دعـاةُ الـسّـلام والحــرب
مـنـذ عـودتـه إلـى الـبـيـت الأبـيـض رئـيـسـاً لـولايـة ثـانـيّـة شرع دونـالـد تـرامـب فـي تـقـمُّـص دور رجـل السّـلام فـي الـعـالـم الـقـادم إلـى السّـيـاسـة الـدولـية لـنـزع فـتـائـل أزْمـاتـهـا، وإطـفـاء حـرائـق مـا انـدلـع مـن نـيـرانٍ فـي بـعـضـهـا.
أجـاب بـعـضُ ذلـك الـدّور المـنـتَـحَـل عـن الـتـزام انـتـخـابـي سـبـق لـه أن قـطـعـه عـلى نـفـسـه أمـام جـمـهـوره الـنّـاخـب، ويـقـضـي بـوضـع نـهـايـة لانـخـراط أمـريـكـا فـي الحـروب بـعـد الـذي أتـاهـا مـن وراء ذلـك الانـخـراط مـن سـوء الـتّـبعـات عـلى قـواهـا الـبـشـرية والاقـتـصـاديّـة.
لـكـنّـه مـا اكـتـفـى بـالسّـعـي نـحـو إخـراج بـلاده مـن أنـفـاق الحـروب -كـمـا ادّعـى-، بـل زاد عـلى ذلـك بـإضـافـة ادّعـاءٍ مـواز أكـبـر مـفـاده اعـتـزامـه الانـصـرافَ إلـى رسـم سـيـاسـةٍ جـديـدة لإنـهـاء الحـروب فـي الـعـالـم، ونـشْـر السّـلـم مـن طـريـق رعـايـة الـتّـسـويات السّـيـاسـية واتّـفـاقـات السّـلام بـيـن الـقـوى الـمتـحـاربـة فـي العـالـم. وهـو كـان قـد وَعَـدَ - قـاطـعـاً عـلى نـفـسـه وعْـدَه - بـأن يـتـدخّـل بـيـن روسـيـا وأوكـرانـيـا قـصـد إنـهـاء الحـرب بـيـنـهـمـا مـوحـيـاً إلـى الجـمـيـع أنّـه قـادرٌ عـلى ذلـك، ولـن يـكـلّـفـه مـن الجَـهـد والـوقـت إلاّ قـليـلَـه، ومـعـوِّلاً - فـي الـوقـت عـيـنِـه - عـلى أن يـوفّـر لـه نـجـاحُـه فـي مـسـعـى الـوسـاطـة مـوقـعـاً مـرجـعـيّـاً مـمـيَّـزاً لـتـسـويـة الـنّـزاعـات والحـروب الأخـرى.
لـكـنّ صاحـب الوعْـد أَخـلـف وعـدَه مـع جـمـهـوره؛ فـمـا اقـتـدر عـلى إنـهـاء حـربٍ بـيـن روسـيـا وأوكـرانـيـا كـان يـقـول - قـبـل إعـادة انـتـخـابـه - إنّـه لـن يُـنْـفـق فـي وقْـفـهـا أكـثـر مـن نـصـف سـاعـة، وكـان يُـنْـحـي عـلى سـلـفـه (جـو بـايـدن) بـأقـذع الشّـتـائـم تـعـيـيـراً لـه بـعـجـزه عـن وقـفـهـا بـعـد عـجـزه عـن مـنـعـهـا. ولـمّـا كـان لا بـدّ مـن تـفـسـيـرٍ لـهـذا الـفـشـل الـذي أبـداه هـو وفـريـقـه السّـيـاسـيّ (سـتيـڤ ويـتـكـوڤ، وجـاريـد كـوشـنـر، ومـارك روبـيـو) إزاء الحـرب تـلك وفـصـولِـهـا المـتـجـدِّدة المسـتـفـحـلـة؛ كـان لا مـنـدوحـة عـن اصـطـنـاع نـصـرٍ سـيـاسـيّ للـتّـعـويـض عـن ذلـك الإخـفـاق والـتّـغـطـيـة عـلـيـه وصـرف الأنـظـار عـنـه.
هـكـذا أَلْـفـيـنـا رئـيـس الـولايـات المـتّـحـدة الأمـريـكـيّـة يـنـتـحـل لـنـفـسـه دور صـانـع السّـلام فـي نـزاعـاتٍ سـيـاسـيّـة سـمّـاهـا حـروبـاً (!) - مـن بـاب تـكـبـيـر الـدّور وتـضـخـيـم الـنّـتـيـجـة - مـن نـوع الـنّـزاعـات الـتي نـشـبـت بـيـن صـربـيـا وكـوسـوڤـو أو بـيـن مـصـر وإثـيـوبـيـا حـول «سـدّ الـنّـهـضـة»، أو فـي نـزاعـاتٍ عـسـكـريّـة حـدوديّـة ( تـايـلانـد وكـمـبـوديـا، الكـونـغـو الـدّيـمـقـراطـيّـة وروانـدا، أذربـيـجـان وأرميـنـيـا) كـانـت الـمـفـاوضـات بـيـن قـواهـا قـد اتّـصـلـت قـبـل وصـول تـرامـب إلـى البـيـت الأبـيـض. عـلى أنّ الأدعـى إلـى السّـخـريّـة أن يـقـال: إنّ إدارة تـرامـب حـقّـقـت «سـلامـاً» بـيـن إيـران و«إسـرائـيـل» بـعـد حـرب يـونـيـو 2025، وبـيـن «إسـرائـيـل» و«حـمـاس» والمـقـاومـة فـي غـزّة، ثـمّ بـيـن الهـنـد وبـاكـسـتـان؛ وهـو الـقـولُ الـذي لا يـمـلـك أحـدٌ فـي الـعـالـم - بـمـن فـيـهـم الـفـريـق السّـيـاسـيّ للـرّئـيـس - أن يـمـنـع نـفـسـه مـن أن يـقـابـلـه بـابـتـسـامـةٍ - أو بـقـهـقـهـة - كـمـا تُـقـابَـل كـلُّ مـزحـة.
لـيـس مـعـلـومـاً مَـن يـكـون الشّـخـص الـذي وسـوس لـتـرامـب بـأنّـه يـسـتـحـقّ أن يُـمْـنَـح جـائـزة نـوبـل للسّـلام للـعـام 2025.
مـا مـن شـكٍّ فـي أنّـه شـخـصٌ لـئـيـمٌ أراد بـرئـيـسـه سـوءاً، وهـل أكـثـرُ السُّـوء أن تـرفـض الأكـاديـمـيّـةُ مـنـحَـه الجـائـزةَ بـعـد إذْ وَقَـر فـي نـفـسـه أنّـهـا آتـيـةٌ لا ريـب فـيـهـا؟ عـلى أنّـه قـد لا يـكـون هـنـاك شـخـصٌ مّـا زيَّـن لـدونـالـد تـرامـب فـكـرة الجـدارة والاسـتـحـقـاق، وأن تـكـون الـفـكـرةُ هـذه مـن وحـي خـيـالـه الخـلاّق.
فـي كـلّ حـال كـان غـريـبـاً حـقّـاَ أن يـنـتـظـر تـرامـپ تـوسـيـمـه بـجـائـزة نـوبـل للسّـلام، وأن يـصـدّق أنّـه صـانـع سـلامٍ، بـالفـعـل، وأنّ رصـيـده مـنـه ثـمـانُ حـالاتٍ مـن «الحـروب» الـتي أنـهـاهـا وأنـقـذ بـإنـهـائـهـا أرواح مـئـات الآلاف -كـمـا لـم يـتـوقّـف عـن الـقـول والـتَّـكـرار-!
إنّ مَـن يـقـدّم الـدّعـم الـعـسـكـريّ لـدولـة الاحـتـلال فـي حربـهـا عـلى غـزّة، ويـغـطّـي عـلى أفـعـال الإبـادة الجـمـاعـيّـة بـالـمـسـانـدة السّـيـاسيّـة لـهـا فـي مـجـلـس الأمـن، ويـعـاقـب «مـحـكـمـة الجـنـايـات الـدّولـيّـة» وقُـضـاتـهـا عـلى مـوقـفـهـم الـمُـديـن لـمـحـرقـة غـزّة، ويـسـتـكـمـل مـا بـدأتـه دولـةُ الاحـتـلال مـن حـربٍ عـلى إيـران فـي الـعـام 2025 بـقـصـف مـنـشـآتـهـا الـنّـوويّـة لـيـس لـه أن يـنـتـظـر مـنـحَـه الجـائـزة عـلى مـا فـعـلَـه بـالـعـالـم، هـذا مـن غـيـر أن نـنـسـى الحـقَّ الـذي رخّـصـه لـنـفـسـه فـي الهـجـوم عـلى جـائـزة نـوبـل والـقـائـميـن عـلـيهـا وتَـخْـطـئـتِـهـم فـي قـرارهـم القـاضـي بـمـنـحـهـا إلـى غـيـره (إلـى مـاريـا كـوريـنـو مـاتـشـادو المـعـارِضـة الـڤـنـزويـلـيّـة لـنـظـام الـرّئـيـس الشّـرعـيّ المـخـتـطَـفِ الأسـيـر نـيـكـولاس مـادورو).
قـد يـقـول قـائـل: إنّ دونـالـد تـرامـب أتـى إلـى السّـلـطـة محـمـولاً عـلى صـهـوة جـمـهـورٍ أمـريـكـيّ نـاقـمٍ عـلى سـاسـتـه الـذيـن ورّطـوا الـبـلاد فـي حـروبٍ دفَـع الشّـعـبُ أثـمـانـهـا مـن أرواح أبـنـائـه وسـلامـة أبـدانـهـم، ومـن حـقـوقـهـم الاجـتـمـاعـيّـة الـتي تَـأذّت كـثـيـراً مـن جـرّائـهـا، وأنّـه مُـحِـضَ الـتّـأيـيـدَ مـنـهـم مـن أجـل وقـفِ هـذا الـنّـزيـف. ولـقـد تـجـد مـن بـيـن مـصـدِّقـي هـذه الـفـرضـيّـة مـن يـعـزّزهـا بـالقـول: إنّ تـرامب عـدوّ ٌ- أو عـلى الأقـلّ خـصـمٌ عـنـيـد - لِـمَـا يُـسـمَّـى «الـدّولـة العـمـيـقـة» فـي الـولايـات المـتّـحـدة الأمـريـكـيّـة (الـبـنـتـاغـون، السّي آي إيـه، أل إف بـي آي...)، وهـي الـتي تـنـهـض بـمـهـمّـة الحـرب، وتـسـتـولـي فـيـهـا عـلى أدوار السّـيـاسـة.
وتـجـد فـي جـمـلـة هــؤلاء مَـن يـفـتـرض أنّ تـرامب مـمـثـلٌّ لـمـصـالـح الـقـوى الاقـتـصـاديّـة الـمـدنـيّـة مـصـطـدمٌ؛ بـالـتّـالـي بـمـصـالـح المجـتـمـع الصّـنـاعـيّ العـسـكـريّ...إلـى غـيـر ذلـك مـن الفـروض الـوهـمـيّـة الـمـصـروفـة لـتـظـهـيـر صـورتـه بـمـا هـو «رجـل سـلام»!
ولـعـمـري إنّ فـي سـيـاسـة دونـالـد تـرامب وفـريـقـه السّـيـاسـيّ والاسـتـشـاريّ كـفـايـةٌ للـرّدّ عـلى مـثـل هـذا «التّحـلـيـل» الافـتـراضـيّ والصّـورة الـمـتـخـيَّـلـة؛ إذْ هـا هـو الـرّئـيـس الأمـريـكـيّ عـلى أَظْـهـر وئـامٍ مـع مـؤسّـسـةٍ عـسـكـريّـة أمـريـكـيّـة ظـنّ الـواهـمـون أنّـهـا سـتـحـصـل مـنـه عـلى اسـتـراحـةٍ مـديـدة سـيـتـضرّر مـنـهـا المـجـمَّـعُ العـسـكـريّ وقُـواهُ، وسـتُـقْـفـل بـهـا مـصـانـعُ الأسـلحـة. وهـا هـو رئـيـس «السّـلام» يـطـلـب رسـمـيّـاً وفـي الـعـلـن مـن شـركـات الـسّـلاح إنـتـاج حـاجـة الجـيـش مـن الأسـلـحـة والـذّخـائـر للـحـرب بـعـد طـلـبـه مـن الكـونـجـرس تـأمـيـن مـائـتـي مـلـيـار دولار إضـافـيّـة لـمـيـزانـيّـة الحـرب عـلى إيـران!
عـبـد الإلـه بـلـقـزيـز باحث ومفكر مغربي
