ما بعد الصحافة

27 يناير 2026
27 يناير 2026

بحكم عملي الصحفي وتدريس الصحافة أكاديميًا لأكثر من أربعة عقود، أجد نفسي اليوم في موقع لا أُحسَد عليه فعلًا: أمارس مهنة تغيّرت قواعدها الأساسية، وأدرّس علمًا لم يعد يصف الواقع الإعلامي بدقة. ما أراه يوميًا في مجال الصحافة لا يمكن تفسيره فقط بالحتمية التكنولوجية أو التحول الرقمي، لأن ما يجري أعمق من مجرد انتقال الصحافة من الورق إلى الشاشات. نحن باختصار أمام تحوّل في معنى الصحافة نفسها، وفي موقعها ووظيفتها داخل المجتمع بوصفها وسيطًا معرفيًا بين الواقع والجمهور.

وحتى تتضح الصورة، أقول إن أزمة الصحافة المعاصرة لم يعد بالإمكان فهمها من خلال المفردات التقليدية التي تركز على تراجع التوزيع، وانخفاض الإعلانات، وصعود المنصات الرقمية، إذ تمثل هذه العوامل، في تقديري، مظاهر سطحية لتحول أعمق يتعلق بتغيّر موقع الصحافة داخل منظومة السلطة والمعرفة في المجتمع.

وعلى هذا الأساس، فإن الصحافة لم تعد تمر بمرحلة انتقالية عابرة، بل دخلت طورًا تاريخيًا جديدًا يمكن تسميته بمرحلة ما بعد الصحافة.

في هذا السياق، من المفيد العودة إلى كتاب نشره الباحث الكندي أندريه مير عام 2020 بعنوان «ما بعد الصحافة وموت الصحف: الإعلام بعد ترامب ـ إنتاج الغضب والاستقطاب»، بوصفه أحد أكثر الأعمال الفكرية عمقًا في تحليل الواقع الصحفي الراهن. اللافت أن أطروحات هذا الكتاب، رغم مرور ست سنوات على صدورها، تبدو اليوم شديدة الصلة بما آلت إليه الصحافة، لأنها تنطلق من تشخيص بنيوي وظيفي للتحول في الاقتصاد السياسي للإعلام، وليس من قراءة وقتية مرتبطة بسياقات سياسية محددة.

الفكرة المركزية التي ينطلق منها مير أن أزمة الصحافة الحالية لا تعود إلى فشل مهني بقدر ما تعود إلى تغيّر وظيفتها الاجتماعية. فالصحافة، منذ نهاية القرن التاسع عشر، قامت على نموذج اقتصادي واضح يعتمد على التمويل من الإعلانات والتوزيع، ولذلك كانت وظيفتها الأساسية تتمثل في جذب جمهور واسع من القراء قدر الإمكان. هذا النموذج فرض عليها، بحكم منطق السوق، الحفاظ على قدر مرتفع من التوازن والاعتدال في تغطيتها للأحداث، والسعي إلى إنتاج خطاب يمكن قبوله اجتماعيًا من أطراف متعددة.

ومع انتقال الإعلانات إلى المنصات الرقمية الكبرى، فقدت الصحف مصدر تمويلها التاريخي، واضطرت إلى البحث عن نموذج بديل قائم على الاشتراكات الرقمية والدعم المباشر من الجمهور.

هنا تغيّر منطق العمل الصحفي؛ إذ لم تعد المؤسسة الصحفية بحاجة إلى جمهور واسع ومتنوع، ولكن إلى جمهور محدود نسبيًا، شديد الولاء والاستعداد للدفع. وبذلك تحوّلت الصحافة من السعي إلى مخاطبة المجتمع ككل، إلى تعبئة جمهور خاص بها يحمل منظومة قيم ومواقف واتجاهات محددة.

في هذا النموذج الجديد، لم يعد الخبر هو السلعة الأساسية داخل المنظومة الصحفية، إذ أصبح الجمهور يتلقى الأخبار مسبقًا عبر المنصات الرقمية والشبكات الاجتماعية. ونتيجة لذلك تحوّل المنتج الصحفي إلى منظومة من المواقف والانفعالات والسرديات التي تقوم على استثمار مشاعر الجمهور المصاحبة للأحداث مثل الغضب، والخوف، والشعور بالظلم، والتفوق الأخلاقي.

وضمن هذا الإطار يمكن القول إن الصحافة دخلت طورًا جديدًا من الاقتصاد الإعلامي، يقوم أساسًا على التنافس على جذب انتباه الجمهور، حيث تُقاس القيمة الإعلامية بمستوى التفاعل والانتشار داخل المجال العام أكثر من قدرتها على تقديم تفسير متماسك للواقع.

من زاوية مهنية، أرى أن أخطر ما في تحليل مير يتمثل في ربط الأزمة الاقتصادية بالتحول في وظيفة الصحافة. ففي مرحلة ما بعد الصحافة، أصبحت الممارسة الصحفية محكومة بمنظومة من المواقف المسبقة تسهم في إعادة صياغة الواقع بدل الاكتفاء بوصفه. ونتيجة لذلك يتحول الخبر إلى أداة تعبئة، ويتخذ التحليل طابعًا قيميًا، وتميل التغطية إلى التعبير عن مواقف سياسية أو أخلاقية صريحة أو ضمنية.

ووفقًا لهذا المسار تتراجع الوظيفة المعرفية للصحافة تدريجيًا، ويزداد اقترابها من أنماط الخطاب الدعائي، حتى مع استمرار رفع شعارات المهنية والاستقلال.

هذا التحول يفسر كثيرًا من الظواهر التي نعيشها اليوم داخل المجال الصحفي، مثل تصاعد الاستقطاب، وتراجع الموضوعية والتوازن في المعالجة الإعلامية، وضعف الخطاب التحليلي، وهيمنة اللغة القطعية. فبيئة المنصات الرقمية تنتج أنماطًا من التواصل تقوم على التبسيط وسرعة إصدار الأحكام، واستخدام اللغة الحادة، وتعزيز الانقسام داخل المجال العام، وهو ما ينعكس في تراجع حضور التفكير المتأني والشك الصحي في الخطاب الصحفي.

ومع انتقال الصحافة إلى الفضاء الرقمي، اندمجت تدريجيًا في بنيته الاتصالية، وأصبحت تعمل ضمن منطقه الخاص.

إسقاط أطروحة مير على الواقع الصحفي العربي يحتاج إلى قدر كبير من الحذر والتفصيل. فالصحافة العربية تختلف اختلافا جذريًا في أصولها التاريخية ونمط ملكيتها ووظيفتها السياسية عن السياقات التي تبلور فيها النموذج الليبرالي الغربي.

وقد تطورت هذه الصحافة، في معظم تجاربها التاريخية، خارج منطق السوق الحر المستقل القائم على الإعلان والمنافسة، وعملت داخل فضاء سياسي كانت فيه الدولة فاعلًا مباشرًا في التأسيس والتمويل والتوجيه، سواء عبر الملكية الصريحة، أو عبر أشكال غير مباشرة من الرعاية والضبط.

هذا الفارق يعني أن ما تعيشه الصحافة في العالم العربي لا يمكن وصفه بأنه مرحلة ما بعد الصحافة، لأن الأزمة الأساسية لا تتعلق بانهيار الصحف اقتصاديًا بقدر ما تتعلق بتغيّر دورها ووظيفتها داخل المجال العام.

فالصحف العربية، في معظم تجاربها التاريخية، أدّت أدوارًا معرفية ورمزية داخل بنية سياسية واجتماعية محددة، ولم تقم على منطق وآليات السوق. ومع انتقال الجمهور العربي إلى المنصات الرقمية، تراجع موقع الصحف بوصفها مصدرًا مركزيًا للخبر، وضعفت قدرتها على أداء دورها التقليدي في تحليل الأحداث ومنحها تفسيرًا عامًا مقبولًا اجتماعيًا. وعلى هذا يمكن القول إن دخول الصحافة العربية إلى مرحلة ما بعد الصحافة يرتبط بمسار مختلف عن التجربة الغربية، ويتمثل أساسًا في تراجع الاحتكار الرسمي للمعلومات. فالدولة لم تعد تحتفظ بموقعها كمصدر أساسي ووحيد للخطاب العام، ولم تعد المؤسسة الصحفية تؤدي دور الوسيط الحصري بين السلطة والمجتمع، بعد أن أصبح الجمهور يشارك بشكل مباشر في إنتاج الخطاب وتداوله وتفسيره.

في ضوء ما سبق، تظل أطروحة مير مفيدة لأنها تكشف أن جوهر أزمة الصحافة يرتبط أساسًا بأبعاد معرفية ووظيفية تتجاوز العوامل التقنية والاقتصادية. فالصحافة العربية فقدت قدرتها على تقديم نفسها بوصفها سلطة تفسيرية مستقلة للأحداث، بعد أن تراجع احتكارها لرواية الأحداث، وأصبحت جزءًا من تدفق فوضوي من الخطابات والمنصات والمصادر. ويمكن القول إن معاناة هذه الصحافة تتصل أكثر بقدرتها المحدودة على تمثيل المجتمع بكل فئاته والتعبير عنه، وهي معاناة مرتبطة بالتراجع المتسارع في دورها التفسيري، إذ لم تعد المؤسسة الصحفية مرجعًا معرفيًا ذا هوية واضحة، وتحولت إلى واحد من مصادر كثيرة متجاورة ومتنافسة داخل فضاء رقمي مزدحم، لا يمتلك فيه أي طرف سلطة تفسيرية ثابتة.

إن أزمة الصحافة العربية اليوم ترتبط أساسًا بغياب سؤال الوظيفة، أي بغياب تصور واضح لما يُفترض أن تقوم به الصحافة داخل مجتمع تغيّرت علاقته بالخبر وبالتفسير وبالوساطة المعرفية، وهو ما انعكس في تراجع موقعها بوصفها المصدر المركزي للمعلومة والمرجع الرئيس لتفسير الأحداث.

وفي تقديري، من دون إعادة طرح هذا السؤال، والبحث عن إجابات علمية عنه، ستظل الصحافة العربية تتحرك داخل مرحلة ما بعد الصحافة باعتبارها مسارًا تفرضه التحولات القائمة أكثر مما يشكّل فرصة لإعادة النظر في موقع ودور الصحافة في المجتمع.