ترامب يغذي شهية أمريكا المتواصلة للتدمير

28 أبريل 2026
28 أبريل 2026

ترجمة: احمد بن عبدالله الكلباني

يمتلك دونالد ترامب قدرةً متواصلةً على إحداث الصدمة؛ فالحرب التي يشنها حاليًا على إيران، وهي حرب غير مشروعة تجعله متعطشًا جدًا للتدمير، وقد صرّح مؤخرًا بأنه سيحيل إيران إلى «العصر الحجري»، وتدمير حضارة إيران نهائيًا إذا لم توافق على ما يمكن وصفه بـ«الاستسلام بغير شروط».

رغم الأسابيع الماضية، إلا أن إيران لا تزال صامدة، لكن كلمات وأفعال ترامب قد تسببت بالفعل بأضرار بالغة مسّت الاقتصاد العالمي إلى جانب المساس بالسلم الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط.

ويُعدّ موقف ترامب من هذه الحرب موقفًا لافتًا للنظر، ولكنه غير مفاجئ بشكل تام؛ ففي ولايته الثانية تحوّل من صاحب نزعة نحو إحداث الفوضى إلى صاحب نزعة لإحداث دمار شامل، سواء في الداخل الأمريكي أو في الخارج. فاليوم نرى بشكل واضح كيف يتعامل ترامب مع منتقديه؛ فهو الآن يعتقد تمامًا أن من يتجرأ على مقاومة خططه يستحق أقوى أنواع العقاب، وفي اعتقادي أنه يعزز النزعة الأمريكية الراسخة منذ قرون نحو الانتقام والتدمير.

دونالد ترامب في الفترة الثانية من رئاسته يميل إلى سياسة «الأرض المحروقة»، وهذا أمر واضح حتى قبل أن يخوض الحرب ضد إيران، وجاءت صافرات الإنذار مع الهجوم على مبنى الكابيتول في السادس من يناير عام 2021، وانتهاك الأحكام الدستورية المعنية بخلافة الرئيس، وتلك الأفعال شهدت موجة مماثلة في عام 2025.

وحدث ذلك فعلًا على الصعيد العالمي، وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ تجرأ ترامب على استخدام القوة العسكرية والأنظمة متعددة الأطراف للإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بالإضافة إلى القيام بهجمات غير قانونية على قوارب الصيد التي يُزعم بأنها كانت تحمل المخدرات في منطقة البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، وقد بلغ مجموع تلك الضربات أكثر من 50 ضربة مدمرة خلفت ما لا يقل عن 163 قتيلًا.

وهذا يحيلنا إلى نتيجة أن دونالد ترامب قام بإجراءات من شأنها أن تمسّ المجتمع الدولي بالتخريب، وهذه سمة من سماته في فترة رئاسته الثانية، ومن أفعاله محاولة تفكيك شبكات التجارة العالمية المتكاملة، وزيادة عدد المجندين العسكريين في الدول الحليفة له مثل كندا والدنمارك، والتنديد بحلف الناتو.

حتى إن الجبهة الداخلية الأمريكية شهدت مثل هذا التخريب؛ فقد قامت شركة «دي أو جي إي» بتدمير الوكالات والتمويلات التي كان مُصرّحًا بها من قبل الكونجرس الأمريكي بما في ذلك وكالة حماية البيئة،بالإضافة إلى 5800 مشروع صحي وطني وبحثي، فقد أنهى ترامب تمويلها.

وإضافةً إلى ما سبق؛ فقد قضت إدارته -التي يمكن وصفها بأنها إدارة معادية للوعي الاجتماعي- على برنامج التنوع والمساواة والشمول الخاص بالأوساط الأكاديمية، كما قامت الإدارة حرفيًا بهدم الجناح الشرقي للبيت الأبيض.

قرون من التاريخ الأمريكي تمهّد لنهج ترامب القائم على التدمير، غير أن هذه السوابق تبدو معقّدة لسببين: أولهما أن المصالح الأمريكية الفردية والوطنية غالبًا ما مزجت بين أهداف نبيلة، مثل مبادئ الديمقراطية والحريات المدنية، ودوافع أكثر بدائية تتعلق بالثروة والنفوذ، وثانيهما أن نطاق هذا السلوك وسياقاته تغيّرا جذريًا عبر أكثر من ثلاثة قرون من مستعمرات أطلسية إلى دولة قارية، ثم إلى قوة عالمية اقتصادية وعسكرية وثقافية، ومع ذلك ظل نمط الانفجارات التدميرية يتكرر بأشكال مختلفة.

ومن بين أبرز الأمثلة يبرز تعامل الولايات المتحدة مع السكان الأصليين؛ حيث اقترنت مفاوضات الاستحواذ على الأرض بسياسات القمع مدعومة بتفوق عسكري أدى في كثير من الأحيان إلى إبادة جماعية حين لم تعد الهجرات القسرية أو نظام «المحميات» كافية. وتبقى أسماء مذابح مثل مذبحة «الأبالاشي» ومذبحة «ساند كريك» ومذبحة «الركبة الجريحة» شواهد صارخة في هذا السياق. وتشير التقديرات إلى أن عدد السكان الأصليين انخفض من ملايين عدة في أواخر القرن الخامس عشر إلى بضع مئات الآلاف مع مطلع القرن العشرين.

ولا يختلف تاريخ الأمريكيين من أصول إفريقية في قسوته؛ إذ شكّلت العبودية وما تلاها من تمييز عنصري نموذجًا آخر للعنف المنهجي. فقبل الحرب الأهلية الأمريكية كانت قسوة العمل القسري تقصّر متوسط الأعمار إلى مستويات متدنية، وحتى بعد نيل الحرية ظل العنف حاضرًا عبر قوانين الفصل العنصري وممارسات الإعدام خارج القانون. وقد شهدت أحداث مثل مذبحة تولسا العرقية تدمير أحياء كاملة في امتداد لحقبة طويلة من العنف العرقي.

ورغم أن هذه النزعة لم تستهدف فئة واحدة فقط؛ فإن الحرب الأهلية الأمريكية نفسها تعد من أكثر الحروب دموية في التاريخ الحديث؛ حيث خلفت مئات الآلاف من الضحايا، ما يعكس عمق قابلية التدمير داخل المجتمع ذاته.

وفي القرن العشرين امتد هذا النمط إلى الخارج مع استخدام القوة العسكرية في سياقات متعددة من محاولة قمع التمرد في الفلبين في عهد ثيودور روزفلت إلى حملات القصف الواسع خلال الحرب العالمية الثانية بما في ذلك القصف الحارق، واستخدام السلاح النووي ضد مدن مثل هيروشيما وناغازاكي. كما تجلت في حرب فيتنام عبر استخدام «العامل البرتقالي»، ومجزرة مذبحة ماي لاي وصولًا إلى الخسائر البشرية الكبيرة في حرب العراق.

صحيح أن هذه الممارسات تندرج ضمن تاريخ عالمي أوسع شهدته قوى ودول مختلفة، إلا أن الولايات المتحدة طالما قدّمت نفسها بوصفها محكومة بقيم مضادة، كاحترام حقوق الإنسان والالتزام بقوانين الحرب، غير أن السؤال اليوم هو «إلى أي مدى لا تزال هذه القيود فاعلة؟ وإلى أي حد يمكن أن تتآكل أمام خطاب ترامب وممارساته في ظل بيئة سياسية تعيد توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية؟».

في المحصلة؛ قد لا تكون تداعيات هذه السياسات محصورة في الاقتصاد أو أسعار الطاقة، بل تمتد إلى ما هو أعمق، يمتد إلى اختبار حقيقي للقيم التي طالما ادّعت الولايات المتحدة الدفاع عنها!

رونالد دبليو بروسن أستاذ فخري للتاريخ بجامعة تورنتو

الترجمة عن آسيا تايمز