مضيق هرمز: وقائع وذكريات

28 أبريل 2026
28 أبريل 2026

لم يكن اسم مضيق هرمز معروفًا لدى عامة الناس في كل مكان رغم أهميته الكبرى من الناحية الجغرافية والجيوسياسية، ومن ثم الاستراتيجية. لكن اسم هذا المضيق أصبح متداولًا على كل لسان بعد اندلاع الحرب الجارية منذ شهرين بين المعسكر الصهيوني الأمريكي وإيران، والتي امتد تأثيرها إلى معظم أنحاء العالم.

ولذلك فإنه عندما وجه هذا المعسكر ضربة مباغتة عنيفة لإيران في أثناء تفاوض الإدارة الأمريكية معها، قلت في هذه الجريدة الرصينة: إن إيران لا تزال تمتلك ورقة مضيق هرمز في إدارة الصراع مع احتمالية استخدام ورقة باب المندب من خلال حلفائها الحوثيين في اليمن.

يعرف الناس الآن أهمية هذا المضيق باعتباره شريانًا رئيسًا للإمداد بمنتجات الطاقة والتجارة عبر العالم. كان لهذا المضيق أهميته الاستراتيجية كممر لحركة التجارة عبر التاريخ؛ ولذلك سيطر عليه البرتغاليون في القرن السادس عشر في إطار نفوذهم التوسعي البحري في نطاق المحيط الهندي إلى أن انهزموا في النهاية على أيدي العمانيين، وبعدئذ سارعت بريطانيا إلى السيطرة عليه لحماية تجارتها إلى مستعمراتها في الهند.

ولقد تعاظمت الأهمية الاستراتيجية لهذا المضيق بعد تفجر النفط في بلدان الخليج، وهو ما جعله مطمعًا للولايات المتحدة الأمريكية: ذلك المستعمر الجديد الذي ورث مشروع بريطانيا الاستعماري.

وهكذا بدأ التوتر والصراع مجددًا بعد الثورة الإيرانية التي اعتبرت المضيق امتدادًا لنفوذها الجيوسياسي، وهو الصراع الذي بلغ ذروته في الحرب الجارية الآن على إيران، وهي حرب تهدف إلى السيطرة والتحكم في إمدادات منابع الطاقة في الخليج، وإلى تقليص دور إيران باعتبارها القوة المهددة لمشروع التوسع الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط. تلك هي المسألة.

اسم هرمز Hormuz ضارب في عمق التاريخ، وهو مشتق من اسم الإله أهورامزدا في الزرادشتية، وقد أطلق الاسم على مملكة هرمز الواقعة على الساحل الفارسي المجاور للمضيق، ثم أُطلق على الجزيرة المعروفة باسم جزيرة هرمز، وفي النهاية أصبح يطلق على الممر الملاحي كله.

كانت أهمية المضيق في الأصل تجارية؛ إذ كان ممرًا لحركة التجارة بين المملكة الفارسية والجزيرة العربية والهند وآسيا عمومًا، ولكنه اكتسب أهميته الجيوسياسية كموقع جغرافي يسمح بالنفوذ والسيطرة ـ منذ العصر الاستعماري الحديث، وهي أهمية برزت مجددًا في عصرنا الراهن الذي يعاني من حقبة استعمارية جديدة.

ولقد لجأت إيران في العقدين الماضيين إلى التهديد بغلق المضيق كورقة ضغط سياسي من أجل إلغاء العقوبات المفروضة عليها؛ فعلى الرغم من أن المضيق يعتبر ممرًا ملاحيًا دوليًّا وفقًا لقانون البحار، إلا أن السيطرة الفعلية عليه ترجع إلى إيران وسلطنة عُمان بحكم موقعه الجغرافي بالنسبة إليهما؛ فالمضيق يقع بين إيران من جهته الشمالية وعُمان من جهته الجنوبية.

وعلى الرغم من أن عرض هذا المضيق يعتبر واسعًا بالقياس على مضايق أخرى كثيرة؛ إذ يتراوح عرضه بين 33 و95 كم، إلا أنه يُعد ممرًا ملاحيًّا ضيقًا. فالواقع أن عرض الممرات الملاحية ومدى اتساعها لا يُقاس بحسابات الكيلومتر؛ لأن هناك عوامل جغرافية أخرى تدخل في حسابات الضيق والاتساع، منها على سبيل المثال: مدى عمق المياه التي تسمح بمرور السفن العملاقة، وهو ما يحدد المسارات الملاحية الآمنة، وهي المسارات التي كانت تقع بقرب الساحل العماني. ولهذا فإنني لا أريد أن أتحدث الآن عن هذا المضيق باعتباره نقطة جغرافية على الخريطة، وإنما كما عرفته من خلال الخبرة الحية المعيشة.

***

تعرفت على مضيق هرمز أول مرة خلال فترة إعارتي الثانية إلى جامعة الإمارات بمدينة العين. كانت هوايتي هي الصيد البحري، وكان ينتابني الحنين إلى الصيد ببحور عمان التي كانت إليها إعارتي الأولى، والتي تعلمت فيها الصيد البحري على أيدي العمانيين الذين هم أهل بحر بحكم التاريخ والحضارة.

كنت أود الصيد في محافظة مسندم التي لم أتعرف عليها من قبل. الطريق من العين إلى رأس مسندم طويل، ولكن متعة الطريق تبدأ حينما تظهر الجبال التي تتعاظم تدريجيًّا عند بدايته حتى رأس مسندم؛ حيث يلتف الطريق، ويرتفع ويهبط مع منحنيات الجبال الشاهقة التي تشرف بشكل حاد على البحر.

هناك تعرفت على الصياد العُماني الأصيل الذي ما زلت أذكر اسمه وملامحه، والذي طالما اصطحبني للصيد في بحر مسندم وفي شواطئ كمزار الواقعة مباشرة على حدود المضيق. تلك مناطق رأيتها مذهلة، لا من حيث وفرة الصيد فيها وكونها موطنًا للطيور البحرية المتنوعة التي تملأ الفضاء بأصواتها المتناغمة مع أصوات البحر فحسب، وإنما أيضًا من حيث تكوينها الجيولوجي الذي ترتفع فيه الجبال الصخرية حتى تلامس السحب، وكأنها برزت في الأزمنة السحيقة؛ لتحد من عنفوان البحر، وتجبره على أن يصنع خليجًا. قال لي أحد أصدقائي من أساتذة الجغرافيا: إن هذه الجبال تُعد من أقدم التكوينات الجيولوجية في العالم.

في أثناء الصيد كنت أتسامر مع العمانيين وأستمع إلى حكاياتهم الأسطورية عن المنطقة، وخاصةً عن جزيرة «سلامة وبناتها» المعروفة في الخرائط الأجنبية بنفس الاسم تقريبًا Salama and Banat Islands والتي تخضع للسيادة العُمانية.

تروي الأساطير المتوارثة أن هذه المنطقة طالما ابتلعت السفن التي يقودها أعظم الربابنة! وتلك روايات صحيحة طالما شهدت بها الوقائع أو الأحداث، ولكنها لا تفسر لنا السبب في التسمية الذي اختلفت فيه الآراء، ولكني أرى أن الرأي الأرجح هو أن هذه التسمية تعني وصول البحارة بالسلامة إلى مدخل الخليج الوادع الهادئ بعد معاناة أهوال البحر في المحيط.

حقًّا إن البنات الأربع لهذه الجزيرة يشكلن منطقة خطرة باعتبارهن جزرًا صغيرة صخرية ناتئة، ولكن الجزيرة الأم (سلامة) كانت تُعد بمثابة إشارة ملاحية طبيعية تدل البحارة على المسار الصحيح الذي يقع في المياه العميقة المجاورة لهذه الجزر.

هذا المضيق الأسطوري الجميل لم يشأ الاستعمار الجديد أن يتركه على حاله، بل راح يسعى إلى استخدامه في خنق الخليج كله، والتعامل معه باعتباره مصدرًا أساسيًّا لتوريد الطاقة عبر العالم؛ لأن الخليج نفسه يشكل جزءًا مهما في منطقة الشرق الأوسط التي له فيها مآرب أخرى.