القائمة، ولا سيما مع استمرار الولايات المتحدة وإسرائيل في استهداف البنية الأساسية الإيرانية. ومع أن إيران قادرة على محو البنية الأساسية للمنطقة ردًا على ذلك، فإن هذا لا يعني الكثير للولايات المتحدة، التي تنظر إلى ما تسميهم حلفاءها العرب في المنطقة بوصفهم مجرد دروع تستخدمها في الدفاع عن إسرائيل. كما أن تدمير البنية الأساسية للمنطقة لن يعوض خسائر إيران. وقد يفضي استمرار القتال أيضًا إلى غزو بري أمريكي. ورغم أن مثل هذا الخيار سيكون خطوة يائسة تدفع واشنطن إلى مستنقع أعمق، فإنه بالكاد سيحقق مكاسب لإيران. وأخيرًا، إذا انسحبت الولايات المتحدة وغادرت قبل أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق، فلن تتمكن إيران من جني عائدات مقاومتها الباسلة للعدوان الأمريكي. 

وإذا نجح الطرفان في اختيار طريق المفاوضات، فبوسعهما السعي إلى واحد من مخرجين. الأول هو اتفاق رسمي أو غير رسمي لوقف إطلاق النار. وقد يبدو هذا، للوهلة الأولى، أفضل السبل إلى الأمام. وهو، من المؤكد، الطريق الأقل مقاومة. فلكي يتحقق وقف إطلاق النار، لن يكون على طهران وواشنطن وحلفائهما سوى أن يضعوا أسلحتهم. ولن يكونوا بحاجة إلى معالجة التوترات العميقة التي أنهكت علاقتهم لعقود.غير أن أي وقف لإطلاق النار سيكون، بحكم طبيعته، هشًا. فالدولتان ستظلان غارقتين في الشك والريبة المتبادلين، تحديدًا لأنهما لم تعالجا خلافاتهما الأساسية. وعندئذ، لن يتطلب استئناف القتال الكثير: خطأ آخر في الحسابات، أو انتهازية سياسية في غير موضعها. لذلك ينبغي للمسؤولين أن يستهدفوا المخرج الثاني: اتفاق سلام شامل. وبعبارة أخرى، عليهم أن يستثمروا هذه الكارثة بوصفها فرصة لإنهاء سبعة وأربعين عاما من العداء. 

وقد تجعل الحرب الراهنة، على فظاعتها، الوصول إلى مثل هذا الاتفاق أسهل. ذلك أنها كشفت حقائق معينة عن غرب آسيا لم يعد في وسع طهران وواشنطن تجاهلها. فقد أظهرت، أولا، أن الولايات المتحدة عاجزة عن تدمير البرامج النووية أو الصاروخية الإيرانية، حتى وهي تعمل إلى جانب إسرائيل وبدعم مالي ولوجستي من شركائها في الخليج العربي. فهذه البرامج متجذرة وموزعة على نطاق واسع إلى حد يستحيل معه محوها بالقصف. بل إن الضربات الأمريكية والإسرائيلية، في ما يتعلق بالملف النووي، لم تفعل سوى تنشيط الجدل حول ما إذا كان ينبغي لإيران أن تنسحب فعلًا من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وأن تغيّر عقيدتها الخاصة بعدم الانتشار. كما جعلت هذه الضربات من الواضح تمامًا أن الأنباء عن انهيار «محور المقاومة» ـ أي شبكة شركاء إيران الإقليميين ـ كانت مبالغا فيها إلى حد كبير. بل إن هذا العدوان، في بعض جوانبه، أعاد تنشيط مقاومة السياسة الخارجية الأمريكية عبر الجنوب العالمي، وفي بعض مناطق أوروبا، وحتى داخل أجزاء من الولايات المتحدة نفسها، حيث رفض بعض أنصار ترامب من تيار «لنجعل أمريكا عظيمة مجددا» سياساته التي تضع «إسرائيل أولا».أما بالنسبة إلى المنطقة، فإن الحرب تثبت أن محاولة الاستعانة بالولايات المتحدة لتوفير الأمن، أو شرائه منها، استراتيجية خاسرة. فعلى مدى سنوات، اعتقدت الدول العربية أنها تستطيع حماية نفسها عبر دفع الأموال للولايات المتحدة كي تقيم قواعد عسكرية على أراضيها. وفي الوقت نفسه، تجاهلت إلى حد كبير، أو رفضت، العروض الإيرانية الخاصة بترتيبات أمن إقليمية، بدءًا من اقتراحها عام 1985 ـ الذي جرى تكريسه في قرار مجلس الأمن رقم 598 ـ بأن تنشئ الدول الساحلية في الخليج العربي ترتيبًا أمنيًا إقليميًا، مرورًا بعروضها لميثاق عدم اعتداء في عام 2015، ووصولًا إلى مبادرة هرمز للسلام في عام 2019. وكانت الدول العربية ترى أن مثل هذه المقترحات غير ضرورية، لأنها كانت تعتقد أن المسؤولين الأمريكيين، عند اللحظة الحاسمة، سيساعدونها في إدارة العلاقة مع إيران وحمايتها من أي صراع إقليمي. لكن الولايات المتحدة، بدلا من ذلك، قررت أن تبدأ قصف الجمهورية الإسلامية رغم اعتراضاتهم المعلنة ـ والصادقة لدى بعضهم ـ واستخدمت قواعدها على أراضيهم لتنفيذ حملتها، كما كان ينبغي لأي شخص سليم العقل أن يتوقع. ونتيجة لذلك، تحولت البلدان العربية إلى مسارح حرب، وهو بالضبط ما كانت تريد تجنبه.كل هذه النتائج تؤكد صحة ما ظلت طهران تقوله منذ زمن طويل عن نفسها وعن النظام الإقليمي. لكن مع تعزز ثقتها بنفسها، ثمة درس آخر ينبغي لإيران أن تستوعبه. عليها أن تقبل بأن تقنيتها النووية لم تردع العدوان. بل لعلها وفرت ذريعة للهجمات الإسرائيلية والأمريكية. وقد أثبتت إيران أيضا، بطبيعة الحال، أن البرنامج النووي الإسرائيلي غير الشرعي لا يستطيع حماية الإسرائيليين من وابل يومي من الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة زهيدة الكلفة. وهذا الإخفاق يمنح سببا إضافيا للتشكيك في أن أي برنامج نووي يمكن أن يصون أمن إيران، مهما بلغ من التقدم. وفي المقابل، أكد المسؤولون المدنيون والعسكريون في إيران جميعا أن العنصر الأكثر فاعلية في دفاع البلاد الناجح كان شعبها الصامد. 

التهيؤ للسلام 

تعني هذه الحقائق أن المعاملة بالمثل ستكون العنصر الحاسم في أي تسوية، بما في ذلك مراحلها الأولى. فلبدء عملية السلام، مثلا، سيكون على جميع الأطراف في غرب آسيا أن توافق على وقف القتال ضد بعضها بعضا. وسيتعين على إيران، بالتعاون مع سلطنة عُمان، أن تضمن المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز. لكن على المسؤولين الأمريكيين أيضا أن يسمحوا بأن يكون المضيق مفتوحًا أمام إيران هي الأخرى. فالمفارقة الكبرى في الجغرافيا أن هذا المضيق، رغم أنه يجاور الأراضي الإيرانية، ظل مغلقًا فعليًا أمام إيران لسنوات بسبب العقوبات الأمريكية. وقد أدى ذلك إلى تفشي فساد واسع داخل إيران وإلى تحقيق بعض الجيران غير الممتنين أرباحًا ضخمة. لذلك، وحتى قبل التوصل إلى اتفاق نهائي، يجب على الولايات المتحدة أن تسمح ببيع النفط الإيراني ومشتقاته من دون عوائق، وبالإعادة الآمنة لعائداته.ومع اتخاذ إيران والولايات المتحدة هذه الخطوات الفورية، يمكنهما الشروع في بلورة اتفاق سلام دائم. ومن المرجح أن يتناول جزء كبير من هذا الاتفاق القضايا النووية. فإيران، على سبيل المثال، ستتعهد بألا تسعى أبدًا إلى امتلاك سلاح نووي، وأن تخفض نسبة التخصيب في كامل مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى مستوى متفق عليه يقل عن 3.67 في المئة. وفي الوقت نفسه، ستتحرك الولايات المتحدة لإنهاء جميع قرارات مجلس الأمن المفروضة على إيران، وإلغاء العقوبات الأمريكية الأحادية عليها، وتشجيع شركائها على أن يحذوا حذوها. وينبغي أن يُسمح لإيران بالمشاركة الفاعلة في سلاسل الإمداد العالمية من دون عرقلة أو تمييز. ومن جهته، سيصادق البرلمان الإيراني على البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يضع جميع المنشآت النووية الإيرانية تحت رقابة دولية دائمة. وكانت الولايات المتحدة قد طالبت، بطبيعة الحال، بشروط أشد صرامة، وفي مقدمتها وقف التخصيب تمامًا. غير أن المسؤولين الأمريكيين يدركون جيدًا أن مثل هذه المطالب أقرب إلى الأوهام. فالولايات المتحدة لن تتمكن من انتزاع ما سعت إليه من إيران وأخفقت في تحقيقه عبر حربين عدوانيتين غير مبررتين.هذه التسويات لن تنهي كل الخلافات الذرية بين طهران وواشنطن. لكنها ستسوي معظمها، ويمكن لدول خارجية أن تساعد في معالجة أكبر التحديات المتبقية: ماذا يُفعل بيورانيوم إيران؟ فبإمكان الصين وروسيا، إلى جانب الولايات المتحدة، المساعدة في إنشاء كونسورتيوم لتخصيب الوقود يضم إيران وجيرانًا مهتمين في الخليج العربي، على أن يصبح لاحقًا المنشأة الوحيدة لتخصيب الوقود في غرب آسيا. وتنقل إيران إلى هذا الإطار كل موادها المخصبة ومعداتها ذات الصلة. وكجزء إقليمي آخر من خطة السلام، ينبغي للبحرين وإيران والعراق والكويت وعُمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات واليمن، إلى جانب الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وربما مصر وباكستان وتركيا، أن يبدؤوا التعاون على إنشاء شبكة أمن إقليمي تضمن عدم الاعتداء، والتعاون، وحرية الملاحة في مختلف أنحاء غرب آسيا. ويشمل ذلك وضع ترتيبات رسمية بين إيران وعُمان لضمان المرور الآمن المستمر للسفن عبر مضيق هرمز.ولمزيد من ترسيخ السلام، ينبغي لإيران والولايات المتحدة أن تشرعا في تعاون تجاري واقتصادي وتكنولوجي يعود بالنفع على الطرفين. فبإمكان إيران، على سبيل المثال، أن تدعو شركات النفط، بما في ذلك الشركات الأمريكية الراغبة، إلى تسهيل الصادرات إلى المشترين على الفور. كما يمكن لإيران والولايات المتحدة ودول الخليج العربي أن تتشارك جميعًا في مشروعات تتصل بالطاقة والتقنيات المتقدمة. وينبغي لواشنطن أيضًا أن تلتزم بتمويل إعادة إعمار الأضرار التي خلفتها حروب عامي 2025 و2026 في إيران، بما في ذلك تعويض المدنيين عن خسائرهم. وقد يتردد بعض المسؤولين الأمريكيين إزاء الاضطرار إلى دفع مثل هذه التعويضات. لكن الدبلوماسيين الإيرانيين لن يكونوا قادرين على المضي في أي اتفاق من دون ذلك، كما أن كلفة تمويل إعادة إعمار إيران ستكون، على الأرجح، أقل بكثير من كلفة مواصلة هذه الحرب المكلفة وغير الشعبية.وأخيرا، ينبغي لإيران والولايات المتحدة أن تعلنا وتوقعا ميثاقًا دائمًا لعدم الاعتداء. وبذلك، سيلتزم الطرفان بعدم استخدام القوة أو التهديد باستخدامها ضد بعضهما بعضًا. وبعد ذلك، ستنهي إيران والولايات المتحدة مختلف التصنيفات المرتبطة بالإرهاب التي ألصقها كل طرف بالآخر. كما ستبحثان إمكان إيفاد دبلوماسيين للعمل في أقسام رعاية المصالح التابعة لكل منهما، واستعادة الخدمات القنصلية، ورفع قيود السفر المفروضة على مواطني الطرفين.لن يكون من السهل التوصل إلى هذا الاتفاق. فالإيرانيون سيظلون شديدي الشك في نيات واشنطن طوال المفاوضات. وفي المقابل، سيواصل ترامب ومسؤولوه النظر إلى طهران بعين الريبة. وقد تضطر الصين وروسيا، وربما بعض دول الإقليم أيضًا، إلى تقديم ضمانات لمعالجة هذه المخاوف المتبادلة العميقة.لكن هذه الحرب، على فظاعتها، فتحت الباب أمام تسوية قابلة للاستمرار. قد يكون الإيرانيون ممتلئين بالغضب، لكنهم قادرون على المضي قدمًا وهم يعلمون أنهم ثبتوا في وجه هجوم عسكري كاسح وغير مشروع شنته قوتان نوويتان. وقد يبقى المسؤولون الأمريكيون على نفورهم من الجمهورية الإسلامية، لكنهم باتوا يدركون الآن أن هذه الحكومة لن ترحل، وأن عليهم التعايش معها. قد تكون المشاعر محتدمة، وقد يكون كل طرف منشغلًا بالتباهي بانتصاراته في جبهة الحرب. لكن التاريخ يحتفظ، في ذاكرته الأعمق، بأولئك الذين يصنعون السلام. 

 محمد جواد ظريف أستاذ مشارك في دراسات العولمة بجامعة طهران، ومؤسس ورئيس «بوسيبيليتيز آركيتكتس». وقد شغل سابقًا مناصب نائب رئيس الجمهورية في إيران، ووزير الخارجية، والمندوب الدائم لدى الأمم المتحدة. 

 عن فورن أفيرز خدمة تربيون