لماذا لم نعد نثق في أمريكا ؟

14 مارس 2026
14 مارس 2026

الحرب الحالية الغاشمة التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني على إيران التي تجاوزت أسبوعها الثاني، هي حرب غير مشروعة ولا أخلاقية، أولا، من ناحية أن الحرب بدأت في فترة اقتراب من التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.

ثانيا، أن الحرب كانت لا أخلاقية عندما قصفت الولايات المتحدة الأمريكية أو حليفتها إسرائيل مواقع مدنية راح ضحيتها مدنيين عزّل -على غرار ما تفعله إسرائيل في غزة ـ منها مدرسة للبنات في إيران، والتي راح ضحيتها ما يقرب من 200 طالبة، حيث أنكر الرئيس الأمريكي قصف المدرسة، ثم بين التحقيق بعد ذلك أن الجيش الأمريكي هو من قصفها، ليضع الإدارة الأمريكية في موضع عدم الثقة، وأنها لا تلتزم بأخلاق الحروب.

هذا يعيدنا إلى ما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية في حروبها السابقة في العراق، والمشاهد المخزية هناك، وكذلك في أفغانستان، وفي سجونها في غوانتانامو وغيرها؛ كل ذلك يؤكد ويبرهن بأن العالم لم يعد يثق في الولايات المتحدة الأمريكية التي فقدت الموضوعية والأخلاقية في التعامل في الحروب وغير الحروب.

كما أن الإدارة الأمريكية فقدت الصدق في التعاملات الخارجية ومع الحلفاء الذين لم يعودوا يثقون بها؛ ويكفي ما نراه الآن في منطقة الخليج العربي والحرب الدائرة التي تدفع ثمنها الدول الخليجية عبر استهداف مواقعها المدنية والاقتصادية، ولم نجد أي دور حقيقي وفاعل للحماية الأمريكية المنوطة، والتي تعتبر اتفاقًا أمنيًا ودفاعيًا مع بعض هذه الدول؛ فتخلت عن مسؤوليتها واتجهت إلى تركيز ثقلها الدفاعي لحماية حليفتها إسرائيل؛ لتتبين لنا معادلة جديدة واضحة، وهي أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست حليفا موثوقا، وإنما على العكس، جاءت بوبالها على المنطقة بدل تأمينها، وكانت سببا مباشرا -مع الكيان الصهيوني- في الحرب الحالية.

ولهذا نجد أن بعض الدول العربية فقدت الثقة بشكل واضح بالولايات المتحدة الأمريكية، ولعل رسالة رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور التي وجهها إلى الرئيس ترامب عبر منصة «أكس» تلخص حالة السخط وعدم الثقة بالولايات المتحدة الأمريكية التي تتحرك إداراتها وفق الطموحات الإسرائيلية التوسعيّة في المنطقة، ويتوافق هذا أيضا مع ما حذر منه معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية بأن إيران ليست الهدف الوحيد في هذه الحرب، وإنما يكمن المشروع في إعادة تشكيل المنطقة بأكملها.

بجانب ما سردناه من تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية وتجاربها في الحروب التي أثبتت -وليس فقط مع الإدارة الحالية- بأنها تدير حروبا معظمها غير مبرر، فإنها تسعى بواسطتها بشكل جلي إلى الاستيلاء على ثروات الشعوب وتدميرها وتدمير مقدراتها.

هذا ما أثبتته أيضا حرب غزة التي تعهدت فيها الولايات المتحدة الأمريكية بأن تكون ضامنًا لتحقيق السلام في غزة وإيقاف الحرب، وفي حين أننا وجدنا أن هناك تشكيلا لما يعرف بمجلس السلام، والذي لم يكن إلا واجهة وتغطية أمريكية للحرب الإسرائيلية، ولاستكمال إسرائيل حرب الإبادة في غزة بغطاء أمريكي وغطاء دبلوماسي؛ فغزة ما زالت دامية، وما زالت إسرائيل تسيطر على المعابر، وتمنع الدخول والخروج إلا بما تريد وتختار، وتمارس هجماتها المتكررة وعمليات الاغتيال، وهجومها العسكري المستمر على غزة حتى هذه اللحظة، وفي حين أن الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها الضامن المفترض لوقف هذه الحرب لا تتحدث عن ذلك ولا تنكر هذا التصعيد الإسرائيلي الحاد في غزة؛ فكيف لنا أن نثق بالإدارة الأمريكية بما تظهره من سياسات متحيّزة؟

فقداننا للثقة بالولايات المتحدة الأمريكية نتيجة لمسارها السياسي والعسكري غير المتزن في العالم ومنطقة الشرق الأوسط، أوصلنا إلى توسيع رقعة عدم الثقة في القطاع الرقمي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة -بنسبة كبيرة- خصوصا فيما يتصل بالذكاء الاصطناعي. ولتوضيح الصورة، فما نقصده هنا يتعلق بالاتفاقية التي وقعتها شركة «أوبن إيه آي» المالكة للنموذج التوليدي «شات جي بي تي» مع وزارة الحرب الأمريكية، والتي بموجبها فإن البيانات التي تصدر عن «شات جي بي تي» أو تمتلكها شركة «أوبن إيه آي» بشكل عام -التي تعكس في مجملها بيانات المستخدمين- تكون تحت سيطرة وزارة الحرب الأمريكية.

ورغم زعم الشركة الرقمية -محاولة لحفظ ماء الوجه أمام مستخدمي نماذجها- بأنها ستتمسك ببعض ما أسمته «الخطوط الحمراء» المتعلقة بحقوق مستخدميها وبياناتهم، لا تعكس الاتفاقية المبرمة مع وزارة الحرب الأمريكية إلا عكس ذلك، وبالتالي؛ فإن انعدام الثقة بالولايات المتحدة الأمريكية الممتد من سلوكها العسكري والسياسي غير المتزن يتقاطع أيضا مع قطاع التقنية؛ فيوسّع من دائرة فقداننا الثقة بها. لهذا، أثار هذا الأمر حفيظة كثير من دول العالم التي لم تعد تثق بالولايات المتحدة الأمريكية واستعمالاتها المحتملة غير الأخلاقية لهذه البيانات، والتي قد يكون من السهل منحها أو مشاركتها مع حلفائها، وخصوصا مع حليفها الأبرز الكيان الصهيوني الإسرائيلي.

بالتالي فإننا، نحن العرب، من أكثر المتضررين من مثل هذه الاتفاقيات التي يمكن أن يترتب عليها تسرّب بيانات مهمة؛ فنحن لا نعلم حجم البيانات التي يمكن أن تخرج عبر شركة «أوبن إيه آي» وعبر نموذجها «شات جي بي تي» نتيجة الاستعمالات الرسمية وغير الرسمية؛ إذ لا يمكن حصر استعمال نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية في حدود الاستعمالات الفردية اليومية البسيطة؛ فيمتد الأمر -كما تظهر بعض التقارير- إلى مهام رسمية لدى بعض الأفراد أو المؤسسات، ومن ضمن هذه البيانات ما يمكن أن يُصنَّف على أنه بيانات سرية أو بيانات ذات حساسية عالية.

لكن لا يعني انعدام الثقة الحالية في الولايات المتحدة الأمريكية أننا فقدنا الأمل في تشكّل إدارة حكيمة لهذه الدولة؛ وإنما على العكس من ذلك، فإن ما أسفرت عنه هذه الحروب، وما أظهرته من تحكّم صهيوني داخل الإدارة الأمريكية الحالية والتي سبقتها، بدأ يولّد وعي داخلي في الولايات المتحدة الأمريكية -سواء داخل الحكومة الأمريكية أو بين عامة الشعب الأمريكي- يؤكد أهمية العودة إلى المبادئ الإنسانية والأخلاقية التي يقرّها الدستور الأمريكي؛ وبالتالي يرى كثيرون أن هناك خطا للعودة وتصحيح المسار في الولايات المتحدة الأمريكية مستقبلا، ومن الممكن أن يتحمل مسؤوليته جيل قادم بدأ يتشكّل الآن لا يؤمن بالرؤية الصهيونية، ولا يرى في التحالف مع الكيان الإسرائيلي أولوية، وعلى النقيض، يرى أن الأهمية تكمن في أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية دولة قائمة على أطر أخلاقية واضحة.

هذا ما نتوقعه نتيجة الإرهاصات الحالية وما تفرزه الأحداث الحالية، وما يتكشّف يوما بعد يوم من وقائع تسهم في تشكيل وعي جمعي داخل المجتمع الأمريكي على وجه الخصوص وفي العالم أجمع على وجه العموم، والذي يبدو أنه يُعِدّ نفسه لتجاوز هذه المرحلة الصعبة التي فقدت فيها الولايات المتحدة الأمريكية جزءا من قدرتها العالمية وثقة المجتمع الدولي بها.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني