غير المنظور اجتماعيًا في الحروب

04 أبريل 2026
04 أبريل 2026

في الحروب ثمة مراجعات متعددة تنخرط فيها المجتمعات، ليس فقط في سياق تكوينها السياسي، أو الاقتصادي أو العسكري. ولا ينحصر ذلك في شبكة علاقاتها الثنائية والإقليمية والدولية، وإنما مراجعات من داخل النسيج الاجتماعي نفسه تطرح أسئلة عميقة حول: من نحن؟ ما هويتنا؟ كيف تحرك هويتنا مواقفنا؟ وكيف تشكل إرثنا؟ وما علاقته بحاضرنا؟ ما الذي يجب أن يوجه هويتنا بعد الحدث؟ وهل تبقى بماهيتها وموجهاتها، أم أن الحدث ذاته أفرد بعض المراجعات الواجبة عليها؟ 

تضع الحروب المجتمعات كما تضع الدولة أمام أسئلة كبرى. هذه الأسئلة تشكلها سرديات الحرب نفسها؛ سواء تلك السرديات التي تنتجها الدولة، أو السرديات المضادة، أو السرديات المتصارعة في سياق الحرب والتي تنتجها أطرافها، غير أنه كما نؤكد دائمًا أن القبض على السردية الوطنية اليوم أصبح أحد هم عناصر قوة الدولة، وخاصة في الأزمات؛ فبقدر ما كانت السردية متزنة، ومحافظة على النسيج الاجتماعي، ومقاومة لأي استقطابات أو خطابات تزعزع ذلك النسيج تستطيع الدولة تجنيب المجتمع عديد المخاطر المباشرة وغير المباشرة والجانبية لتلك الأزمات. 

تنتج الحروب صراعات الهوية بقدر ما تنتج تداعياتها على الأرواح والمادة والسياسات والعلاقات والأقطاب والتحالفات، وفي علم الاجتماع فإن الحرب «تفهم كلحظة إعادة بناء الهوية الجمعية عبر الذاكرة والصدمة، وإعادة إنتاج المعنى». 

وكما يرى عالم الاجتماع موريس هالبواكس؛ فإن الحروب هي إعادة تعريف للذات الاجتماعية، سواء لتلك المجتمعات التي تدخل في الصراع بشكل مباشرة، أو تلك التي تكون على أطرافه، أو تلك التي تتأثر به، فهو يرى أن ما يهم أكثر من الحدث نفسه من يروي القصة، وأي سردية تصبح رسمية؟ وكيف تُدرّس للأجيال؟ 

وبالنسبة للدول فإن أسئلة الأزمة تطرح على نحو: ما حدود قوتنا ونفوذنا؟ كيف نبني تموضعنا الحضاري؟ وما الذي يحرك تأثيرنا في سياقنا الإقليمي والعالمي؟ ما الرصيد الحضاري الذي نبني عليها عناصر القوة والصمود في سياق الأزمات. 

وفي المشهد الراهن للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يتأسس الوضع على طبقات معقدة جدًا تتجاوز الطموحات السياسية والعسكرية الظاهرة إلى طموحات نفوذ قد تكون في جزء كبير منها مدفوعة برؤى عقدية وهوياتية بقدر ما هي مدفوعة بإعادة تصور للذات الحضارية، ومحاولة إعادة تعريف للأصدقاء والشركاء والحلفاء والأعداء، وتغيير البديهيات السياسية القائمة تاريخيًا. 

وفي هذا الأمر فإن الهويات والمكونات المجتمعية إحدى الأدوات التي قد تستخدم في الصراع بشكل متفاوت وفي مراحل زمنية مختلفة. وهو ما يوجب النظر إلى قوة النسيج الاجتماعي والبناء على تماسكه، وشجب كل ما من شأنه أن يمسه أو يوظفه أو يؤدلجه في سياقات المشهد الحالي. 

في عُمان نتكئ على مقومات وطنية واجتماعية من الضرورة بمكان الانتباه لها، والحفاظ عليها، والبناء عليها استعدادًا لمشهد طويل المدى، ومعقد في تجاذباته - أيما كان أمد الحرب المباشرة - هذه المقومات يقودها أولًا الهوية السياسية للدولة؛ فالحياد الفاعل، والنظرة الاستراتيجية غير المجزأة للمواقف والأحداث، والحسابات الدقيقة لموازين القوة ومآلات الصراع، والحفاظ على منطق الحق والحقيقة، لم تعد مجرد موجهات سياسة خارجية يقودها جهاز سياسي منفصل عن المجتمع، بل أصبح تكوينًا اجتماعيًا مرويًا في سردية الأفراد، ووعيهم، ومنغرسًا في فهمهم وتعاملاتهم. 

وهو ما يشكل عامل قوة يوجب الحفاظ عليه وتعزيزه بالتواصل السياسي الفاعل مع المجتمع والتأكيد المستمر على ذات التوجهات والمواقف. المقوم الثاني هو في وجود أسس قانونية ونظامية للحد من الاستقطاب والطائفية والنزعات التي من شأنها تفكيك الوحدة الاجتماعية أو تمهيد الطريق للاستقطابات لإيديولوجيات خارجية، وهذا المقوم مهم وحرج في المشهد الراهن ليس فقط في اعتماله، وإنما ما قد ينشأ عنه من آثار اجتماعية وصور على المدى البعيد في ذاكرة الأجيال، وتكوينهم الفكري. 

ومن هنا فإن التشديد عليه بسلطة القانون والإعلام ضرورة وجود بالنسبة للدولة في فترات الأزمات والصراعات. 

إلى جانب ذلك تبرز ثلاثة مقومات متشابكة أيضًا تشكل هذا الرصيد العُماني، وهي قيادة الدولة للهوية الوطنية الجامعة، وقوة رأس المال الاجتماعي، والاعتدال الديني، وهندسة الهوية الجامعة عبر خطاب وطني جامع لم يكن حصيلة اللحظة، وإنما تراكم واعٍ تأسس لعقود نجني ثماره اليوم، ولكن الأهم هو مواصلة البناء عليه وتأكيده إلى جانب التماسك والثقة الاجتماعية بين مختلف مكونات المجتمع والتي هي عمود رأس المال الاجتماعي. 

تسند هذه المقومات مساحة حرة معقولة للمشاركة والتفاعل المجتمعي؛ إذ نرى تعددًا واضحًا وطبيعيًا للآراء لا يتم توجيهه أو السيطرة عليه في سياق ما يحدث من تجاذبات ما لم يكن ذلك التفاعل ماسًا بالوحدة الوطنية، وبالمقومات الأصيلة لديمومة المجتمع، وهي حالة صحية تشكل أساسًا لاستقرار المجتمعات في أوقاتٍ مثل هذه. 

ويبرز مقومان آخران يكملان ذلك في سياق الإدارة الاقتصادية للموارد؛ فهناك استخدام حذر للموارد المتاحة، واندماج واعٍ في الاقتصاد العالمي دون محاولة للدخول في صراع الأطراف الكبرى مع المحافظة على مسافة واعية في التعاطي الاقتصادي مع الفاعلين الاقتصاديين الكبار عالميًا. 

كما تقود الدولة خطابا متزنا، ثابتا، وغير تعبوي يحافظ على نسقه، ويحدد المواقف بوضوح، ويتحاشى إلى حد كبير الإثارة والتعبئة الاجتماعية، وهو مقوم يشكل أبرز أدوات التكيف المطلوبة في اللحظة الراهنة. 

إننا بقدر ما نفخر في عُمان بالاتزان والتجربة التاريخية والحضارية التي شكلت (الشخصية العُمانية) بأبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية بقدر ما يجب أن يدفعنا ذلك لإيجاد الآليات الدائمة والمستمرة للحفاظ على نسق هذه الشخصية، وإعادة بنائها وتشكلها المستمر مع الحفاظ على موجهاتها الأصيلة والفاضلة. 

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان