لإنقاذ الديمقراطية.. حاربوا التفاوت بين الناس
27 أبريل 2026
27 أبريل 2026
ضم اجتماع الحشد التقدمي العالمي الذي اختتم أعماله مؤخرا في برشلونة قادة سياسيين، وصُـنّاع سياسات، ونشطاء من مختلف أنحاء العالم، يجمعهم قلق مشترك: الديمقراطية تحت الهجوم.
وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الاجتماع بأنه جهد جماعي في مواجهة صعود الاستبداد على مستوى العالم، بينما دعا الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا إلى إعادة بناء التعددية و«إعادة العدالة الاجتماعية إلى مركز الأجندة العالمية».
إلى جانب هذه التصريحات، أشار الاجتماع إلى إجماع ناشئ على أن الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية يتطلب إعادة النظر في أسسها الاقتصادية. وكما لاحظ لولا دا سيلفا، من غير الممكن أن تبقى الديمقراطية ما لم تعمل على تحسين مستويات معيشة الناس.
يكمن وراء هذه المشاعر إدراك حقيقة مفادها أن نظامنا الاقتصادي الحالي - القائم على الأسواق الحرة، والتدخل الحكومي المحدود، وأولوية الاختيار الفردي - فشل في تحقيق الرخاء المشترك أو الحفاظ على الحكم الديمقراطي. وعلى نحو متزايد، بات بقاء هذا النظام يعتمد على الإكراه والممارسات الاستبدادية. وبالتالي، فإن الخطاب المؤيد للديمقراطية الذي يسعى إلى الحفاظ على الوضع الراهن يجازف بتعميق الأزمة.
كان النموذج الاقتصادي السائد سببا في تآكل الاستقرار الوظيفي، وإضعاف حماية العمال، وخصخصة الخدمات العامة الأساسية، تاركا شرائح واسعة من المجتمع مكشوفة وعُرضة للخطر. بالنسبة لكثيرين، كان هذا يعني عملا غير مستقر، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتضاؤل آفاق المستقبل. ولم تكن النتيجة مجرد ضائقة اقتصادية، بل أيضا شعورا عميقا بالخذلان والسخط.
كان لهذا السخط الاقتصادي عواقب سياسية بعيدة المدى. فعندما تفشل الديمقراطية الليبرالية في توفير الرفاهة المادية، والحماية الاجتماعية، وحِس العدالة والإنصاف، تعمل القوى المعادية للديمقراطية، وخاصة تلك على أقصى اليمين، على توجيه الإحباط والغضب الشعبيين نحو المهاجرين، والأقليات، وأعداء مُـتَوَهَّمين. في الوقت ذاته، تقدم الحركات الاستبدادية نفسها على أنها أدوات لتعزيز أجندات اقتصادية لم تعد تعتمد على موافقة العمال، بل على إكراههم.
في صميم هذا النموذج الفاشل تكمن أسطورة قوية تزعم أن الأسواق تعمل عمل الحكام المحايدين على الجدارة، وتكافئ الأفراد وفقا لجهدهم ومواهبهم. ولا يُعامَل التفاوت بين الناس وفقا لهذا النموذج على أنه مشكلة، بل كمحرك للكفاءة والإبداع. ولكن، مع اتساع الفجوات في الدخل والثروة وتضاؤل الفرص، يبدأ هذا السرد في الانهيار، حيث يتشكك الناس على نحو متزايد في كيفية توزيع المكافآت الاقتصادية ويفقدون الثقة في عدالة قواعد اللعبة.
للدفاع عن الديمقراطية، يتعين علينا أن نتجاوز معالجة الأعراض ونتصدى للأسباب الكامنة وراء أزمة اليوم. أثناء رئاستها لمجموعة العشرين، اتخذت جنوب إفريقيا خطوة مهمة في هذا الاتجاه عندما عقدت اللجنة الاستثنائية للخبراء المستقلين المعنية بالتفاوت العالمي، برئاسة الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل جوزيف ستيجليتز. بالتعامل مع التفاوت باعتباره خطرا جهازيا يهدد الاستقرار الاقتصادي والديمقراطية، اقترحت اللجنة إنشاء هيئة دولية دائمة لدعم العمل العالمي المنسق.
على غرار مؤسسات مثل الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ، بوسع هذه الهيئة أن تعمل على تجميع الأدلة، وتتبع الاتجاهات العالمية، وتشكيل المناقشات حول السياسات.
من الممكن أن تخدم أيضا كمنصة للتنسيق بين الحكومات، والمنظمات الدولية، والمجتمع المدني، مع تكميل عملها بلجان وطنية معنية بالتفاوت تترجم الرؤى العالمية إلى استراتيجيات خاصة بكل بلد. ينبغي لهذه الجهود أن تشمل تقييمات منهجية للتأثير الذي تخلفه السياسات العامة على التوزيع، ومراقبة دقيقة لديناميكيات سوق العمل -وخاصة تلك المرتبطة بالتغير التكنولوجي- وإصدار تقارير عامة منتظمة، بما يمكّن صُنّاع السياسات من ترجمة التحليلات إلى عمل جماعي مستدام.
يتطلب تحقيق هذه الأجندة تحولا بنيويا نحو أسواق عمل عادلة وشاملة. الواقع أن حد الأجور الأدنى القوي، والعمالة المستقرة، والمفاوضة الجماعية ليست مجرد أدوات سياسية؛ بل هي مؤسسات ديمقراطية تضمن الأمان الفردي والقدرة على الفِعل.
في عموم الأمر، تتطلب إعادة بناء الديمقراطية استعادة دور الدولة في توفير السلع العامة الأساسية مثل: التعليم، والرعاية الصحية، والإسكان. هذه الاستثمارات يُـمكن تمويلها من خلال الإصلاح الضريبي، الذي يظل أحد أقوى الأدوات لتضييق فجوات التفاوت في الدخل والثروة، وفي نهاية المطاف، لتحديد كيفية تقاسم المكاسب الاقتصادية.
إن الانتقال إلى اقتصاد عادل يتطلب نموذجا تنمويا جديدا يوائم بين التقدم الاقتصادي والاندماج الاجتماعي والأولويات البيئية. لفترة طالت للغاية، كانت فكرة التخطيط الاقتصادي موضع تجاهل باعتبارها عتيقة ولا تناسب الزمن. لكن التنمية مشروع سياسي مقصود، وليست نتيجة حتمية لأسواق تعمل على نحو جيد. الاستثمار العام والسياسة الصناعية عنصران حاسمان لتشكيل اقتصادات مستدامة وتوجيه الموارد نحو أهداف جماعية بدلا من المصالح الخاصة الضيقة.
من خلال طرح بديل واضح وجذاب لأولويات السياسات الغالبة، يعرض الحشد التقدمي العالمي فرصة فريدة لتجاوز الخطاب الرنّان وتقديم نموذج اقتصادي يعمل على تضييق فجوات التفاوت، وحماية الكوكب، وتعزيز قوة المؤسسات العامة، واستعادة الأسس المادية للحياة الديمقراطية. إن الحل لعودة الاستبداد إلى الظهور على نحو مستمر لن يكون ترقيع نظام معطوب، بل يتمثل في تبني رؤية تقدمية جريئة وموحدة.
لن تتمكن الديمقراطية من البقاء بفضل التدابير الإجرائية وحدها. فهي تحتاج إلى أساس من المساواة، والأمن، والرخاء المشترك. وإلا فسوف تنتهي بنا الحال إلى ما أصبحنا عليه الآن.
بيدرو روسي هو نائب الرئيس وكبير الاقتصاديين في الصندوق العالمي للاقتصاد الجديد.
خدمة بروجيكت سنديكيت
