الجزيرة وكلفة الحرب على إيران
28 أبريل 2026
28 أبريل 2026
ليست هذه المرة الأولى التي أكتب فيها عن قناة الجزيرة القطرية وشبكتها الإعلامية. ففي العام 1998 وبعد عامين من نشأتها، وتحت عنوان «المسكوت عنه في المسألة الإعلامية: تاريخ الإعلام العربي لا يبدأ من «الجزيرة» نشرت مقالا بجريدة خليجية تناول بالنقد ما كتبه أحد أساتذة الإعلام الذي طالب بمحو كل تاريخ الإعلام العربي؛ لكي يبدأ بتاريخ قناة الجزيرة، خاصة قوله: إن ماضينا الإعلامي قبل الجزيرة لم يكن سوى “أقلام مغموسة.. ومكسورة.. ومأجورة»، وإنها وحدها «النجمة التي أضاءت سماء العتمة الإعلامية» و«الصوت الصادق والقلم الشريف الذي أراد أن يغرد خارج السرب».. و«الإضاءة الإعلامية في سمائنا العربية التي ليس فيها نجوم ولا قمر».
وفي العام 2013 كتبت مقالا بجريدة عُمانية حمل عنوان «الجزيرة المفترى عليها» أكدت فيه أننا سواء اتفقنا أو اختلفنا معها فمن الضروري أن نعترف أن شبكة الجزيرة بمختلف منصاتها تمثل منذ نشأتها حتى اليوم حالة خاصة ومتفردة في الإعلام العربي المعاصر، ليس فقط لكونها الشبكة التلفزيونية الإخبارية الأولى في المنطقة بمقاييس المشاهدة، ولكن أيضا بسبب اختلاف الآراء حولها وحول ما تقدمه من أخبار وتحليلات ترضي البعض، ولا ترضي البعض الآخر.
وقلت: إن أبرز نجاحاتها أنها قدمت نموذجا جديدا في العمل الإخباري العربي، ومثلت حافزا لظهور شبكات وقنوات أخرى مشابهة.
وحتى وقت قريب كنت من المدافعين بشدة عن قناة الجزيرة وشبكتها الإعلامية، وفقا لتقييم مهني يرى فيها تجربة عربية نجحت إلى حد بعيد في الاقتراب من النماذج العالمية في الأداء المهني، والجمع بين الاحترافية التحريرية والانحياز للقضايا العربية العادلة، وكانت في تقديري نموذجًا مختلفًا في فضاء عربي طالما عانى من هيمنة الإعلام الرسمي أو من ضعف المهنية.
هذا التقييم لم يكن انطباعًا عابرًا، واستند إلى محطات مفصلية في تاريخ القناة؛ ففي تغطية الحرب على أفغانستان، ثم غزو العراق، ومؤخرا الحرب على غزة، لعبت الجزيرة دورًا محوريًا في نقل صور ووقائع لم تكن حاضرة في وسائل الإعلام الغربية، خاصة ما يتعلق بالجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها إسرائيل وما زالت في القطاع، والكلفة الإنسانية الباهظة لها. وقد شكّلت تلك التغطيات لحظة فارقة في إدراك الجمهور العربي لدور الإعلام بوصفه كاشفًا لما يُحجب، وليس مجرد ناقل للأخبار فقط.
وأثبتت الجزيرة قدرتها على الحضور الميداني في غزة، وعلى نقل تفاصيل الحياة اليومية تحت القصف، وهو ما عزز صورتها كمنصة قريبة من نبض الشارع العربي.
هذا الرصيد التاريخي للجزيرة هو ما يجعل لحظة مراجعة التغطية التي قدمتها للحرب الأخيرة على إيران أكثر تعقيدًا، والتي شهدت وفق تقديري تحولات جوهرية في بنية السردية الإعلامية للحرب والكيفية التي أعادت بها تأطير الحدث الرئيس، والأحداث الأخرى المرتبطة به، خاصة الرد الإيراني بالهجوم على القواعد الأمريكية العسكرية في المنطقة.
وتمثلت هذه التحولات في تقديم الصراع ضمن إطار تفسيري محدد يختزل التعقيد في ثنائية مبسطة؛ فبدلا من تناول الحرب بوصفها تعبر عن شبكة من المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية المتداخلة بدت بعض المعالجات وكأنها تميل إلى إبراز مبررات طرف بعينه، هو الطرف المعتدي في مقابل تقليص حضور الطرف المعتدى عليه، وتجاهل زوايا أخرى لا تقل أهمية.
هذا النوع من التأطير لا يظهر في الخبر بشكل ظاهر، ويتسلل إلى العناوين، وإلى اختيار المفردات، وإلى ترتيب الأولويات داخل النشرة.
في تحليل مجمل الخطاب الإعلامي للجزيرة كان هذا الترتيب المتعمد لزوايا التغطية أحد أهم أدوات بناء المعنى؛ فقد حرصت القناة على تقديم حدث معين بوصفه مركزيًا، ودفع أحداث أخرى ربما أكثر أهمية إلى الهامش؛ سعيا منها إلى إعادة تشكيل إدراك المشاهد لما هو مهم وما هو ثانوي. وهنا لم يكن الانحياز صريحًا، بل كان خفيا، ويعمل في مستوى أعمق من مستوى النص الظاهر.
وفي البرامج الحوارية لم يستطع التعدد الظاهري في الضيوف أن يخفي التقارب الجوهري في الرؤى والمواقف للغالبية العظمى منهم. وقد تكرر حضور محللين وخبراء وساسة ينتمون إلى اتجاهات متقاربة؛ وبالتالي تضييق نطاق النقاش بدل توسيعه. في هذه الحالة يفقد الحوار أحد أهم شروطه، وهو تقديم طيف واسع من التفسيرات، ويصبح أقرب إلى إعادة إنتاج سردية واحدة عبر أصوات متعددة شكليًا.
لا يمكن أن نتجاهل هنا ما يمكن تسميته بالانحياز الصامت الذي مارسته الجزيرة طوال أيام الحرب، سواء عبر المرور السريع أو التقليل من شأن بعض الأحداث الفاصلة وعدم معالجتها بالعمق الكافي؛ كونها تخدم الطرف المعتدى عليه.
ولذلك غابت أو تراجعت بعض الجوانب الإنسانية للصراع، مثل الهجوم على مدرسة الفتيات في بداية الحرب، وأعداد الضحايا من المدنيين الإيرانيين، وضرب الجسور والمؤسسات المدنية ومراكز الطاقة. ولعل هذا ما قد يؤدي إلى بناء صورة غير مكتملة للحرب لدى المشاهد.
من المهم هنا الإشارة إلى أن هذه التحولات لا يمكن فصلها عن الهيكل الأوسع للإعلام الفضائي العربي؛ حيث تتداخل الاعتبارات التحريرية مع الحسابات السياسية والاقتصادية.
غير أن ما تغيّر اليوم هو أن الجمهور لم يعد يتعامل مع هذه التداخلات بالقدر نفسه من التسليم. لا تدرك الجزيرة وغيرها من الفضائيات العربية أن المشاهد العربي أصبح أكثر خبرة، وأكثر قدرة على المقارنة بين السرديات المختلفة.
لم تعد تلك الفضائيات المصدر الوحيد للمعلومات والآراء، بل واحدة من بين مصادر متعددة يتنقل بينها الجمهور، ويتتبع من خلالها التناقضات والاختلافات. ومع هذا التحول لم يعد بالإمكان تمرير سردية أحادية دون أن تخضع للفحص والمساءلة من جانب المشاهدين أنفسهم.
لا شك أن ما قدمته الفضائيات الإخبارية العربية في الحرب على إيران -والذي سوف يخضع فيما بعد للبحث والتحليل- قد انعكس بشكل مباشر على مستويات الثقة فيها. تلك الثقة التي بدأت في التآكل تدريجيًا مع كل لحظة شعر فيها المشاهد بأن ما يُقدَّم له لا يعكس الواقع الحقيقي للحرب.
ومع تراكم هذه اللحظات تتسع الفجوة بين الوسيلة وجمهورها، ويصبح من الصعب ردمها. ولا يقتصر أثر هذا التآكل عند حدود العلاقة بين القناة والمشاهدين، ويمتد إلى المجال العام الإعلامي العربي ككل.
فحين تتراجع الثقة في الوسائل التي يُفترض أنها الأكثر مهنية، مثل الجزيرة، فإن ذلك يفتح الباب أمام بدائل قد تكون أقل التزامًا بالمعايير المهنية، ويصبح التمييز بين الإعلام المهني وغير المهني أكثر صعوبة في نظر الجمهور.
لقد وجدت الجزيرة نفسها في هذه الحرب تحديدًا أمام واحد من أصعب الاختبارات في تاريخها المهني، وربما أكثرها تعقيدًا؛ إذ فرضت طبيعة الصراع واقعًا أصبحت فيه الدولة التي تموّل القناة، وتبث من أراضيها طرفًا مباشرًا في دائرة الحرب بعد تعرضها لهجمات إيرانية، وهو ما انعكس بالضرورة على هامش حرية الحركة التحريرية.
في هذا السياق قد يبدو من الطبيعي أن تتراجع مساحات الحياد، وأن تتزايد كلفة الحفاظ على التوازن التحريري. وترتبط الإشكالية هنا بطريقة إدارة هذا التحدي؛ إذ بدا في نظر قطاع كبير من الجمهور أن القناة لم تتمكن من تجاوز هذا الاختبار دون أن تدفع ثمنًا واضحًا على مستوى رصيد الثقة الذي منحها إياه المشاهد العربي عبر سنوات. وقد أدى تراجع هذا الرصيد، ولو جزئيًا إلى انتقال النقاش من تقييم تغطية لحدث واحد، إلى سؤال أعمق يتعلق بقدرة الوسيلة على الحفاظ على استقلالها التحريري في الأحداث التي تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية بشكل حاد.
