لا حل للعالم الحائر في ترامب إلا انتظار رحيله

04 أبريل 2026
04 أبريل 2026

ترجمة: أحمد شافعي 

الولايات المتحدة الأمريكية بلد استثنائي. تراه يومًا في الجانب الآخر من القمر يحيي عصر الفضاء. وفي اليوم نفسه، ينظر رئيسه إلى الجانب الآخر من كوكب الأرض قائلا إنه سوف يعيد إيران «إلى العصر الحجري»، فقد تكون هذه قفزة هائلة للإنسانية، ولكن في أي اتجاه؟ 

لا يمكن أن يكون من مغزى عدا التباهي لإرسال بشر إلى القمر، ولذلك فقد مر أكثر من خمسين على إرسال آخر البشر إلى هناك. وذلك لأن بوسع الروبوتات أن تفعل كل ما نحتاج إلى فعله في الفضاء. 

أما إعادة الإيرانيين إلى العصر الحجري فمسألة مختلفة. ولقد كانت آخر مرة تعهدت فيها الولايات المتحدة بمثل ذلك هي حالة فييتنام التي وجه إليها الجنرال كورتيس ليماي تهديدا مطابقا (طالما انتزع من سياقه). ثم سحقت فييتنام الولايات المتحدة في الحرب التي أعقبت ذلك التهديد.ولقد بات مستحيلا فهم حرب إيران، لأن من الواضح للغاية أنها صنيعة رجل واحد يدفعه الغرور الشخصي، ويريد أن يرغم العالم على الرقص على لحنه. وقد انضم إليه في سعيه إلى الفوضى العالمية من يماثله في التفكير، أي فلاديمير بوتين.ولطالما قاد أمثال هذين الرجلين البلاد إلى الكوارث الجماعية، لكن قيام الاثنين بذلك في الآن نفسه هو سوء الحظ الكبير. ومن هنا نشأت الحاجة الماسة إلى إدراك طبيعة الرجلين: وهما محض رجلين يسيطران على قوة هائلة. وهما غير ممثلين لبلديهما. ونعرف أنه لولاهما لما قامت حربان على الأرجح. فعلى العالم أن يتخذ ردود أفعاله بما يجب من واقعية وتناسب.لا خلاف على أن إيران تمثل منذ أمد بعيد قوة اضطراب في الشرق الأوسط. لكن ترامب وصل إلى البيت الأبيض وهو ينبذ بشدة تدخلات الولايات المتحدة السابقة في المنطقة على أيدي رؤساء جمهوريين وديمقراطيين. فلو أنه الآن كان في المعارضة لكان ينتقد هذه الحرب انتقادا شديدا. ولكن غواية السلطة غلبته وساقته إلى عنف مريع. من المرجح أن ترامب نادم فعليا على ما فعله، بل إنه قد يكون من مصلحة العالم أن يساعده على الخلاص. وقد ينتقم من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي أقنعه بالإقدام على ما أقدم عليه. لكن عليه في أي من الحالتين أن يخلّص نفسه، بمثل ما فعل ريتشارد نيكسون في فييتنام وبمثل ما فشل باراك أوباما في أن يفعله في أفغانستان. ويبدو أن طريقته في هذا هي أن يترك وراءه سيلا من التهديدات المريعة والدمار. 

فهو في يوم يزعم أنه محى قدرة إيران النووية، وفي يوم آخر يوعز استمراره في خوض الحرب إلى القدرة النووية. وفي يوم يعرض مساعدة المتظاهرين الإيرانيين في الشوارع، ثم في يوم آخر يقصف هذه الشوارع نفسها. في يوم يكون طموحه هو تغيير النظام، وفي يوم آخر يقول إن هذا الهدف تحقق بالفعل. 

ولو كان الأمر تكرارا للاختطاف الفنزويلي في يناير، فلعله كان لينتهي على خير باغتيال كبار قيادات إيران. لكن الوضع لا يزال يبدي نذر تصعيد عسكري كلاسيكي. وكلما فشلت مرحلة في تحقيق النجاح، تكون مقدمة مرحلة أخرى قادمة أشد دموية. وترامب الذي تعهد ذات مرة بعدم إرسال قوات برية أمريكية مطلقا، يبدو شديد الانتشاء بعملية «الصدمة والرعب» ـ التي وصفها بالممتعة ـ لدرجة الظن بأن في إرساله قوات برية إنقاذا لماء وجهه.في ظل هذه الظروف، ينظر الجميع بصورة طبيعية إلى القيود الدستورية المفروضة على الرئاسة الأمريكية. وفي ولاية ترامب الأولى كانت تلك القيود جزءا من البيت الأبيض بوجود من وصفوا بالراشدين الذين كانوا يكبحونه في لحظات جموحه. 

لكن ترامب ضمن عند عودته إلى البيت الأبيض ألا يوجد من أولئك الراشدين إلا قلة إن وجدت، مكتفيا بالموالين والمنافقين. ويتزايد الكلام عن الاستناد إلى التعديل الخامس والعشرين الذي يتيح إعلان عدم أهلية الرئيس للحكم، ويقال إن فرص حدوث ذلك ضئيلة. 

قد يكون من الصعب أن نصدق أن حديث ترامب عن التصعيد قبل الانسحاب أمر يحظى بتأييد وزير خارجيته، ماركو روبيو، أو نائبه، جيه دي فانس. ومن المرجح أن يكون مستشاره المقرب ستيفن ميلر، ووزير دفاعه بيت هيجسيث، من الصقور. والجميع حتى الآن في ما يبدو عاجزون عن رده إلى الانضباط. 

فمن يصدق أن أحدا لم يحذره من التهديد بقصف محطات الطاقة والتحلية الإيرانية؟ برغم أن الرد الإيراني المحتوم بقصف محطات التحلية في قطر والبحرين كفيل بأن يجعل البلدين غير صالحين للحياة، فيكون هذا التلويح الحربي مجاوزا لحدود انعدام الإحساس بالمسئولية. أما عن قيود الكونجرس والمحكمة العليا المفترضة، فقد ظهر عجزها التام، ولم يبق أمام العالم إلا أن يتابع وينتظر. فقد لانت المؤسستان أمام أنصار ترامب وقوته الانتخابية. ولا بد أن انتخابات التجديد النصفي المنتظرة خلال العام الحالي سوف تغير هذا الوضع. فمن شبه المؤكد أنها سوف تأتي بأغلبية ديمقراطية، وتفضي إلى رفض الكونجرس لـ»صلاحيات الطوارئ» واحتمال عزل الرئيس. وطالما حاول الرؤساء الالتفاف على الكونجرس، ومنهم أوباما عند ضربه ليبيا سنة 2011. فالأمر على أقل تقدير يعني الإرغام على معركة. أما عن رد فعل العالم الخارجي، فيبدو ترامب عاقدا العزم على إغضاب من كانوا حلفاء له ولكنهم امتنعوا عن دعمه. وهو يوجه الإهانات إليهم كل يوم، ويرفع الرسوم الجمركية على سلعهم، ويعلن أنه مستعد للتخلي عن الناتو. ومن يدري ما الذي سوف يفعله أو يمتنع عن فعله؟ فخير لهؤلاء الحلفاء أن يلعبوا على عنصر الزمن. الأمر الوحيد المؤكد في الولايات المتحدة هو أن التعديل الدستوري الثاني والعشرين يفرض حدا زمنيا على الرئاسة. فالزمن هو الضمانة الكبرى للديمقراطية الأمريكية. ومن المؤكد أن قاعدة ترامب الانتخابية سوف تضعف بعد انتخابات التجديد النصفي، وسوف يجد خصومه أن صوتهم يقوى، لا في الكونجرس وحده ولكن في الولايات أيضا وفي الصناعة والجامعات والإعلام، وسوف يرفض الكونجرس أي طلب للخروج من الناتو. 

لعل العالم الذي طالما اعتمد على التحالفات والولاءات والتفاهم والثقة حائر الآن في كيفية التعامل مع الولايات المتحدة في ظل حكم ترامب. ولقد تحلت القوى الأوروبية بالحكمة حينما نأت بنفسها عن حرب إيران، وبقيت على ولائها لأوكرانيا في الحرب التي لم يتسبب الغرب فيها ويجب أن يعود حلها الآن إلى صدارة المشهد. 

وفي حين يؤكد المتشائمون أن علاقات الولايات المتحدة بأوروبا لن تنجو مطلقا من ترامب، فإنني لا أجد سببا لهذا. صحيح أنه سوف يلزم بذل جهد كبير لإصلاح الضرر الذي ألحقه ترامب بوضع بلده العالميـ ولكن من المؤكد أن أي رئيس يحل محله سوف يبذل هذا الجهد، فترجع الطائرات المقاتلة إلى سفنها، ويرجع النفط ليتدفق عبر مضيق هرمز مرة أخرى، ويكرس أصدقاء الولايات المتحدة أنفسهم لنسيان زمن ترامب. 

لذلك كان كير ستارمر محقا عندما دعا المملكة هذا الأسبوع إلى الواقعية والتعاون مع أوروبا في ما يتعلق بالأمن الاقتصادي والدفاعي. فلا بد أن تتحرك القارة مجتمعة ومتحدة ومنحِّية سخافة البريكست الطفولية. وإن نجحت، فقد ينجم شيء ذو معنى عن هذا الوقت الكابوسي الذي نعيشه الآن. 

سيمون جينكنز من كتاب أعمدة الرأي في ذي جارديان