عُمان بين الصّهينة والأيرنة
28 أبريل 2026
28 أبريل 2026
بعد 7 أكتوبر 2023م رجع مصطلح الصّهينة بشكل كبير لكلّ من كان له رأي ناقد للحدث، ولا علاقة له بإسرائيل، حتّى ولو كان ناقدا لتفكير بعض الاتّجاهات الحركيّة يدخل في نحت الصّهينة.
واليوم بعد الحرب الأخيرة بين إسرائيل وأمريكا من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما حدث للخليج من ضربات إيرانيّة ظهر نحت الأيرنة كمقابل للصّهينة لمن كان له قراءة مخالفة؛ فاليوم أنت أمام نحتين متباينين: الصّهينة والأيرنة، فتنظر أين تتجه الموجة الغالبة حسب القطر الّذي تعيش فيه، أو حسب سياسة الدّولة المنتمي إليها، أو حسب ضجيج الإعجابات والظهور الرّقميّ؛ لتسلم من تهمة أحدهما، أو تركن إلى السّكوت، لتسلم من هذا الضّجيج، وتخرج من هذا التّصنيف.
فشرّ ما يقتل المعارف الإنسانيّة التّصنيفات الانتمائيّة الّتي تجعل الكاتب أو الباحث غير قادر على النّقد الحرّ؛ فهو أمام خوف السّياسات القطريّة أو الدّينيّة أو الاجتماعيّة، أو أمام ضجيج يجعله رهين التّفكير الجمعيّ الآنيّ، وليس استقلاليّة المعرفة ذاتها.
في غالب دول العالم هناك ثلاث زوايا للحدث الآني: رؤية الدّولة المركزيّة وسياستها في التّعامل مع الأزمات الخارجيّة وفق المصلحة الّتي تراها، ووفق سياسة إدارة الدّولة ذاتها، ومبادئها السّياسيّة والدّبلوماسيّة.
ورؤية المراكز البحثيّة المستقلّة، والباحثين المستقلّين، وهؤلاء يعطون مساحة كبيرة من حريّة النّقد، وضمان الأمن، على المستوى المركزيّ، أو على المستوى الفرديّ، وإن كانت بنسبة وتناسب حسب سياسة الدّول، لكنها تسعى إلى خلق حالة قارئة بعيدا عن الرّؤية الواحدة في الدّولة.
وهناك الرّؤية الشّعبويّة والمصالحيّة، والّتي يطلق عليها قديما بالغثائيّة، فهذه عادة قد تكون رهين الحزب المنتمى إليه، أو الطّائفة الدّينيّة ورؤيتها الآنيّة وفق رؤية رموزها، أو المصلحة السّياسيّة والخوف من مخالفتها، أو الخطابات النّضاليّة والحركيّة العموميّة يمينا ويسارا، أو بسبب الإثارة العاطفيّة صورا أو فنّا أو خطابات تهييجيّة.
في دول الخليج العربيّ تغلب الرّؤية السّياسيّة الأبويّة الواحدة، وتخفت الرّؤية المركزيّة البحثيّة المستقلّة إلى درجة العدميّة في بعضها. هذه الرّؤية السّياسيّة الأبويّة الواحدة إمّا أن تفتح شيئا من مساحة الحديث الأفقيّ لتتسع دائرة الغثائيّة وإن خالفت رؤية الدّولة المركزيّة، لكنّها لا تتعدّى غثائيّة وسائل التّواصل الاجتماعيّ اليوم، وإمّا أن تضيق هذه المساحة لتكون هناك حالة غثائيّة لا تتعدّى آنيّة المرحلة وفق سياسة الدّولة أو الطّائفة أو الرّؤية الشّعبويّة العامّة؛ حيث تشغل هذه المجتمعات بصراعات وهميّة، ويخلق فيها تصنيفات ضبابيّة، في حين ينعدم العقل البحثيّ النّاقد وفق رؤية بحثيّة مستقلّة غير مسيسة، وليست رهين هذه الغثائيّة القاتلة للفكر النّاقد الحرّ.
ظهور هذه الحالة شيء طبيعيّ وقت الأزمات، كضعف التّحليل السّياسيّ في دول الخليج العربيّ من قبل أبنائها؛ لتأتيّ بمحلّلين من الخارج يحلّلون عنها، وقد يشترون ليدافعوا عن سياسة ما في ظرفيّة آنيّة، فترى بعض هؤلاء في هذه القناة يحلّلون وفق منطلقات ينقضونها في فترة أخرى وفق المصلحة الآنيّة، وهذا ليس على سبيل التّعميم، لكنّها صورة واضحة لمن يتابع الأحداث وتقلباتها.
ضعف التّحليل السّياسيّ الخليجيّ يعود في نظري إلى أربعة أسباب رئيسة: أولاها عدم التّمييز بين رؤية سياسة الدّولة من جهة، ورؤية الباحثين والمراكز البحثيّة المدنيّة فيها من جهة أخرى، والرّؤية الثّانية لا تعني بالضّرورة رؤية الدّولة المركزيّة، ولا تعبّر عن سياستها الآنيّة، ما لم يكن متحدّثا رسميّا عنها، يبقى في دائرة الرّأي المدنيّ.
وثانيها عدم وجود مراكز بحثيّة مستقلّة ينتج عنه بشكل طبيعيّ ضعف التّحليل المدنيّ، ليكون أقرب إلى المصلحيّة الغثائيّة.
وثالثها ضعف مساحة استقلاليّة وحرّيّة الرّأي يجعل هذا الصّوت المدنيّ - مع ضعفه تأهيليّا - أقرب إلى الإثارة والغثائيّة. ورابعها غلبة الغثائيّة ذاتها، وقد تكون من تنظيمات حركيّة خارج دول الخليج العربيّ نفسه؛ حيث يسهل اليوم بسبب الإعلام الرّقميّ، ووسائل التّواصل الاجتماعيّ، غايتها خلق فوضى وانقسامات في هذه المنطقة من العالم.
ما نراه اليوم من غثائيّة حول الموقف العمانيّ في الحرب الأخيرة، -وكأنّ عُمان وليدة الأمس، ولا قرار مركزيّا فيها، أو كأنّ عُمان تؤيّد الخراب في البيت الخليجيّ، وتسعى إلى ذلك- هذه حالة قرائيّة غثائيّة لا قيمة لها؛ فدول الخليج جميعا وإن كانت يجمعها مجلس وجغرافيا وثقافة واحدة، بيد أن لكلّ دولة سياستها ورؤيتها المركزيّة الخاصّة بها، وهذا على مستوى العالم، وليس على مستوى الخليج فحسب؛ فعمان لم تولد بعد 1979م لتكون رهين الثّورة الإيرانيّة، ورؤيتها حول الحرب لم تكن نتيجة أحداث الحرب الأخيرة.
فهناك مواقف عديدة كان لعمان رؤيتها الخاصّة في التّعامل معها؛ فهي دافعت عن الكويت في حرب الخليج؛ لأنّها معتدى عليها، ووقفت في الوقت نفسه مع العراق في العدوان الأمريكيّ، وابتعدت عن حرب اليمن، لكنّها رفضت أيّ اعتداءات على أمن المنطقة مدركة أنّ عدم استقرار اليمن يؤدّي بالضّرورة إلى عدم استقرار الخليج.
وفي الحرب الأخيرة أدركت أنّ الحرب تؤدّي إلى فوضى المتضرّر منها القريب قبل البعيد، فسعت إلى إطفائها لأكثر من ثلاثة عقود، وما زالت تسعى إلى ذلك اليوم وغدا، وفي الوقت نفسه أدانت الضّربات على الخليج، وسعت إلى حلّ قضيّة مضيق هرمز، ولم تستخدم في حركتها السّياسيّة الإثارة الإعلاميّة، أو خلق الغثائيّة الضّدّيّة والتّصنيفيّة، إمّا تكون معيّ وإلّا فأنت ضدّي، بل احترمت القرارات المركزيّة في سياسات إخوانها في دول الخليج العربيّ.
هذا الاحترام لم يمنعها أن تكون مستقلّة في رؤيتها للمنطقة والعالم العربيّ، بما في ذلك القضيّة الفلسطينيّة واللّيبيّة والسّودانيّة مثلا؛ حيث تنطلق من الإنسان والإحياء، وليس عن طريق استغلال حاجات الشّعوب الأخرى ولو كان نتيجة ذلك الحروب والدّمار، فهذه رؤية عمان - والحمد لله - ظاهرة لكل قارئ منصف.
