لبنان بعد عشرين عامًا خلت
27 يناير 2026
27 يناير 2026
منذ 2005م لم أزر لبنان، وتهيأت الفرصة أن أزورها ثانية الأسبوع الماضي، مستحضرًا بعض الذكريات فيها، ومنها المكتبة الشرقية في الأشرفية المعنية بالتراث المسيحي بشكل عام، والماروني والسرياني بشكل خاص، ونشرت دراسات مهمة في هذا الجانب خصوصًا، ولما رأيت صاحبها ثانية تذكرني مباشرة، وسألني عن سبب الاختفاء لعقدين كاملين.
لبنان الغنية بالتنوع الذي قد لا يماثله عربيا إلا في عموم بلاد الشام والعراق، حيث في لبنان تنوع ديني ومذهبي وفكري وفني وسياسي، فضلًا عن جمال الطبيعة وتنوعها، هذا الثراء في التنوع حد كاف أن تكون لبنان والشام عموما قبلة العالم في السياحة والمعرفة والاستثمار، لكن – للأسف – تحول هذا التنوع الطبيعي من عنصر ثراء إلى عنصر صراع وتنافر، يجر أحيانا إلى العنف والاحتراب.
الفارق بين عامي 2005م و2026م فارق كبير، للأسف أن يكون الفارق في تراجع لبنان ذاتها، منذ الحرب الأهلية عام 1975م لم تستطع لبنان أن تتجاوز حدود الطائفية، هذه الطائفية ارتبطت بالصراعات السياسية، وليست صراعات فكرية طبيعية، حيث ذاكرة لبنان لا تستطيع الانفكاك عن الصراعات الداخلية، والصراعات الخارجية في أرضها، هذه الصراعات استخدمت التنوع الطبيعي كأداة لفرض قوتها في الأرض، فالصراع الفلسطيني المسلح في لبنان مع إسرائيل تحول إلى صراع طائفي إسلامي مسيحي منذ حادثة بوسطة عين الرمانة في 13 أبريل 1975م.
ثم الاجتياح السوري في 1976م والإسرائيلي في 1978م واحتلال بيروت، حدث به صراع لبناني – سوري، ازداد الأمر بعد مقتل الحريري عام 2005م، وهو رمزية وطنية وحدوية، وبعد تحرير الجنوب 2000م وصعود حزب الله، ليبرز بشكل أكبر بعد حرب تموز 2006م، هذا الأمر ذاته تحول إلى صراع مذهبي (شيعي - سني) بين حزب الله وتيار المستقبل في 2008م، كما لم يخل من صراعات داخلية في الأطراف الشيعية ذاتها كما بين حزب الله وحركة أمل، وبين مرجعية فضل الله (ت: 2010م) وخصومه ممن يحمل ولاءات إيرانية ضمن إطار النيابة العامة للولي الفقيه المتجاوزة للحدود الجغرافية، كذلك في الأطراف السنية كما بين الإخوان والأحباش والسلفيين، حيث إن الأحباش كانوا ضمن الدعم من قبل النظام السوري السابق، بينما الإخوان كانوا ضد هذا النظام.
منذ أحداث الربيع العربي 2011م، وبروز الثورة السورية، ودخول حزب الله في هذا الصراع، مدافعا عن النظام السوري ظاهريا، ومؤمنا وصول السلاح في الواقع، هذا الأمر تحول من صراع سياسي إلى صراع طائفي، استخدم كأداة طائفية بين الإمامية والنصيرية من جهة، وبين الاتجاهات السنية الأخرى التي تضامنت مع الثورة السورية من جهة أخرى، برز هذا الصراع الطائفي بشكل واضح بعد حرب أكتوبر 2023م، ثم سقوط النظام السوري.
العقلية الأفقية الجمعية اليوم في لبنان متفاوتة بشكل كبير، هناك عقلية نخبوية إسلامية ـ مسيحية، وسنية ـ شيعية، ويمينية ـ يسارية عابرة لجميع هذه الانقسامات، مؤمنة بالدولة الوطنية اللبنانية الواحدة، ومنطلقها الذات الإنسانية المشتركة، مع احترام الخصوصيات شريطة لا تدخل في الشأن العام، بيد أن صوتها لا زال ضعيفا، والصوت الطائفي بسبب الذاكرة السلبية المليئة بالصراع على مستوى الأحزاب والأسرة هي المسيطرة على تفكير الأفراد، فهناك شعور بالمظلومية من قبل الجميع، مرهون بالطائفية، مما يزرع خناقا ضد الآخر على المدى البعيد.
الأمر السيئ الذي رأيته في هذه الزيارة، ومجالستي في مقاهيها وشوارعها، هو ما مرت به لبنان مؤخرا من تراجع اقتصادي، تمثل في تراجع العملة فيها، وما حدث بعد انتفاضة 17 اكتوبر2019م، ثم انفجار مرفأ بيروت 2020م، جر هذا جميعه إلى ضعف السياحة والاستثمار، بسبب الضعف الأمني من جهة، والاقتصادي من جهة أخرى، والسياحة كانت موردا مهما في لبنان، هذا كله جر إلى التضخم وضعف القدرة الشرائية، وكثرة البطالة، مع وجود جاليات عربية فيها خصوصا من سوريا، بحثا عن سبل العيش والمال، ولو بسعر زهيد جدا قد لا يصل إلى خمسة دولارات في اليوم، وهذا ساعد في انتشار الجوانب السلبية، ووجود تفاوت طبقي واضح، لتمدد الطبقة السفلى، والإشكالية في العقل الجمعي كثيرا ما يربط هذا بالطائفية، كذلك أدى إلى ضعف الخدمات كتوفير الكهرباء بشكل مستمر.
إن العقل اللبناني عقل جبار، ولا زال الشعب اللبناني شعبا متعلما ومثقفا، الذي يحتاج إليه لبنان – في نظري – أمران، الأمر الأول دولة وطنية مركزية واحدة، بيدها حماية الشعب والجغرافيا والتنوعات، وأن تكون الأحزاب السياسية أحزابا وظيفية طبيعية وفق القانون، ولاؤها لا يتجاوز الدولة الوطنية، وأن ترتبط بالإنسان وليس بالمذهب والطائفة والمناطقية، وإلا لا فائدة منها إن كان غايتها طائفية بحتة، وألا تكون دولة داخل دولة، هذا يعوق الأمن والتنمية والاستقرار الدائم، مما يضعف الدولة الوطنية الواحدة على المدى البعيد.
الأمر الثاني أن ترتبط هذه الدولة الوطنية ذاتها باللبناني كذات إنسانية واحدة متساوية، وأن يرتبط القانون بهذه الذات، وما يتبع القانون من مؤسسات وخدمات منطلقها وغايتها المواطن اللبناني كذات واحدة، وأن تمايز بين الذات والألبسة الهوياتية، فمن حق الإنسان أن يحافظ على انتماءاته الدينية والمذهبية والفكرية والعرقية، ولبنان بلد الحريات، وهي النموذج الأمثل في عالمنا العربي، بيد أن غلبة الهوية على الذات المشتركة؛ أخرج هذا التنوع ـ كما أسلفت ـ من عنصر الثراء إلى عنصر الصراع، وهذا ما يحتاج أن تتجاوزه لبنان، فاستقرار هذا البلد بجماله وعراقته وتنوعه عنصر ثراء وقوة في وطننا العربي ككل.
