مجلس للسلام أبعد ما يكون عن السلام

27 يناير 2026
27 يناير 2026

عندما يُدعى أكبر مجرم في عصرنا الحالي، ملطخة يداه بقتل أكثر من ٧١ ألف فلسطيني معظمهم من النساء والأطفال، وجرح أكثر من ١٧١ ألف من سكان قطاع غزة، أكثرهم كذلك من النساء والأطفال، وتدمير مدينة غزة بالكامل إلى عضوية مجلس السلام، الذي أسسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فهذا أقل ما يقال عنه إنه استخفاف بالقانون الدولي، واحتقار للدم العربي الفلسطيني ولمشاعر الإنسانية جمعاء.

فمجلس السلام الذي أعلن الرئيس ترامب عن تأسيسه رسمياً في ١٥ من يناير من العام الحالي ٢٠٢٦م بموجب قرار مجلس الأمن رقم ٢٨٠٣ الصادر في ١٧ نوفمبر ٢٠٢٥م، يُعد هيئة انتقالية دولية، تهدف إلى دعم إدارة وإعادة إعمار قطاع غزة، وإنعاشه اقتصاديا، بعد العدوان المدمر، الذي شنته آلة الحرب الصهيونية على قطاع غزة في ٨ أكتوبر ٢٠٢٣م، واستمر لأكثر من عامين؛ بمعنى أن المجلس حسب قرار مجلس الأمن معني بقطاع غزة.

ولكن عندما وقع الرئيس ترامب في ٢٢ من يناير الحالي على هامش منتدى دافوس، على الوثائق الرسمية لإنشاء المجلس، بحضور ممثلي ٢٠ دولة من الدول التي وافقت على الانضمام لهذا المجلس، من مجموع ٦٠ دولة وجهت لها الدعوة للانضمام، تفاجأ العالم بمجلس مختلف كلياً وباختصاص لم يرد في قرار مجلس الأمن آنف الذكر؛ لدرجة أن غزة، وهي المعنية بهذا المجلس لم تتم الإشارة إليها في وثيقة تأسيس هذا المجلس والمتكونة من ١١ صفحة.

بدأ الميثاق بديباجة غريبة وصادمة للكل، تنتقد بكل وضوح المؤسسات الدولية التقليدية في بناء السلام، معتبرة أنها فشلت مراراً وتكراراً، في إشارة صريحة لهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، مع التأكيد في الفصل الأول من الميثاق أن مجلس السلام منظمة دولية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة إرساء الحكم الرشيد وسيادة القانون، وضمان السلام الدائم في المناطق المتضررة من النزاعات أو المهددة بها.

بمعنى أن اختصاص المجلس مطلق، ويشمل أي نزاع في العالم، وليس قطاع غزة الذي أنشئ المجلس من أجله. وهذا بالتالي يضع المجتمع الدولي في مفترق الطرق، لكون النوايا من تأسيس هذا المجلس -الذي أشك شخصياً من إمكانية استمراره- واضحة، وهو إيجاد كيان جديد يقصي أو يتعارض مع الاختصاص الفعلي لمجلس الأمن الدولي، المناط به حفظ الأمن والسلم الدوليين، ويهمش هيئة الأمم المتحدة، التي احتفل العالم قبل عدة أشهر بمرور ٨٠ عاماً على إنشائها.

ومن المفارقات المضحكة في ميثاق هذا المجلس، أن العضوية تقتصر فقط على الدول التي يدعوها الرئيس الأمريكي للمشاركة بصفته رئيساً للمجلس، وتبدأ فور استجابتها وموافقتها على الالتزام بأحكام الميثاق والتي تستمر عضوية كل دولة فيه لمدة ٣ سنوات، إلا إذا ساهمت بمبلغ يقدر بمليار دولار، حينها تكون عضويتها دائمة، مع منح الرئيس الأمريكي إنهاء عضوية أي دولة، ومنحه فقط حق النقض (الفيتو).

بمعنى أن أي قرار لا يروق للرئيس الأمريكي وحده هو والعدم سواء. ولأن الكتاب يقرأ من عنوانه، فمعظم الدول الأوروبية الفاعلة كفرنسا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا، أبدت عدم رغبتها في المشاركة في هذا المجلس الفريد من نوعه، لعدة أسباب؛ منها ما هو متعلق بتعارض نظامه مع نظام هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ومنها ما هو متعلق بتهديد ترامب بضم جزيرة جرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك، ومنها ما هو متعلق بدعوة الرئيس بوتين للانضمام للمجلس.

وبدوره، أعلن الرئيس الأمريكي أنه سيعاقب كل من يرفض الانضمام لهذا المجلس، كما فعل مع فرنسا عندما هددها برفع الرسوم الجمركية على بعض منتجاتها بنسبة ٢٠٠٪ لإعلانها عدم الرغبة في الانضمام لهذا المجلس، وكذلك قيامه بسحب الدعوة الموجهة لرئيس وزراء كندا مارك كارني، لانتقاده ـ ضمناً ـ سياسة الولايات المتحدة في التعامل مع المجتمع الدولي بمنطق القوة.

وعند استعراض أجهزة هذا المجلس، نرى أن أعضاء المجلس التنفيذي للمجلس الذين قام الرئيس ترامب بتعيينهم، وهم مارك روبيو وزير الخارجية الأمريكي، وستيف ويتكوف المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط، وجاري كوشنر صهر الرئيس دونالد ترامب، ورئيس وزراء المملكة المتحدة الأسبق توني بلير، لا يختلف اثنان على انحيازهم الأعمى للكيان الصهيوني.

أما اللجنة الوطنية المدنية المعنية بإدارة الخدمات في قطاع غزة والمتكونة من شخصيات فلسطينية مستقلة يرأسهم علي شعث، فحتى الآن لم تسمح لهم إسرائيل بالدخول إلى قطاع غزة، وطبعاً كل هياكل هذا المجلس ليس هناك تمثيل للسلطة الفلسطينية فيها؛ مما يؤكد أن حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية ليس مطروحاً على أجندة مجلس السلام والأجهزة المنبثقة عنه، وأن هذا المجلس هو بمثابة ـ حسب تعريف المعنيين من ذوي الشأن في فلسطين ـ انتداب جديد على قطاع غزة بشكل خاص، وفلسطين بشكل عام.

وطبعاً، بوجود هذا المجلس وما يمثله من اختصاص، أصبحت قرارات الشرعية الدولية، المعنية بعدم الاعتراف بالاحتلال الصهيوني لفلسطين، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره في مهب الريح. حيث يجمع الكثير من الخبراء والمعنيين بالقانون الدولي، أن هذا المجلس يهدد السلام والاستقرار العالمي، ويفتح الباب أمام تفرد غير مسبوق للإدارة الأمريكية بالقرار الدولي، وأن النظام الدولي يكون في حالة قبوله بهذا المجلس، قد سلم قيادته الإستراتيجية لدولة واحدة وهي - حسب السوابق والشواهد- أبعد ما تكون عن إحلال السلام في هذا العالم المضطرب.