الدبلوماسية العمانية: جهود السلام تتواصل

28 أبريل 2026
28 أبريل 2026

شهدت منطقة الخليج العربي صراعات وحروبًا وكوارث كبيرة خلال العقود الأربعة الأخيرة بداية بالحرب العراقية الإيرانية مرورًا بحروب أفغانستان، والصومال والاجتياح العسكري العراقي لدولة الكويت، وحروب الخليج، منها حرب تحرير الكويت عام ١٩٩١ وانتهاء بالغزو العسكري الأمريكي غير الشرعي واحتلال العراق عام ٢٠٠٣.

كما شهدت المنطقة العربية ما سمي بثورات الربيع العربي التي نتج عنها كوارث كبيرة وسقوط أنظمة، وهي جزء أصيل من الفوضى الخلاقة الأمريكية التي تحدثت عنها كونداليزا رايس وصقور اليمين في الإدارات الأمريكية السابقة والحالية.

كما اندلعت حرب اليمن الكارثية عام ٢٠١٥ علاوة على حدوث الأزمة الخليجية عام ٢٠١٧، كما شهدت فلسطين المحتلة انتهاكات كبيرة من قبل العدو الصهيوني المحتل انتهت بالسابع من أكتوبر عام ٢٠٢٣ والذي يعد أكبر هجوم للمقاومة الفلسطينية على الكيان الصهيوني داخليًا؛ حيث اهتزت أركانه وظهر كيانًا هشًا، لو كان هناك إرادة عربية حقيقية.

وقد ارتكب المحتل الصهيوني بقيادة نتنياهو والجيش الإسرائيلي إبادة جماعية وانتهاكات خطيرة ضد الشعب الفلسطيني مما نتج عنه استشهاد أكثر من ٧٠ ألف إنسان معظمهم من الأطفال والنساء وتدمير البنية الأساسية لقطاع غزة. ومنذ قدوم الإدارة الأمريكية التي يقودها الرئيس ترامب خاصة في فترته الثانية الحالية والكوارث تتوالى على المنطقة، خاصة منطقة الخليج العربي؛ حيث شن الحرب الأولى على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، واستمرت ١٢ يوما بهدف تدمير المفاعلات النووية، وشن حربًا عدوانية على إيران للمرة الثانية دون مسوغ قانوني أو أخلاقي، وهي الحرب التي لا تزال تداعياتها الاقتصادية، والعسكرية، والتجارية، مؤثرة بشكل كبير على الاقتصاد العالمي.

كما أدخل الرئيس الأمريكي ترامب بلده في حرب ليست حربه، ولكن جره إليها المتطرف نتنياهو الذي يواجه تهم الفساد والهزيمة الاستراتيجية من قبل حركة حماس في حرب استنزاف تواصلت على مدى عامين.

وأمام هذه الصورة القاتمة والمخيفة على مدى أربعة عقود كان لا بد للعالم من صوت عاقل ودبلوماسية ذات أسس راسخة وذات رصيد حضاري رصين، ومن هنا برزت الدبلوماسية العمانية كصوت مستقل يهدف إلى ترسيخ مفهوم الحوار والموضوعية في حل المشكلات والصراعات.

بذلت الدبلوماسية العمانية بقيادة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ على مدى نصف قرن جهودًا كبيرة في التوسط في عدد من الملفات المعقدة نتج عنها حلول ومبادرات ساعدت على خفض التصعيد، منها مبادرة النفط مقابل الغذاء الذي صدر بشأنه قرار دولي من مجلس، وهو القرار الذي أنقذ ملايين من الشعب العراقي، والذي كان يواجه الحصار الاقتصادي الأمريكي الظالم.

كما نجحت الدبلوماسية العمانية وبعد جهود كبيرة في جمع أعداء الأمس الأمريكيين والإيرانيين مع عدد من القوى الدولية في مسقط في مفاوضات بدأت سرية ثم علنية بين الجانب الأمريكي والإيراني، وتوجت تلك الجهود الدبلوماسية الماراثونية بالاتفاق النووي الإيراني عام ٢٠١٥ حيث عقدت الجولة قبل الأخيرة في مسقط؛ تكريمًا وتقديرًا من المجتمع الدولي لجهود قيادة سلطنة عمان.

المشهد الحالي يشبه كثيرًا ما حدث في السنوات الماضية، بل هو أخطر بعد غلق مضيق هرمز وحصار الموانئ الإيرانية من قبل إدارة الرئيس الأمريكي ترامب بعد حرب استنزاف بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني من جانب والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جانب آخر في فبراير الماضي.

وتواصلت تلك الحرب على مدى ٤٠ يوما فشلت خلالها الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني في تحقيق أهداف الحرب، وفي مقدمتها تغيير النظام الإيراني، ومن هنا فإن الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني تلقيا هزيمة استراتيجية لا شك فيها كما تم تدمير القواعد العسكرية الأمريكية في عدد من دول المنطقة، علاوة على تدمير القواعد العسكرية الإسرائيلية ودخل العالم في مناخ معقد على صعيد غلق المطارات، وتوقف سلاسل الإمداد والتجارة، وارتفعت أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية، وتضرر منها الشعب الأمريكي نفسه وبقية الشعوب في العالم.

وخلال الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني إلى مسقط ولقائه المهم مع جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بدأت الآمال تتحرك نحو إيجاد مقاربة سياسية لخفض التصعيد من خلال الخطة الإيرانية، والتي تعتمد على فتح مضيق هرمز مع وقف الحرب بشكل كامل. تلت ذلك مفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني.

وفي تصوري إن زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى مسقط جاءت وفق منطق سياسي ينطلق من ثوابت واضحة، منها أن خبرة سلطنة عمان فيما يخص الملف النووي الإيراني تعد كبيرة ومتواصلة منذ سنوات، علاوة على وجود مضيق هرمز الذي تتشارك في موقعه البلدان، كما أن الإدارة الأمريكية في تصوري تحتاج إلى مخرج سياسي للخروج من مأزق حرب الاستنزاف الذي وضعت فيه بسبب المتطرف نتنياهو.

إذن؛ المياه الراكدة تتحرك مجددًا، وهناك تحليلات سياسية وإعلامية ترى أن خبرة سلطنة عمان الدبلوماسية سوف تصنع الفارق إذا كانت هناك إرادة سياسية ومواقف نزيهة من ادارة ترامب.

وعلى ضوء ذلك؛ فإن المشروع المطروح من قبل إيران ومن خلال جهود سلطنة عمان وباكستان وروسيا الاتحادية يمكن الوصول إلى توافق سياسي يجنب المنطقة المزيد من ويلات الحرب التي سببت مشكلات اقتصادية كبيرة لعدد من دول المنطقة، كما أن دروس الحرب ينبغي أن تناقش ويكون هناك تقييم حقيقي على صعيد مفهوم الحماية العسكرية الأمريكية ـ كما تمت الإشارة في مقال الأسبوع الماضي ـ. وأمام صوت الحرب والتصعيد يظل صوت الدبلوماسية العمانية هو الصوت الحكيم الذي يتطلع الجميع من خلاله إلى التدخل وإيجاد المبادرات الملهمة التي تساعد على خفض التصعيد والصبر على خداع وتهور الآخرين، خاصة وأن المفاوضات ما قبل الحرب كانت على وشك النجاح.

لقد خدع الرئيس الأمريكي ترامب العالم عندما أكد بعد فوزه بالانتخابات الأمريكية عام ٢٠٢٤ بأنه سوف ينهي الحروب في العالم، ويركز على الازدهار الاقتصادي، ومع ذلك كرس جهوده لدعم ومساندة الإبادة الجماعية التي ارتكبها الكيان الصهيوني بقيادة نتنياهو والجيش الإسرائيلي، وشن حربًا غير قانونية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وخطف الرئيس الفنزويلي المنتخب وسط دهشة العالم.

ومن هنا فإن الداخل الأمريكي يموج بالغضب والتصريحات المعارضة لسياسة الرئيس الأمريكي ترامب الذي سوف يسجل في وثائق التاريخ الأمريكي أنه أسوأ من دخل البيت الأبيض خلال أكثر من ٢٥٠ عامًا؛ حيث اشتبك في الداخل مع مؤسسة الكونجرس التشريعية، ومع المحكمة العليا التي تمثل سلطة القضاء علاوة على إقالة عدد من الوزراء والقادة في وزارة الحرب.

ولعل الانتخابات النصفية للكونجرس في شهر نوفمبر القادم قد تكون الفيصل في حياته السياسية خاصة إذا فقد حزبه الأغلبية في مجلس النواب ومجلس الشيوخ لصالح الحزب الديمقراطي؛ فهنا سوف تكون الكارثة.

تحية كبيرة واعتزاز لا حدود له للدبلوماسية العمانية التي تواصل التألق والجهود؛ للوصول إلى حلول لإنقاذ المنطقة، وإيجاد مقاربة سياسية نجحت فيها على مدى سنوات وسنوات، والتاريخ سوف يسجل علو هذه الدبلوماسية الصادقة التي تعتمد على المصداقية والحوار وتغليب لغة الحوار التي يقودها بكل حكمة واقتدار وإخلاص جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ.